23 يناير 2012

شباب الثورة اليمنية إلى نقطة الصفر


«احذروا هذا الشخص يلعب اختراقاً»، هذا ما تكتبه مرمرة على صفحتها على موقع «فايسبوك» مرفقاً برابط صفحة الشاب الذي تتهمه بالقرصنة الالكترونية.
وبحسب المعلومات المبينة على صفحتها، تقيم مرمرة في برلين ولا يوجد في منشوراتها الجديدة والقديمة ما يشي بمناوئتها للثورة اليمنية أو انها «بلطجية» بحسب ما يقول الشاب المتهم الذي اتضح لاحقاً إنه ناشط في المركز الاعلامي لساحة التغيير في صنعاء.
وتشكل الحرب الالكترونية إحدى ساحات المواجهة بين شبان الثورة وأنصار النظام الحاكم، وتعكس ايضاً طبيعة الصراعات الناشبة داخل مكونات الثورة نفسها.
ويرشح من منشورات مرمرة والشاب المتهم بالاختراق، انزلاقهما الى الخصومة القائمة بين الحوثيين والاصلاحيين وهما جماعتان تخوضان صراعاً صار يقسم ساحات الاحتجاج اليمنية على أسس تقليدية اقرب ما تكون الى المذهبية وان شملت غير المتدينين.
الحديث عن مندسين وأعداء مفترضين يعملون ضد الثورة من داخلها ومن خارجها وشيوع خطاب التخوين ليس وليد اللحظة ولا ينحصر بشبكات التواصل الاجتماعي فحسب بل هو سمة لازمت الثورة الشبابية اليمنية منذ انطلاقتها مطلع العام الماضي.
الصراع الذي تشهده ساحات الاحتجاج يشي باحتمال نشوب مواجهات ربما جاءت اكثر حدة من تلك التي خاضها الثوار ضد النظام الذي حصل على اتفاق مصالحة وطنية يعفيه من أي عقوبات.
ولا يزال للنزعات العصبوية تأثير في توجيه السلوك السياسي والاجتماعي في هذا البلد الذي لطالما وظفت السلطة طابعه القبلي لمصلحتها. ومنذ توقيع الرئيس اليمني في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي اتفاقاً رعته دول الخليج والأمم المتحدة ينظم نقل السلطة، تفاقم الصراع بين الحوثيين الشيعة والاصلاحيين السنّة خصوصاً بعد سيطرة الحوثيين على محافظتي صعدة والجوف ومحاصرتهم لمركز دماج وهو معهد ديني سلفي يضم دارسين عرباً وأجانب.
وغداة وصول «مسيرة الحياة» الى ساحة التغيير في صنعاء والتي يتهم الحوثيون الشيعة بالوقوف وراءها، نشب عراك بين حوثيين واصلاحيين ما أدى الى جرح نحو 20 شخصاً.
وعلى رغم تشابه شعارات المحتجين اليمنيين مع الشعارات التي رفعتها بقية ثورات الربيع العربي، جاءت الثورة اليمنية على صورة واقعها الاجتماعي وهو واقع لم يتخفف بعد من إرث ما قبل الدولة ومن سماته تشظي الجماعة الاجتماعية وشيوع الخوف والتوجس من الآخر. وكانت المسيرات الراجلة مثل مسيرتي « الحياة» و»الكرامة» اللتين انطلقتا من تعز والحديدة باتجاه صنعاء (قطع آلاف المحتجين ما يزيد عن 250 كلم سيراً على الاقدام) قوبلت بردود افعال متباينة خصوصاً مع مقتل 13محتجاً أثناء محاولة المرور بجوار القصر الرئاسي.
وترى سلوى (22 سنة) في الحادثة «عملاً عبثياً واستهتاراً بأرواح الشبان»، مؤكدة عدم وجود هدف واضح للمسيرة باستثناء استعراض القوة في اطار الصراعات بين مكونات الثورة.
والواضح على الفرز السياسي الذي يشهده اليمن حالياً أنه يعيد الثورة الشبابية الى لحظة الحرب الباردة حين كان الاصطفاف السياسي يقوم على ثنائية تضم اليسار والقوميين والجماعات الشيعية أو ما يعرف باليسار الاسلامي من جهة، والسلفيين والاخوان المسلمين والنظام العسكري القبلي الحاكم في شمال اليمن من جهة ثانية.
ويقول محمد (33 سنة) أنه يؤيد الحوثيين لأنهم يشكلون قوة توازن أمام هيمنة الاصلاحيين والسلفيين، مشيراً إلى أن القادة الشيعة يظهرون انفتاحاً نسبياً لجهة الحريات في إشارة الى فتوى رجل دين شيعي تجيز الاختلاط بين الذكور والإناث في ساحة الاحتجاج.
ويلفت محللون سياسيون إلى مسعى ايراني لإيجاد حليف يمني قوي يوفر لطهران موطئ قدم على مضيق باب المندب المتحكم بسير الملاحة الدولية بما يعزز موقف ايران تجاه واشنطن. وتؤكد مصادر محلية وجود استقطاب نشط تمارسه الجماعات الحوثية في محافظة تعز القريبة من باب المندب كما أن بين شبان الثورة من يبدي تأييداً للنظام السوري ويشارك في نشاطات ترعاها مؤسسات ايرانية او سورية أو على صلة بـ»حزب الله» اللبناني.
وتجد الجماعات الموالية لطهران في الرافضين للمبادرة الخليجية في الساحات وداخل الحراك الجنوبي صيداً ثميناً لتحفيز العداء للأميركيين والخليجيين. وصار قانون منح الرئيس صالح ومن عمل معه ضمانات بعدم الملاحقة القضائية احدى وسائل شحن العداء ضد الحكومة رغم انها تضم ممثلين عن الحوثيين.
وردد المحتجون شعارات تندد بالاتفاق مثل «يا حكومة نص نص واحد قاتل واحد لص»، فيما اعلن حوثيون واشتراكيون عن تشكيل ما سمي بـ» لجنة انقاذ الثورة».
والحال أن ثورة الشباب اليمني لم تستقر بعد على وعي يرقى أن يشكل ركيزة جديدة للدمقرطة ونبذ العنف لإخراج البلد من نفق العصبيات القاتلة. وتأمل هدى (25 سنة) أن يؤدي الفرز الجديد الى إعادة الوضوح للمشهد السياسي بعد الالتباس الذي سببته طبيعة حزب المؤتمر الشعبي الحاكم.
ويرجح البعض أن يؤدي انسحاب ممثلي القبيلة و»الاخوان المسلمين» من «المؤتمر الشعبي» الى تبلور تحالف جديد يضم كلاً من الحوثيين والاشتراكيين والناصريين وحزب المؤتمر الشعبي خصوصاً بعد تحرر الاخير من هيمنة الرئيس صالح والجماعات القبلية والدينية وهذا أمر يحظى بدعم غربي واسع.
وتفيد معلومات بأن التيار العلماني داخل المؤتمر الشعبي لعب دوراً في ما بات يعرف بثورة المؤسسات التي تستهدف تفكيك منظومة المصالح التي اعتمد عليها الرئيس صالح وافراد أسرته في حكمهم للبلاد، وتشمل مسؤولين عسكريين ومدنيين متهمين بالفساد.


12 يناير 2012

التسول والاحتيال متلازمة ظاهرة الفقر في اليمن

تشير فتاة عشرينية بيدها لأحد المارة، وما أن يقترب منها تخرج روشتة دواء قائلة بصوت خفيض لا يخلو من نبرة خجل واحتشام، إن والدتها في المستشفى ووالدها متوفى، وإن المال الذي كان بحوزة الأسرة نفد على نفقات المستشفى، وليس لديهم من يعينهم على شراء الدواء لإنقاذ أمها. تحكي ذلك في شكل يوحي وكأنها المرة الأولى التي تطلب فيها مساعدة الغير، لكن ما تلبث أن تكتشف أن الفتاة تكرر هذا الدور مع كثيرين، في أيام متتالية وأماكن مختلفة.
ومع ازدياد رقعة الفقر وانتشار البطالة وتفاقم الضائقة الاقتصادية التي يشهدها اليمن، اتسعت ظاهرة التسول بشكل لافت، وصارت تندغم أحياناً بـ «الاحتيال». يبتكر المتسولون أساليب جديدة بهدف دغدغة عواطف الناس ودفعهم إلى مساعدتهم، وثمة من ينزلق الى ارتكاب جرائم سرقة، وبعضهم يكون عرضة للتحرش والاغتصاب، خصوصاً الأطفال والنساء منهم. وإضافة إلى الجماعات التقليدية من المتسولين الذين ينتمون الى الفئات المهمّشة ينضم الى الطابور، كل يوم، متسولون جدد من الجنسين ومن مختلف الفئات العمرية، وكثيرون من هؤلاء من الذين قذفت بهم الأرياف الى المدن بعد أن انسدت أمامهم سبل العيش.
وبات البعض يبتكر أساليب تحجب عنه صفة المتسول، عازفاً على وتر الثقافة السائدة التي تجسدها العبارة الشائعة «ارحموا عزيز قوم ذل»، لإظهار عزة نفس والإيحاء بأنه «ابن ناس»، وأن الظروف القاهرة فرضت عليه أن يمد يده. وعادة هؤلاء ألاّ يستقروا في مكان محدد ويختارون «ضحاياهم» بإتقان.
ويروي عبد العزيز (37 سنة) أن شخصاً يبدو من مظهره ولهجته أنه من ابناء القبائل البدوية التي تعيب التسول، استوقفه في احد شوارع العاصمة طالباً مساعدته. ويوضح: «للوهلة الاولى بدا لي أنه يريد الاستفسار عن شيء ما، فبعد أن القى عليّ السلام وصافحني، أخذ يروي حكاية مفادها أنه جاء الى صنعاء برفقة جماعته، وأنه أضاع أصحابه ولا يعرف أين هم، وأن النقود الخاصة به مع أحد أفراد الجماعة وليس لديه أجرة السيارة ليعود الى قريته». ويذكر عبد العزيز أنه صدّق حكاية الرجل فمنحه ألف ريال (نصف دولار)، وبعد نحو شهر من الحادثة شاهد الرجل نفسه في سوق القات وهو يستوقف شخصاً آخر ليروي له الحكاية ذاتها. ومن بين المتسولين من يخرج مع زوجته وأبنائه الى الشارع وقد حمل معه بعض أثاث البيت، مثل البطانيات، قائلاً للمارة ان اسرته لم تجد ما تأكله وأنه مضطر لبيع هذا الاثاث ليطعم أفراد أسرته، مكرراً هذا المشهد في شكل شبه يومي.
تسوّل بـ «أناقة»
ومع أزمة المواد النفطية التي نشبت على خلفية الاحتجاجات الشعبية المطالبة بتنحي الرئيس اليمني وأبنائه وأقاربه عن الحكم، ظهرت أساليب جديدة هي مزيج من التسول والاحتيال. يروي عبد العليم (55 عاماً) أنه التقى شخصاً أنيقاً يرتدي بذلة رسمية وربطة عنق ويحمل بيده علبه فارغة. وفق عبد العليم، فإن الرجل أخبره بأن البنزين نفد من سيارته، وأنه نسي بطاقته الائتمانية وهاتفه المحمول في منزله الواقع في الضواحي، وانه يخشى إن عاد الى المنزل أن تُسرق سيارته «خصوصاً في مثل هذه الفوضى الامنية». ولذلك طلب من العليم أن يقرضه مبلغاً، مبدياً استعداده لأن يعيد المبلغ مضاعفاً فور الانتهاء من المشكلة. ويقول عبدالعليم: «شعرت بأن شيئاً غريباً في الأمر، فلم أتشجع على إقراض الرجل المال، خصوصاً ان لا خيار أمامي إن أقرضته سوى الانتظار الى أن يحصل على البنزين، وهو أمر يحتاج الى وقت طويل، بسبب الطوابير على المحطات، أو أن أكتفي بأخذ رقم هاتفه بحسب ما اقترح عليّ».
وأكد مواطنون وجود مثل هذه الاساليب، وهناك من يعرض لك جنبيته (خنجره) او ساعته الثمينة رهناً، لتكتشف في ما بعد أنها ماركة مزيفة ولا تساوي المبلغ الذي أخذه.
وكان عرض العاهات الجسدية وتقديم تقارير طبية تفيد عن الاصابة بمرض خطير، ولا يزال، احد الاساليب المتبعة للتسول، وكذلك حمْل الاطفال الرضع. وتفيد معلومات أن بعض المتسولين يعمد الى الزواج بأكثر من واحدة ليستخدم الزوجات والابناء في عملية التسول، وتروى حكايات عن تهديد بالضرب لمن لا يعود بالمال.
وكانت ظاهرة تهريب الاطفال الى دول الجوار نهضت على استخدام الاطفال المهربين للتسوّل، وخلال الاسبوع الماضي اعلنت المملكة العربية السعودية انها اعادت إلى اليمن 3 آلاف متسلل الى أراضيها بينهم 800 طفل.
وأخفقت الحكومة اليمنية في تنفيذ أهداف الألفية، ومنها القضاء على الفقر المدقع والجوع. وأكدت دراسات أن بعض الأسر الفقيرة توقف أبناءها عن الدراسة وتدفع بهم إلى ممارسة التسول. ويرى باحثون أن ظاهرة التسول لا تتعلق فقط بانتشار الفقر الذي وصل مطلع العام الجاري الى نحو 70 في المئة من عدد السكان، بل أيضاً بتوزيع الثروة، اذ يحتكر خُمس اليمنيين 40 في المئة من إجمالي الإنفاق.
وبات الفساد الحكومي حجة بعض المتسولين الممانعين لأي اجراءات تُتخذ ضدّهم. ويقول متسوّل: «إذا كان رب البيت بالدف ضارباً فشيمة أهل الدار كلهم الرقص»، غامزاً من قناة الحكومة، التي يقول انها تتسول الهبات والمساعدات.
وكانت تعليمات رئاسية صدرت في وقت سابق تحظر سفر كبار المسؤولين إلى دول الجوار خلال شهر رمضان، بعدما أفيد بأن بعضهم يذهب لطلب الزكاة والصدقة. وتُوجَّه انتقادات لأساليب الحكومة في توزيع معاشات الضمان الاجتماعي، وفي التعاطي مع مشكلة النازحين المقدر عددهم بـ400 ألف شخص.

05 يناير 2012

معوّقو اليمن ينتفضون ... والضرب لا يستثني العميان منهم!


 مشهد سريالي ذلك الذي حدث أثناء اعتصام وتظاهرة لذوي الحاجات الخاصة أمام مقر وزارة الشؤون الاجتماعية في صنعاء، مطالبين بإقالة مسؤولي صناديق المعوقين، قبل أن تدهمهم مجموعة من العناصر الموالية للرئيس علي عبدالله صالح وتعتدي عليهم بالضرب. عميان وصم وبكم ومعوّقون على كراس متحركة، بدوا أبطالاً لكوميديا سوداء، في ظل محاولة المعتدين عليهم نزع اللافتات منهم وتفريقهم، وإطلاق النار في الهواء بقصد إخافتهم.
وفي معمعة المعركة غير المتكافئة، أخذ متظاهر كفيف ينادي عبر مكبر الصوت: «أين النخوة يا أهل الحارة؟»، طالباً مساعدة السكان، ظنّاً منه على ما يبدو أن المعتدين من عناصر الشرطة. لكن المفارقة المبكية المضحكة، أنه بدلاً من أن تصلهم النجدة خرجت من الحارة مجموعة أخرى من الشبان المناصرين للرئيس صالح، بعضهم يحمل العصي، وساهموا في ضربهم.
وفي ما اختلط الحابل بالنابل، راح بعض المتظاهرين من العميان يخبط بيده على رفاقه ظنّاً منه أنهم من المعتدين. أما المشهد الأكثر تعبيراً عن المأساة، فتمثل بفتاة بكماء حاول المعتدون نزع اللافتة منها وهي تمنعهم باستماتة، وحين تمكنوا منها، انتابتها ثورة غضب فأخذت تحرك يديها وكل عضلة في جسمها محاولة الصراخ والاحتجاج.
لاعتداء على المعتصمين جاء بعد مغادرة وزيرة الشؤون الاجتماعية أمة الرزاق حمد مقر الوزارة، وهي من قياديي صالح الذين وقعوا على المبادرة الخليجية ممثلة المؤتمر الشعبي الحاكم. وقال مصدر في الوزارة لـ «الحياة»، ان الوزيرة طلبت من المتظاهرين ان يقدموا طلباتهم مكتوبة لكنهم لم يفعلوا، وهو ما نفاه المحتجون الذين كانوا يتلون عبر مكبر الصوت رسالة تضمنت مطالبهم.
وتمثّلت مطالب ذوي الحاجات الخاصة ومعلميهم بإقالة مسؤولي الصناديق المعنية، مثل صندوق رعاية المعوقين وصندوق الرعاية الاجتماعية. وشكا الطلاب ومعلموهم من ســوء الخدمات المقدمة لهم، واتهموا مسؤولي الصناديــق بإنفــاق الأموال المخصصة للمعوقين فـي غير محلها، وسـوء الإدارة، مطالبـيـن بـتـثبـيـت المعلمين والمعلمات المتعاقدين، وتحسين المخصصات العينية، مثل الادوية التي تصل فاسدة في كثير من الاحيان.
ومنذ تشكيل حكومة الوفاق الوطني مطلع الشهر الماضي، يشهد اليمن انتفاضات في عدد من المؤسسات الحكومية تطالب بإقالة قيادة هذه المؤسسات المتهمة بالفساد، وبعضهم مضى على وجوده في منصبه ما يزيد على ثلاثين عاماً. وكان المؤتمر الشعبي، الذي يتقاسم مع المعارضة حقائب حكومة الوفاق الوطني، اعتبر هذه الانتفاضات من تدبير المعارضة، ورأى فيها استهدافاً له، وهو ما عبر عنه المؤتمر من خلال معاودة تنظيم مسيرات الجمعة التي كان أعلن عن وقفها، وحملت الجمعة الفائتة التي نظمها انصار الرئيس تحت شعار «إذا عدتم عدنا»، في اشارة الى المسيرات والاحتجاجات التي يتهم المعارضة بالوقوف وراءها.
ومنذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية في شباط (فبراير) الماضي «صارت ايام الجمعة أكثر دموية وأقل تعبيراً عن التسامح»، يقول احد المواطنين الذين شهدوا الاعتداء على المعوقين. وعلى رغم اعلان اللجنة العسكرية إزالة الحواجز والمتاريس من شوارع العاصمة، مازال انتشار السلاح والمسلحين قائماً في مناطق نفوذ الاطراف المتصارعين. ويرشح من احاديث كل طرف مدى الضغينة التي يكنّها للآخر.
وصادر انصار الرئيس الذين اعتدوا على تظاهرة المعوقين، آلات التصوير، ومنها كاميرا «الحياة»، كما استخدموا مقار تابعة للوزارة للاحتجاز.
ويؤدي العنف الذي يشهده اليمن منذ مطلع العام الماضي الى شعور كثيرين بالخوف على حياتهم، خصوصاً الفئات الضعيفة، مثل المعوقين. ولا يقتصر العنف على المواجهات التي تنشب بين انصار الرئيس صالح والمعارضين لحكمه، بل ويشمل المواجهات التي تنشب بين جماعات تعتبر نفسها متحالفة في الثورة.
ويقدّر عدد المعوقين في اليمن بنحو 400 الف شخص، ويشكون من ضعف العناية المقدمة لهم. وتخلو الشوارع والمباني من تسهيلات خاصة بمرور المعوقين.
وسبق أن سُجلت حوادث تحرش واعتداء جنسي على تلاميذ معوقين من نزلاء المؤسسات التأهيلية. وفي حادثة ضرب المعوقين تأخرت الشرطة في الوصول الى مكان الحادث، وامتنع حراس الوزارة عن التدخل.

03 يناير 2012

الربيع العربي ...فرصة على اليمنيات «اقتناصها»


 تفرح أروى بعودة الحياة إلى شارع الرياض (هايل سابقاً) بعدما ظل لشهور مغلقاً وشبه مهجور نتيجة المواجهات المسلحة بين القوات المؤيدة للثورة والموالية للرئيس اليمني، ما اضطر كثرة من الأسر إلى مغادرة مساكنها.
لا يتعلق فرح أروى بتمكنها من العودة إلى منزلها أو بطبيعة الأنثى الميّالة إلى نبذ الحروب، بل هو يرتبط أيضاً بموقف فكري ورؤية جديدة لمعنى الثورة. فمنذ انخراطها المبكر في ساحة التغيير في صنعاء، كانت أروى ضمن قلة قليلة من الناشطين والناشطات الذين سعوا فعلاً إلى تجسيد ثقافة النضال السلمي وتحلّوا بوعي نقدي إنساني في تعاطيهم مع فعل الاحتجاج ومطلب إسقاط النظام.
وعلى رغم الحضور غير المسبوق للنساء في ساحات الاحتجاج اليمنية وتصدرهن الفعل الثوري - ما أدى إلى سقوط العشرات وجرح المئات منهن وتعرض بعضهن لانتهاكات متنوعة - جاء حضور المرأة في مشهد الثورة اليمنية «زلقاً وتابعاً»، ويراوح بين قيدين: نسوي وذكوري في آن.
ولم يكن قد مضى نحو شهرين تقريباً على اندلاع الحركة الاحتجاجية المطالبة بتنحي الرئيس صالح وأبناءه وأقاربه عن الحكم، حتى بدأت عملية الفصل بين الذكور والإناث في ساحات الاحتجاج. مطلب الفصل جاء ذكورياً لكنه قوبل بإذعان كثيرات من الناشطات. وعلى مدى 11 شهراً، ظل الوعي الذكوري، وما زال، يهيمن على فضاء ساحات الاحتجاج، سواء لجهة الخطاب أم التشكيلات التي تأسست في الساحة.
 وإزاء هذا الحضور الكبير للنساء أخذ البعض يتساءل عن سبب عدم حصول قضايا نسوية مهمة مثل قضية زواج القاصرات على إجماع نسائي لافت. والحق أن التلاقي غير المسبوق على مطلب إسقاط النظام نهض على الثقافة الاجتماعية السائدة ذاتها ولم يتجاوزها، وهو جاء محمولاً بأجندة ومرجعيات مختلفة ومتباينة.
صحيح أن شعار إسقاط النظام وحّد الجميع، لكن التباينات حول الأساليب وعدد من القضايا، مثل حقوق المرأة وطبيعة الدولة المنشودة... ظلّت تعتمل اتفاقاً واختلافاً، إلى درجة الصدام أحياناً. ولم يقتصر الصراع على القوى الدينية وغير الدينية، بل ونشب بين الجماعات الدينية نفسها. وكان لافتاً إصدار رجال الدين فتوى تجيز الاختلاط في ساحات الاحتجاج، لكن الفتوى لم يعمل بها، وبقي الفصل على ما شهدته الساحات. وسبق لناشطين في حزب تجمع الإصلاح الإسلامي، ممن خاضوا نقاشات حول موقف الدين من زواج الصغيرات، أن برهنوا من منظور إسلامي عدم وجود تعارض بين قوننة زواج الصغيرات والشريعة.
ومن المرجّح أن مفاعيل الربيع العربي في اليمن، قد تسفر عن خلاص جزئي يتمثل بإزاحة الرئيس صالح وعائلته من الحكم، لكنها قد لا تحدث تغييراً جذرياً، خصوصاً في ما يتعلق بتلك القضايا المتجذرة ثقافياً واجتماعياً مثل حقوق المرأة. وما زال الإيمان الحقيقي بحقوق المرأة يقتصر على جماعات صغيرة من النساء والرجال تتوزع على مختلف التيارات والاتجاهات السياسية والأيديولوجية.
والواضح على الممانعة الاجتماعية لهذا النوع من القضايا أنها من التعقيد والتشابك في شكل يضع النساء أنفسهن في وضع المناوئات لحقوقهن. ولعلّ في المسيرات النسائية الحاشدة التي قادها رجال دين متشددون ضد مشروع تعديل قانوني يحدد الزواج بسن 16 سنة ما يؤشر إلى طبيعة الممانعة الاجتماعية. وجلّ اللواتي خرجن في تلك المسيرات يشكلن القاعدة العريضة للحضور النسائي في ساحات الحرية والتغيير. ومثل هذا يصح على تصويت النساء لمرشحين رجال ممن هم في العمق تقليديون ومناهضون لحقوق للمرأة.
وكان النواب الممانعون لتمرير تشريعات تصب في مصلحة المرأة توزعوا على معظم الأحزاب في الحكم والمعارضة. وما يفعله عادة رئيس الجمهورية أنه قد يتخذ من هذه القضايا ورقة سياسية يلعب فيها مع هذا الطرف أو ذاك.
ويرشح من مشهد الربيع اليمني أن حضور المرأة، مثلها مثل كثير من الذكور، جاء محكوماً بهاجس التغيير من دون تعيين واضح لماهيته. والمرأة أخفقت تقريباً في كسر تبعيتها للرجل، وهي تبعية تراتبية تسري على الذكور والإناث على حد سواء. وكان للمرأة أن وقعت في خضم الصخب الشعاراتي المنتج في ساحات الاحتجاج من دون ملاحظة للمضامين التمييزية التي ينطوي عليها.
وحتى في تلك الحالات التي برز فيها قهر النساء بشدة، من قبيل حادثة الاعتداء بالضرب على مجموعة ناشطات يساريات وليبراليات على خلفية إصرارهن على المشاركة في تظاهرة مختلطة خرجت تندد بخطاب للرئيس اليمني أساء فيه للنساء المعتصمات المناوئات لحكمه، كان هناك بين نساء الثورة أنفسهن من تطوعن لتبرير الحادثة التي ارتكبها عناصر من لجنة النظام والفرقة الأولى المدرعة التي تعهد قائدها بحماية المتظاهرين.
وكانت المنصات واللجان المشرفة والمنظمة للساحات ظلّت شبه محتكرة من قبل الذكور. وباستثناء إعلان فتاة يمنية الشهر الفائت تأسيس حزب سياسي حمل اسم الربيع العربي والمشروع برمته بدا شكلانياً، ويفتقر لمقومات نهوضه، جاءت مشاركة المرأة في التيارات والحركات الشبابية، كما في الإصدارات الصحافية التي ظهرت في الساحة، هامشية أو «تزينية»، ومثل هذا يصح على تمثيل المرأة في المجلس الانتقالي وأخيراً في حكومة الوفاق الوطني.
هامشية المرأة في فضاء الثورة متصلة في شكل وثيق بهيمنة الثقافة الذكورية وبأسباب اجتماعية - دينية، منها ضعف وعي المرأة وطبيعة نظرتها إلى نفسها. وربما كان المكسب الأهم في خروج النساء إلى ساحات الاحتجاح هو خلخلة الحواجز التي ظلت قائمة فيما بينهن خصوصاً بين التقليديات والمتحررات منهن وهذا أمر من شأنه تبديد العوائق التي ظلت تقف أمام تشكيل تحالف نسوي يضم نساء مختلف الأحزاب، خصوصاً أنه لم يطرأ تغيير كبير حتى الآن على مشهد الفاعلين الحقيقيين. فالوجوه القديمة من قيادات الأحزاب التي ظلت تراوغ في ما يخص حقوق النساء، عادت إلى الواجهة. وهي تعود هذه المرة وقد اكتست شرعية ثورية جديدة.
وكان من نتائج خروج النساء إلى ساحات الاحتجاج مزيد من الانفتاح على العمل التطوعي والمجتمعي وهذا برز بشدة في مدينة عدن. ولعل من مفاعيل الربيع اليمني تحريكه بيئاتٍ ظلت المرأة فيها شبه مغيبة عن الشأن العام مثل محافظة مأرب التي شهدت تظاهرات نسائية هي الأولى من نوعها في المحافظة.
على مدى عقود من الزمن ظلّت مكاسب النساء تتأرجح صعوداً وهبوطاً تبعاً لطبيعة القوى السياسية والاجتماعية التي تمسك بالسلطة. ولم يسبق أن أتيحت للمرأة اليمنية الفرصة لتفرض وجودها بنفسها... وربما كان الربيع العربي هذه الفرصة التي ينبغي أن لا تضيعها!

الربيع اليمني قارس ...والثورة الشبابية في "عنق الزجاجة"


يشير مازن (33 عاماً) بسبابته الى المسافة التي تفصل بين مقر وزارة الداخلية والمجمع السكني لأولاد الشيخ الأحمر في حي الحصبة في صنعاء. وهي لا تزيد على كلم واحد، لكنها بقيت على مدى 11 شهراً ترسم ملمحاً رئيسياً لطبيعة الصراع الذي آلت اليه ثورة الشباب اليمني، وسعت الى محاكاة انتفاضة شعبين تمكنا من الاطاحة برئيسي تونس ومصر.
وعلى رغم محاولة المبعوث الاممي جمال بن عمر اقناع الشباب بأهمية المسار السياسي حيث تلعب الساحات على اختلافها دور المراقب لأداء حكومة وفاق وطني تشكلت مناصفة بين حزب الرئيس اليمني واحزاب المعارضة، ولئن عكست الحكومة ذاتها جانباً من خصوصية الصراع، الا أن التباين ما زال يضرب الساحات بل صار يأخذ شكل صراع مسلح بين مكونات الثورة نفسها.
وإضافة الى حال التشظي الاجتماعي والسياسي وضعف ثقافة الحوار وتضاؤل الايمان بمبدأ النضال السلمي، وانتشار السلاح، لعبت الولاءات التقليدية للشباب وعدم قدرتهم على تمثيل ثقافة جديدة تنهض على شعار جامع عنوانه التغيير السلمي، دوراً في تحكم سلوكيات الماضي في المشهد الثوري وايصاله الى هذه النهايات.
انشقاقات داخلية
وما زاد طين الثورة الشبابية بلة، انشقاق بعض القوى السياسية والقبلية والدينية التي كانت تعد دعامة نظام صالح على مدى 33 عاماً ما فاقم حالة الارباك في أوساط الشباب وعزز المعارضة التقليدية، خصوصاً مع انقسام الجيش وتصاعد المخاوف الاقليمية والدولية من دور مفترض يمكن أن يلعبه تنظيم «القاعدة» في شبه جزيرة العرب.
وبات الشباب يتحدثون اليوم بصراحة وبكثير من المرارة عن تحول الثورة السلمية الى صراع «قبائل وعسكر» حتى ان هناك من راح يتخذ منحى جهوياً من قبيل الحديث عن القضية التهامية.
وأكثر التأثيرات السلبية لدخول العسكر والقبائل على خط الثورة برزت في الجنوب حيث انحسرت شعارات الثورة واسقاط النظام لتعود مطالب الانفصال واستعادة الدولة الجنوبية.
ولئن بدت الاحداث في اليمن قريبة مما شهدته ليبيا لجهة تصدر العنف مشهد الثورة الا انها على عكس الحالة الليبية أفضت الى اتفاق سياسي خلق وضعاً شبيهاً بالوضع الذي كان عليه اليمن غداة قيام الوحدة لجهة تقاسم السلطة وانقسام المؤسسة العسكرية والأمنية.
ولا تزال نتائج «الهبة» الشعبية مبهمة لجهة التصنيف. وهي عند البعض تراوح بين مفهومي الثورة والانقلاب. والحق أن ما يحدث اليوم غير بعيد عما حدث في ستينات القرن الماضي في الشمال عندما انتهت الحرب الاهلية باتفاق سياسي بين الملكيين والجمهوريين. كما جاء الانشقاق الذي شهده نظام صالح مشابهاً لما حدث في شباط (فبراير) 1948 حين ترأس قائد الجيش الامير عبد الله الوزير بالتعاون مع المعارضة عملية انقلابية فاشلة انتهت بإعدامه.
ويكشف الصراع المسلح الذي شهدته أخيراً محافظتا صعدة والجوف بين الحوثيين والاصلاحيين وكلاهما يعتبر نفسه مكوناً رئيساً من مكونات الثورة، مدى تشظي الحالة اليمنية، وهو يؤكد أن تسييس القبيلة لم ينزع عنها طبيعتها الحربية. فتوازى النزاع المسلح مع نزاع سياسي داخل الساحات وعلى شبكة الانترنت وبلغ الأمر حد سيطرة بعض الاطراف على بعض الصفحات الناطقة باسم الثورة على شبكات التواصل الاجتماعي.
وتملّك الشباب شعور بأنهم كانوا اداة ووقوداً لمعركة ليست معركتهم. فعلى رغم انقسام العاصمة صنعاء الى جبهتين متواجهتين تسيطر عليهما كل من القوة العسكرية الموالية والمنشقة بحيث بات التظاهر السلمي مستحيلاً، وبقي هناك من يرفع شعار الزحف الى القصر الرئاسي متسبباً في سقوط ضحايا.
ولم يكشف حتى الآن عن نتائج التحقيقات في المجازر التي حدثت، وكان تقرير مجلس حقوق الانسان اتهم الحكومة والمعارضة المسلحة على السواء بارتكاب انتهاكات كثيرة، وصنف مجزرة آذار (مارس) التي سقط فيها أكثر من 50 متظاهراً، وتفجير مسجد دار الرئاسة، ضمن الجرائم الاشد فظاعة. والتقرير خلا من رقم محدد لعدد الضحايا واكتفى بتعبير «مئات القتلى وآلاف الجرحى».
وتبقى الاشكالية الاكبر في امتلاك الجماعات السياسية قوة عسكرية وميليشيات مسلحة والاسوأ هو التجنيد غير المسبوق وتوزيع السلاح للشباب في وقت يأتي الولاء للقبيلة سابقاً للولاء الحزبي.
وكان فضاء ساحات الاحتجاج ارتسم منذ البدء على صورة الواقع التقليدي الذي يفترض أن تعمل الثورة الشبابية على تجاوزه. والمؤكد أن الربيع العربي عزز ثقافة التغيير السلمي وساعد على بلورة أجيال جديدة من الشباب الديموقراطيين في مختلف المشارب السياسية والفكرية وهو ما جسدته ساحات الاحتجاج اليمنية وإن بشكل محدود.
نوبل للسلام
ولعل في نيل الناشطة اليمنية توكل كرمان ذات الميول الاسلامية جائزة نوبل للسلام رسالة واضحة عن طبيعة التوجه العالمي ودعمه للنضال السلمي. وما فعلته ساحات الاحتجاج إنها خلقت مناخاً لتبلور قوى جديدة تؤمن بالحداثة والديموقراطية على أمل ألا تنجح أعمال العنف في جر هؤلاء الى المربع التقليدي وتحول دون تنمية مجتمعهم.
ولئن بدا الدور الخارجي هذه المرة أكثر حضوراً وتاثيراً قياساً بالأزمة التي نشبت عام 1993 بين شركاء الوحدة، بيد أن الربيع اليمني سيظل مفتوحاً على مفاجأت غير متوقعة. ومن غير المستبعد أن يشهد المستقبل القريب بروز تحالفات جديدة تغير من الخريطة السياسية وتضع وزناً للشباب.
فمنذ اندلاع الهبة الشبابية في شباط (فبراير) الماضي جرت فظاعات وسالت دماء شبان بعضهم في عمر الزهور. مضى ربيع وجاء الصيف ثم تساقطت اوراق الخريف وها هو الشتاء القارس يضرب خيام المعتصمين فيما تبدو الهبة الشبابية في عنق الزجاجة. فمستقبل الثورة مرهون بمدى قدرة اليمنيين على تجاوز المرحلة الانتقالية ونقل السلطة، بسلام.

27 ديسمبر 2011

اتقيأ صور الأوغاد


 هذا بلد بلا كلسون.
هذه ثورة بلاكنشلي.
هذا شعب ينظر بمؤخرته أكثر ما ينظر بعينيه وعقله.
هذا زعيم يسقط في البيارة فيصعد مليون صرصار.
هذه سوق الشهداء فيها أرخص من سمك الباغا.
هذه مدن تحيظ ظلاما وتشرب فساء.
هذه شوارع قمامتها أرق قلبا واكثر ورعا من المصلين.
هذه حدائق تزهر بنادقا وجنابي وغاز سام.
هذا جيش يمسك بقضيبه أكثر ما يمسك بالسلاح.
هذه حكومة تلدغ إذ تبكي وتعض حين تضحك.
هذا تاريخ ينضح بهلاوس القات والزحار.
هذه جغرافيا تمور ببراكين البراز.  
هذا أنا اتقيأ صور الأوغاد.    

26 ديسمبر 2011

انتخاب عبد ربه ليس المهزلة الوحيدة

بعد انتخابات 1993 رميت ببطاقتي الانتخابية في صندوق القمامة . لأنني أيقنت أن الحرب والديمقراطية لاتلتقيان على طاولة واحدة. وما السجال الدائر اليوم حول انتخاب الرئيس التوافقي سوى استمرار لمهزلة "عظمى"  وعتيدة .وهي  أن هذا الشعب  لا يفكر  سوى بعد  وفاة سيده وتتعاظم المهزلة مع  تلك الاحزاب (أو هكذا تسمى ) و التي ظلت تتمسح بصندوق الحاكم وتخلع عليه الشرعية بما فيها انتخابات وحيد القرن وظله ((((، قحطان ثم بن شملان،.وهي، أي الاحزاب ، بقيت مطواعة لم  تتذمر أو تحاول زحزحة "البيادة العشائرية "عن كاهلها سوى في  الاعوام القليلة الاخيرة  عندما شرع الحاكم في تقليص  حصص بعض افراد عشيرته  وعصبته  من كعكة الثروة والسلطة. حتى اولئك المهزومون  في الحرب الاهلية   ابرموا  صفقة العودة.ولم  يشرعوا  يالتباكي على الجنوب كجغرافيا وعصبية  الا  بعد أن بدأ  الحاكم يقذف  بخصومهم القدامى (جماعة عبد ربه ) الذين  استخدمهم في غزوة 7/7. يصدق هذا ايضا على  الشركاء المذهبيين  في الحرب . الذين  لم يتذكروا  مبدأ الخروج على الحاكم الظالم (من  مبادئ الزيدية)  الا أخيرا .وتحديدا  مع  كبح المد الهاشمي والحادثة الملتبسة  التي أودت  بحياة القيادي المؤتمري يحي المتوكل. توازيا مع تفاقم حمى الصراع السعودي الايراني  منذ سقوط  نظام صدام حسين . والى هذه  الاسباب يعود ظهور التمرد الحوثي. قبل  ذلك ظل محمد عبد الملك المتوكل يقترح  صيغة   توريث  عائلي ديمقراطي. كان هذا قبلما يبدأ صالح في زحزحة  شركاء كعكة السلطة والثروة .والحال أن انتخاب عبد ربه (الرئيس التوافقي)  وحيدا  لاشريك له، ليس المهزلة  الوحيدة وربما لن تكون الاخيرة .وهذا ليس بالامر الجديد  أو المستغرب  من شعب مازال  يتعاطى  مع الحزب وقيادته كما  يتعاطى مع القبيلة وشيخها. وجل الذين في الساحات هم ممن شاركوا  في المهازل الانتخابية السايقة بما فيها مهزلة الراحل بن شملان فهذا الاخير كان مجرد ظل. ووجه الاختلاف بينه وبين نجيب قحطان ان بن شملان جاء من المعارضة أو استأجرته المعارضة (حسب  تعبير الرئيس صالح ومحمد حيدره مسدوس).والحقيقة أن تعطيل  الديمقراطية عمره   20 عاما .والجديد هذه المرة  أن المباركة الامريكية والاوربية  جاءت قبل الانتخابات وليس بعدها. والأجد (حسب تعبير المقالح ) ظهور حظائر جديدة فاضافة الى حظائر الاحزاب صارت لدينا  حظائر الساحات. ولا فروق جوهرية بينهما سوى في حجم القرابين البشرية. وعندما يمضي شعب ما في الزعيق حد تلاشي الحدود بين البلادة والبلاد فالارجح أنه سيترك انتخاب  عبد  ربه يمر مثلما ترك ديناصورات  منتصف القرن الماضي  امثال باسندوه وياسين والرباعي والجفري والمتوكل  وقحطان واليدومي  وقادة الناصري والبعث وغيرهم ،يمروا و يمددوا  كيفما شاءوا. فمنذ انقلاب شباط  (فبراير) 1948 والنخب السياسية اليمنية لاتخرج عن صورة اللصوص والشطار الذين يتفقون على الضحية ويختلفون حول الغنيمة .

25 ديسمبر 2011

فنون الثورة اليمنية ...النهييج السياسي يطغى على المطلب الجمالي


طغت السياسة، تعبوية واحتجاجية، على الأعمال الفنية التي استوطنت، ربما للمرة الأولى، ساحات المدن اليمنية وجعلتها بؤراً نابضة بالخطاب المعارض وأصحابه. ولعل حضور الفن في الساحات كان في حدّ ذاته حدثاً «ثورياً» في بلد قلّما تعامل مع الفن باعتباره جزءاً من حياته اليومية المركّبة أصلاً على تقاليد محافظة وغالباً عشائرية. لكن، منذ اندلاع الحركة الاحتجاجية في شباط (فبراير) الماضي، تحولت ساحات الاعتصام فضاءً يزخر بمختلف الأنشطة الفنية، وهذا وضع يخالف طبيعة المجتمع اليمني الذي اعتاد بقاء علاقته بالفن موسمية.
وللمرة الأولى تأتلف الفنون بمختلف أنواعها في مكان يمني واحد. والأهم هو كسر عزلة بعض الفنون الوافدة، مثل «الراب»، وانحسار الانحيازات عند الجمهور.
ولئن بقي انقسام الوسط الفني على ما هو عليه بين معارضة وموالاة، ولزم بعض المطربين الكبار الحياد، فإن فن الساحات جاء شبابياً بامتياز، فباتت خيم المعتصمين مشاغل يومية لا تهدأ، تنتج فيها عشرات المواهب الشابة أعمالاً غنائية وموسيقية وتشكيلية ومسرحية.
ظهرت فرق موسيقية جديدة فرضتها الثورة. كما شاركت فرق شهيرة، مثل «فرقة عدن المسرحية» بأعمال ناقدة، من قبيل «العجائز يشتوا يسقطوا النظام». وفي صنعاء برزت للمرة الأولى وجوه شابة، قدمت اسكتشات كوميدية تنتقد النظام وتتهكم على رموزه.
ويعد المطرب ذو الميول الإسلامية محمد الأضرعي، ملهب الثورة الأول، فكان سبّاقاً في إعلاء صوته بنقد النظام، والآن بات جمهوره يستمع إليه في العلن وبلا خوف، ولو أن أغانيه التي تعرّي الفساد تحظى بانتشار لافت منذ ما يقارب العامين. وعلى رغم منع السلطات لأعماله، فإن ألبوماته ظلت تباع وتُتداول سراً. أما خلال الأشهر الماضية، فقد صارت أغانيه التي تحض على رحيل الرئيس اليمني، أشبه بلازمة يومية جماعية يرددها آلاف الشبان والشابات في الساحات.
ولم يغب الرقص الشعبي، لا سيما الرقصة الأشهر في صنعاء، والمعروفة باسم البرع. فيما غدت الخيم، وجدران المحال المحيطة بساحات الاحتجاج، معارض مفتوحة للتشكيل والكاريكاتور والتصوير الفوتوغرافي. بل ثمة من اتخذ خيمة الاعتصام محترَفاً معه، كما فعل كمال شرف، الذي دأب على رسم لوحات بورتريه للضحايا الذين راحوا يتساقطون في التظاهرات. كما لم يتكل فنانو الثورة اليمنية، محترفين كانوا أو هواة، على الصدفة والعمل المرتجل، بل نظموا معارض ضمت فنون التشكيل والكاريكاتور والتصوير.
يحسب لساحات الاحتجاج أنها كسرت الصورة الاجتماعية النمطية لليل أيضاً، فمع نزول الناس إلى الساحات بعد الغروب، تحول المساء إلى فضاء حافل بالغناء والموسيقى والرقص والعروض المسرحية، وهذا إنجاز في ذاته، خصوصاً في صنعاء، التي نادراً ما عرف ليلها الحركة، ناهيك بالأنشطة الفنية.
طغيان الهمّ السياسي
غير أن الفن المواكب للثورة اليمنية جاء، كما هو متوقع، انعكاساً لواقعه الاجتماعي. فيؤكد الباحث الموسيقي جابر علي أحمد حضور الهمّ السياسي والهدف التعبوي على حساب المطلب الفني والجمالي. ويشير إلى تشابه في موضوعات الأعمال الغنائية والموسيقية التي قدمت في ساحة التغيير، لافتاً إلى شيء من الاستعجال والابتسار في صوغ الألحان، كما أن بعض الأعمال الفنية يكرر ألحاناً معروفة. وعلى رغم أن ذلك ليس عيباً في ظل الأحداث السائدة، وكون «فناني الثورة» ليسوا محترفين بالضرورة ولا يفكرون في الفن لذاته بقدر ما هو وسيلة تعبير عن اللحظة السياسية، بل والمصيرية الراهنة، فإنه يرى أن التساوق الفني مع حدث الثورة لم يخرج من مربع ما هو سائد فنياً أصلاًَ، غامزاً من قناة غياب الإبداع والابتكار، ما يعكس جزءاً من حال في اليمن منذ سنوات. وإذ استبعد جابر وجود تحربة فنية متميزة بعينها، إلا أنه توقع أن تظهر في المستقبل «أعمال فنية تجسد مضامين الثورة وأهدافها»، إنما تصاغ بهدوء ومن دون حميّة الحدث.
وطاول الانقسام أيضاً المطربين المقيمين خارج البلاد. وباستثناء المطربة أروى التي أبدت تعاطفاً مع الشبان المحتجين، وأحمد فتحي الذي قدم من القاهرة ليحيي حفلة فنية في «ساحة التغيير» في مدينة الحديدة مسقط رأسه، لزم معظم الفنانين المقيمين خارج الوطن الصمت.
وثمة، بين المطربين المقيمين في اليمن مَن أبدى حماسة للثورة ثم تراجع، بدعوى هيمنة الأحزاب على الساحات. في حين ظل بعض الفرق الفنية يؤيد النظام، ثم انضم أخيراً إلى الثورة إنما على خلفية مستحقات مالية لم تصرف له، بحسب مصادر مطلعة.
غير أن جابر علي أحمد لا يعتبر انقسام الوسط الفني جوهرياً، فالموقف، حسب قوله، يحتاج إلى «رافعة فكرية وجمالية، وهو ما لم يتوافر عند غالبية الفنانين». ويذكر بأن أحد المطربين (ويرفض تسميته) غنّى للثورة ثم عاد ليغني للرئيس علي عبدالله صالح.
وفي الجنوب، شهدت الأشهر الاولى للثورة حضوراً لافتاً للأعمال الفنية المناهضة للنظام، لكنها انحسرت أخيراً لتحلّ محلها أغانٍ تحض على الانفصال.
ولم ينجُ الفن من تأثير التباينات التي تشهدها مكونات الثورة. ويلاحظ الصحافي والناشط في «ساحة التغيير» عبد الرزاق العزعزي، أن الأنشطة الفنية «كانت في البداية جيدة، لكنها مع مرور الوقت، أصبحت أكثر إسلامية». ويلفت إلى نماذج شبابية في «الراب» و «الهيب هوب» و «البريك دانس»، مؤكداً أن بين المعتصمين من ما زال يشدو بتلك الأغاني «غير المؤسلمة» التي أطربت كثيرين، بمن فيهم رجال القبائل.
وإذ لا يستبعد جابر أن تشدَّد القيود على الفنون إذا وصل الإسلاميون إلى الحكم، فإنه أبدى تفاؤلاً في إمكان حدوث تغيير في فكر هذه الجماعات، مشيراً إلى أن «حزب الإصلاح» الإسلامي موّل أعمالاً فنية استخدمت فيها آلالات الموسيقية، ومعتبراً ذلك خطوة إيجابية في نهج «الإصلاح»، ما لم يكن مجرد براغماتية فرضتها لحظة الثورة.
ومعلوم أن الفنون ظلت في الجنوب، كما في الشمال، موجّهة في غالبيتها. ولطالما قوبلت الأعمال التي تنتقد النظام بالقمع والمصادرة. في هذا السياق، تروى حكايات بعضها لا يخلو من الطرافة، فيذكر سعد الكوكباني، عضو الفرقة المعروفة باسم «الثلاثي الكوكباني»، أن الفرقة قدمت في ثمانينات القرن الماضي، أغنية «أنا الشعب يا فندم»، في حفلة حضرها الرئيس صالح. وفي نهاية الحفلة، جاءهم مدير الاستخبارات يسأل عن اسم كاتب كلمات الأغنية، فأجابوه بأنه الشاعر مسعد الشعيبي، فاعتقل الأخير. وبعد سنة في السجن، خرج الشعيبي وقد ازدادت بشرته بياضاً، فسأله أصدقاؤه: أين كنت؟ فأجاب: كنت في لبنان!

22 ديسمبر 2011

اليمنيون يفقدون الخبز والحرية




 تفيد طرفة معروفة في اليمن «ان شرطي مرور طلب من أحد رجال القبائل أن يُرجع سيارته الى الخلف لأنه تجاوز الاشارة الضوئية، فرد السائق «ما بش قبيلي يرجع للخلف»، أي لا يمكن لقبلي العودة إلى الخلف... وعلى ما يبدو أن وضع الأسعار في اليمن، قبلي، إذ انها لا تتراجع أبداً مهما هبط سعر الدولار أو ضرب الكساد المعمورة.

وعلى رغم تراجع أسعار الوقود، بعدما ارتفعت خلال الشهور الماضية بمعدل 400 في المئة، والتعافي النسبي للريال اليمني مقابل العملات الاجنبية، بيد أن أسعار السلع والخدمات لا تزال على ما كانت عليه خلال الشهور الماضية، حتى بات اليمني يشعر بأن الأسعار انخفضت في كل انحاء العالم ما عدا بلده.

ويتهكم بعض المستهلكين بالقول: «نقطة ضعف في نظرية نيوتن ظهرت في اليمن، اذ ان قانون الجاذبية لا يسري على تجار اليمن»، في اشارة إلى أن أسعار هؤلاء لا تعرف غير طريق الصعود فقط. وكانت اسعار السلع والخدمات بلغت خلال الشهور العشرة الماضية أعلى معدل لها، على خلفية الاحتجاجات التي شهدتها البلاد وانعدام الوقود. فضلاً عن ان مؤشر الأسعار يسلك متاهة غير مفهومة، اذ يتفاوت سعر السلعة من منطقة إلى أخرى، وبين حي وآخر، وحتى بين متاجر الحارة الواحدة. ويقول حسن: «التجار صاروا مثل باعة القات يعطونك ثلاثة أضعاف السعر الاصلي، فاذا لم تتشاطر أو تنتبه فإنهم يأكلونك بضمير ميت». ولم تعد الفوضى تقتصر على اسعار السلع والخدمات، بل امتدت لتشمل سوق بيع العملة والمضاربات المالية وعمل المصارف.

وفي حين تبدو الاحزاب اليمنية ومنظمات المجتمع المدني منشغلة كلياً بالشأن السياسي، وحدها المنظمات الانسانية الدولية وجمعية حماية المستهلك اليمنية، انصرفت الى القضية المعيشية، لتدق ناقوس الخطر، وتحذر من كارثة انسانية جراء ارتفاع الاسعار وانتشار الفقر. وتقول جمعية حماية المستهلك إن «المستهلكين اليمنيين يواجهون ظروفاً أقل ما يمكن وصفها بغير الإنسانية»، وطالبت الجمعية في رسالة وجهتها الى حكومة الوفاق الوطني المشكلة أخيراً وفقاً للمبادرة الخليجية لحل الازمة السياسية في اليمن، بإعادة أسعار السلع الغذائية والأدوية إلى ما كانت عليه مطلع عام 2011. وأشارت الى أن اسعار السلع التي تضاعفت خلال الشهور الماضية بنسبة 100 في المئة، أصبحت «رهينة أمزجة وأهواء التجار الذين يستغلون الظروف الحالية للتلاعب بقوت المواطن مع تقاعس الجهات المعنية عن ضبط الأسواق».

ويشير مختصون الى نوع من سيكولوجيا البيع، تكونت لدى التجار خصوصاً في الشمال، حيث أدى غياب الرقابة الرسمية على الاسعار وانتشار الفساد وانخراط كبار المسؤولين والمشايخ في العمل التجاري مستفيدين من سلطاتهم الى تعطيل القوانين والأخلاق المنظمة للسوق. وأصبحت العلاقة بين التاجر والمستهلك وبين التجار أنفسهم أشبه بالعلاقة بين الاسماك «الكبير منها يأكل الصغير»، على حد الوصف المتداول.

وكان اليمن عرف النظام الاقتصادي الاشتراكي الموجه في الجنوب، فيما عرف الشمال نوعاً من الفوضى الاقتصادية، وهي مزيج من الرأسمالية ورعاية الدولة مع غياب الرقابة وانتشار التهريب. وغداة قيام الوحدة بين الشمال والجنوب وعودة نحو مليون مغترب من الخليج على خلفية موقف الحكومة اليمنية المؤيد لغزو الكويت راح المسؤولون والقادة الحزبيون يبشرون المواطنين بالحرية والكرامة، مؤكدين أنه ومهما تضاعفت الصعوبات الاقتصادية يكفي المواطن اليمني أنه يعيش في بلد «ديموقراطي»، فريد، في المنطقة.

بيد أن تجربة 20 عاماً بينت أن المواطن لم يحصل على الحرية ولا على الخبز، اذ تحوّل النظام السياسي الى ما يشبه التوريث الأسري، وشهدت البلاد حرباً أهلية بين الشمال والجنوب وست دورات من القتال في صعدة، فضلاً عن تصاعد حدة النزعات الانفصالية. ومع انتشار الفقر الذي تفيد معلومات غير رسمية أنه بلغ العام الجاري نحو 70 في المئة مقارنة بـ 42.8 في المئة العام الماضي، و33.8 في المئة عام 2009، واستمرار تضاؤل الاجور ومعاشات الضمان الاجتماعي، شاع الاحباط بين اليمنيين واخذ البعض يحن للماضي.

واضافة الى الفقر وارتفاع الاسعار تنتشر في اليمن ظاهرة الأغذية والأدوية المنتهية الصلاحية والمغشوشة والمقلدة والمهربة، والتي تشير تقارير الى أنها تمثل ما نسبته 30 الى 40 في المئة من إجمالي ما هو موجود في سوق الغذاء. ومنذ آذار (مارس) الماضي تضاعف سعر الخبز مع انخفاض وزنه، ووُجّهت لاستراتيجية الاجور الحكومية انتقادات شديدة، وتقول جمعية حماية المستهلك إن الإستراتيجية «تعمل على زيادة الفقر»، موضحة أن متوسط استهلاك أسرة واحدة مكوّنة من خمسة أشخاص لمادة الخبز فقط يتجاوز 15 ألف ريال في الشهر فيما الحد الأدنى للأجور يبلع 20 ألف ريال شهرياً.

19 ديسمبر 2011

الجامعيون اليمنيون أكثر تشددا من السياسيين والعسكر


 "لدينا أثوار وليس ثوارا" يقول قيادي في نقابة هيئة التدريس في جامعتي صنعاء وعمران. معبرا عن استياءه من استمرار التباينات بشأن الاتفاق على إعادة الدراسة في  جامعة صنعاء. فرغم بوادر الحلحلة التي تشهدها الأزمة اليمنية على المستوى السياسي إلا أن  الاتفاق الذي أبرم أخيرا بشأن عودة الدراسة الى جامعة صنعاء ، باستثناء كليتي الآداب وطب الاسنان، جاء تاليا للاتفاق السياسي بين طرفي الأزمة اليمنية . ومازال الانقسام داخل الحقل الاكاديمي يبدو أكثر تشددا وأقل مرونة  قياسا بما يجري على المستويين السياسي والعسكري. وهذه مفارقة  تسم الاكاديميا اليمنية في العمق.
وفي أول حادث يسجل بعد عودة الدراسة اعتدى طلاب محسوبون على المعارضة على عميد كلية الاعلام المحسوب على الموالاة على خلفية مازعم أنه  تهجم صدر منه ضد الثورة وشهداءها. وكان العميد ذاته سبق واتهم العام الماضي بتمزيق صور للرئيسين الراحلين اليمني والمصري ابراهيم الحمدي وجمال عبد الناصر.
ويشي استمرار التعصب السياسي والايديولوجي داخل الحرم  الجامعي بضعف ثقافة الحوار والتعايش لدى الجامعيين اليمنيين المفترض أن يمثلوا الطليعة الفعالة لنشر الدمقرطة والتنوير.     
وكانت الحركة الاحتجاجية المستمرة منذ شباط (فبراير) الماضي للمطالبة برحيل الرئيس علي عبد الله صالح وابناءه واقاربه عن الحكم. والتي صاحبها انقسام الجيش اليمني وأعمال عنف، عززت الشرخ القائم  داخل الجامعات الحكومية، خصوصا جامعة صنعاء، التي تحولت الى ثكنة للقوات العسكرية الموالية لـ "الثورة الشبابية". ما أستدعى برئاسة الجامعة  نقل الدراسة الى أماكن تقع خارج مباني الجامعة ، خصوصا بعد  اعلان نقابة  هيئة التدريس  الاضراب الشامل والوقوف الى  جانب الشبان المحتجين الذين  رفعوا شعار "لا دراسة ولا تدريس الا بسقوط الرئيس". غير أن  الدراسة  في الاماكن البديلة ،جاءت مشطورة وتمثل طرفا واحدا هو جانب النظام مع وجود بعض  الطلاب مما بات يعرف بالأغلبية الصامتة.
وغداة توقيع طرفا الازمة اليمنية على المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية  في العاصمة السعودية ،أعلنت نقابة هيئة التدريس بجامعتي صنعاء وعمران عن تعليق الاضراب الشامل الذي سبق واعلنته .مبدية استعدادها استئناف العملية التعليمية  في الحرم الجامعي .
وكان نقل الدراسة الى  مواقع بديلة  تقع  خارج المنطقة التي يسيطر عليها الجيش  المؤيد للحركة الاحتجاجية، جاء  تعبيرا عن رغبة سياسية استهدفت اظهار قدرة النظام على الاستمرار في تسيير الشئون العامة فيما الحقيقة  أن الاماكن البديلة  خلت  من البيئة المواتية للدراسة ومنها الدروس التطبيقية ناهيك بعدم اكتمال عدد الطلاب والمدرسين. 
 ولئن جاء  قول القيادي النقابي " لدينا اثوار وليس ثوارا"  نتاج  لحظة انفعال وغضب أثناء جولة المفاوضات بشأن عودة الدراسة الى الجامعة الا انه عبر، من حيث يدري أو لا يدري ،عن حال راهنة لاتخص فقط الجامعيين المنضوين  تحت راية " الثورة "،وهو واحد منهم ، بل تشمل مجمل المشهد الجامعي  وربما الانتلجنسيا اليمنية برمتها. فمازال التناطح السياسي والايديولوجي يطبع الخلافات داخل الحقل الاكاديمي. وغالبا مايحل التخوين  محل الحوار.
وكان  اتحاد الطلاب  واكاديميون  اعتبروا  الدراسة في اماكن بديلة محاولة لاستدراج الطلاب وقتلهم. وطغت صور شهداء "الثورة الشبابية"  على مظاهر الاحتفال ببدء الفصل الدراسي  التعويضي الذي دشن  من طرف واحد ممثلا  بنقابة هيئة التدريس واتحاد الطلاب فيما غابت  عنه ادارة الجامعة والموالون.
والحال أن استمرار التنازع مابين الطرف المعارض والموالي والتباين بين المعارضين انفسهم ،بشأن التوافق على استئناف الدراسة في جامعة صنعاء هو انعكاس لثقافة اكاديمية تحركها أولويات سياسية غير ديمقراطية. وماانفك التعصب  السياسي والايديولوجي يلقي بظله على الابحاث المنجزة داخل الجامعة.
وترى طالبة الدراسات العليا  منى عبد الله، في  تسابق الاحزاب للسيطرة على الجامعة  السبب  الرئيس في عسكرة الجامعة  وتسييسها . وتلفت إلى  ماأسمته  ملامح  "الاعاقة الاكاديمية". ومنها تحول الاكاديميين الى مبررين لهذا الطرف السياسي  أو ذاك.إضافة الى  تواضع  دور الاكاديميين  في ساحات الاحتجاج. فالمنجز الاكاديمي  في الساحات لم يخرج ، حسب قولها، عن تكريس  الهجاء واعادة انتاج الوعي الانفعالي  .
ويرشح من روايات  طلاب واساتذة  مستقلون، عن مفاعيل الحالة الحزبية  داخل الجامعات الحكومية وجود  مايشبه القبائلية الاكاديمية.ومن ذلك توزع الهيئة التدريسية الى مجموعات ترعى طلاب احزابها وتغدق عليهم بالدرجات وتعاقب الخصوم. ويقول مختار 29سنة  أن العلاقة بين الطلاب والاساتذة تتحدد ،قربا وبعدا ،وفقا للميول الحزبية. فيما يبقى الطالب المستقل غريبا "لاقبيلة جامعية له" حسب تعبيره.
وكان لشيوع المعايير السياسية في الجامعات أن خلق بيئة  طاردة للكفاءات  العلمية ممن يتعاطون مع العلم اولا. وخلال العشرين سنة الماضية هاجر العشرات من الاساتذة الجامعيين المشهود لهم بالكفاءة ليعملوا في جامعات غربية وعربية.
والراجح أن التغيير القائم على ثورة المعرفة لم يحن بعد. طالما ظل  الدور التنويري للجامعة اليمنية هشا او غائبا. وما التناطح  السياسي  الذي تشهده الجامعات اليمنية   سوى مظهر من مظاهر أزمة مستفحلة  ونتاج   لجهاز  تعليمي شمولي تخلق ونما في رحم نظام الحزب الواحد الذي ساد شمال وجنوب اليمن.حيث كانت الانتلجنسيا وماتزال حاملة راية الأيديولوجيا ونافخة كير التشدد والاقصاء.