12 ديسمبر 2008

في اليمن : الرقص التقليدي يكشف ثقافة قتالية

صنعاء - علي سالم: 

ثقافة العنف في اليمن مفهوم ملقى على الطريق. تجلياته نصادفها في المنزل والشارع والمدرسة. ينساب في المادة الإعلامية كما يظهر في خطابات السياسة والاقتصاد والثقافة. فالمثال القائل كن ذئباً بين الذئاب، يلقي بظلاله على المجتمع اليمني ذي الطابع القَبلي، المسكون بنحو 62 مليون قطعة سلاح هي بعدد سكانه تقريباً. حتى الرقص يكشف أغوار النزعات المكبوتة والنيات الدفينة. فبعض الرقصات التقليدية كالبرع والدان والتهامية، كلها رقصات تستحضر الحرب وأجواءها حتى وإن لم تستخدم الخنجر أو السيف أو العصا.

وينشأ اليمني على التلقين بأن يكون رجلاً، فيقال له عند الشدائد «كن سبيعاً»، أي تصغير السبع. وهذه النصيحة لا تعني فقط أن يكون جلفاً بل و»أحمر العين» أي متهيباً للعنف وحاملاً له.

للوهلة الأولى يبدو طالب الأدب الفرنسي جميل سبيع (23 سنة) كأنه ينتمي إلى الصورة الغربية للشباب إن لجهة اللباس والسلسلة التي تحيط عنقه ولجهة قصة الشعر واللغة الهادئة. لكن ما ان تستمع إلى روايته حتى يتغير رأيك فيه.

سبيع ضحية ضرجت بدمها. كان ذلك قبل نحو ثلاث سنوات عندما اعتدى عليه عدد من أفراد عصابة قريش التي كانت تتخذ من محيط مدرسته الثانوية مضماراً لنشاطاتها العنيفة. بيد أن الضحية التي كانها سبيع ليست بتلك الصورة النقية. «قلت له سوف «أنال» من أمك وقد أثقب رأسك برصاصة ما لم تحضر الصور» قال سبيع في سياق روايته حكاية شاب قال أنه يحاول ابتزاز قريبة لزميلته من طريق صور كان التقطها لها خلال لقاءات جمعتهما.

تصرف سبيع يعد عند كثر في المجتمع اليمني شهامة وذوداً عن العرض وإن كان لغير قريب. وهي قيم تنتمي الى مخزون الثقافة العربية البدوية، الذي ما انفك يمثل رافعة في السلوك الاجتماعي.

ويرى رئيس قسم علم الاجتماع في جامعة صنعاء فؤاد الصلاحي أن ثقافة القبيلة هي السائدة ويعاد إنتاجها عبر مؤسسات الدولة والمجتمع. ومن شأن السياسات الاقتصادية والاجتماعية أن تحول العنف اللفظي إلى سلوك مادي على ما يقول الصلاحي الذي يؤكد أن فقدان الثقة يتولد عندما لا يجد الشاب نفسه في الخطابات العامة.

غير أن دروب العنف ومولداته متعددة وبعضه يتماهى مع مفاهيم ومستويات عدة كاللغة والبيئة الثقافية. نبيل قاسم مدرس ثانوي تطغى على شخصيته الفكاهة والمرح لكنه وجد نفسه البادئ في حادثتي عراك إحداهما كانت عنيفة. الأولى عندما قال له شاب كان يجلس على الرصيف «لماذا تحلق شنبك يا لغلغي» ولغلغي باتت عند كثير من الشوافع سبة طائفية لا تحتمل. أما الثانية فعندما اكتشف أن احد الطلاب كتب على اللوح «الأستاذ أهبل».

وتشير دراسة أكاديمية في القسم نفسه، أجريت على طلاب وطالبات الثالث الثانوي في عدد من مدارس عدن أن علاقاتهم تتسم بعنف لفظي ومادي يمارسه الطلاب في ما بينهم ومع أساتذة، إضافة إلى تخريب ممتلكات المدرسة.

وتلفت الدراسة إلى ادوار رئيسة لبيئة الأسرة والمجتمع. بيد أن الواضح أن دور الأسرة صار محدوداً ولا يمكن التعويل عليه. ويرى أستاذ علم النفس في جامعة صنعاء عبدالحافظ الخامري أن النزعة العنفية لدى الشباب والمراهقين تمثل تعويضاً لنقص في شخصية النازع إلى العنف، ويتوازى ذلك مع مفاعيل التغيرات الجسمانية التي تطرأ على جسد المراهق. وقال الخامري إن البحث عن قيمة اجتماعية قد يقود الشاب إلى مسلك العنف المادي أو اللفظي سعياً الى تحقيق الذات.

وتعد لغة المزاح الحميمة لدى اليمنيين، صغارهم وكبارهم، نابية في الغالب حتى غدت «يا حقير» أو «يا سافل» أو «مال عارك» مفردات يومية لا يأبه بها احد.

ويتذكر احمد العامري رفيقاً له من أب يمني وأم أثيوبية كان قدم إلى اليمن لأداء الخدمة العسكرية ولم يكن يعرف من العربية سوى القليل فسمع رفاقه في الجندية يتنادون في ما بينهم بعبارات مثل: كيفك يا زنوة (من زاني) أو فينك يا زنوة؟ حتى أنه ظنها تحية معتمدة فراح يستقبل بها كل من يلتقيه

الحياة   15 يناير 2007م

 

الزواج بأجنبي حلم شابات يمنيات لتأسيس" أسرة حديثة"

صنعاء - علي سالم

صار الزواج بأجنبي حلماً يراود الشابات اليمنيات خصوصاً المتعلمات سعياً منهن في الغالب الى تكوين «أسرة حديثة» تتسم بالاحترام المتبادل وتخلو من تعدد الزوجات والتعامل مع المرأة كند ليست تابعة للرجل. وتشير الإحصاءات الرسمية الى ازدياد نسبة اليمنيات اللاتي تزوجن من أجانب في السنوات الخمس الأخيرة، في الوقت الذي انحسرت هذه الظاهرة بين الذكور، خصوصاً إذا ما تمت المقارنة بما كان عليه الأمر في السابق حين راج زواج طلاب دارسين في بلدان أوروبا الشرقية والاتحاد السوفياتي، من نساء من تلك البلدان.

وكانت نسبة اليمنيات المتزوجات من أجانب ارتفعت إلى 849 حالة خلال عام 2006 في مقابل 385 عام 2005 و153 في 2003. وتبعاً للإحصاءات الرسمية الأخيرة ارتفع عدد اليمنيات اللاتي تزوجن بأميركيين من 27 حالة في 2004 الى 45 حالة في 2006، كما وصل عدد اليمنيات المتزوجات بأوروبيين الي 22 حالة عام 2006 مقابل 37 عام 2004. وتستثني الإحصاءات الزيجات التي تتم عادة خارج البلاد، وتشمل الزواج من جنسيات آسيوية وأفريقية وباكستانية.

وبدا أن التقاليد التي عادة ما تضع الأنثى في وضع هامشي وتنظر اليها باعتبارها متاعاً وأحياناً واحدة من زوجات عدة، تدفع يمنيات الى الحلم بالزواج من أجنبي. وتقول وداد (29 سنة) ان الزواج من أجنبي مستحب لدى كثيرات لأن الارتباط بيمني قلما عرف الاحترام المتبادل والتعامل مع الزوجة كشريك وليس مجرد «آلة للإنجاب وتدبير شؤون البيت».

وتشير وداد المتزوجة من أجنبي، الى انه «على الأقل لا يمكن أن يتزوج بثانية الى جانب زوجته»، نافية أن يكون المال أو السعي الى العيش في مجتمع اكثر انفتاحاً وراء هذا الخيار، «بل لأنه يؤمن احترام المرأة وتقدير إنسانيتها».

وفي المقابل ترفض غالبية الذكور زواج اليمنية بأجنبي، على رغم أنهم يرغبون منه لأنفسهم للحصول على جنسية بلدان يتوافر فيها العمل والمستوى المعيشي المرتفع مثل أميركا وأوروبا وكندا.

وكان لافتاً اللغط الذي خلفه زواج ابنة نائب الرئيس اليمني السابق علي سالم البيض من مطرب لبناني. ويقول يحيى (34 سنة) إن استهجانه هذا الزواج يرجع الى أنه تم بين يمنية وأجنبي أولاً والى كون العروس من فئة السادة في حين ان العريس «مزين» أي مطرب.

والواضح أن التراتبية الاجتماعية ما زالت ترسم خيارات الأجيال الجديدة وإن كانت التحولات التي يشهدها المجتمع اليمني من انتشار التعليم ووسائل الاتصال، لها دور أيضاً في بلورة تصورات جديدة لمفهوم الزواج خصوصاً لدى فتيات المدن. فاختيار الزوج بحسب ما تقول نبيلة (28 سنة) لم يعد حكراً على الأبوين بل هو حق يتعلق بالفتاة.

ويؤخذ على الجهات اليمنية ممارستها نوعاً من التمييز ضد المرأة كالتشدد في إجراءات توثيق زواج اليمنية بأجنبي بعكس زواج اليمني الذكر من أجنبية. وتقول رضية التي تزوجت أخيراً بزميلها التركي الذي يعمل معها في منظمة اللاجئين، أنها واجهت صعوبات كثيرة خلال تسجيل الزواج لدى الجهات الرسمية، وتوضح أنه طلب منها بداية السفر من عدن الى صنعاء مع ولي أمرها وعندما حضرت مع شقيقها رفض طلبها بدعوى أن المطلوب هو والدها. وتقول: «استغرقت الكثير من الوقت والجهد لأثبت لهم أن والدي متوفى».

وكانت تعليمات رسمية صدرت عقب انتشار ما عرف بظاهرة الزواج السياحي منعت المحاكم من إصدار أو اعتماد عقد زواج يمنية بأجنبي إلا بعد موافقة وزارة الداخلية. وتستلزم القوانين من الأجنبي الراغب في الزواج من يمنية إشهار إسلامه أولاً وهـو أمر يتم «شكلياً» في كثير من الأحيان.

 

يوم الشباب في اليمن لم يعرف به المعنيون

 صنعاء - علي سالم : كان جلال يشرب قهوته في مقهى «جولة كنتاكي» في صنعاء عندما عبرت شارع الزبيري مسيرة ضمت نحو ألفي شاب وشابة سارت لمناسبة الاحتفال باليوم الوطني للطفولة والشباب المصادف 19شباط (فبراير). 

في البداية بدا جلال (26 سنة) متحيراً إزاء هذه الجلبة المصحوبة بإيقاعات الموسيقى. لكنه سرعان ما أخذ يضحك عندما علم بأنها تمهد لمهرجان شبابي سيحضره نائب الرئيس اليمني. «ظننتها حفلة عرس سارت على غير العادة»، قال الشاب الذي تخرج العام الماضية في جامعة صنعاء في تخصص إدارة أعمال. 

وكما جلال، هناك كثيرون من الشباب في اليمن لا يعرفون بما بات يسمى اليوم الوطني للطفولة والشباب ووجود استراتيجية تعالج قضاياهم. ومن يعلمون بذلك فوجئوا بموعد المناسبة. ويعزو بعضهم سبب عدم الترويج الكافي لهذه المناسبة إلى «كثرة الايام الوطنية عندنا» بحسبما يقول فاروق الطالب في كلية الزراعة متهكما من تواتر المناسبات المحمولة على اسم اليوم الوطني. 

وحقيقة الأمر أنه ومنذ اقرار الاستراتيجية الخاصة بالطفولة والشباب عام 2006، لم يجر الاحتفال بالمناسبة سوى هذه السنة. 

ولئن استهدفت الاستراتيجية تحريك فئة الــشباب ومــعالجة قضايـاهـا، يـبدو واضــحاً أن الصورة الســلبية التي خلفها الإرث الثقيل لتجارب عدم تـنفـيذ كــثير من الخطط والاستراتيجيات الحكومية، حولت مثل هذه الاستراتيجيات الى مجرد «بهارج واضــغاث احــلام مــثلها في ذلك مثل اعلانات شركات الهاتف التي تخدر الشباب المحبط بجوائزها المبــشرة بالملايين»، عــلى ما يــقول وديع (27 ســنة). ويــرى وديع أن الشــباب الــيمني يحتاج الى برامج ومــشاريع ملموســة على الواقع وليــس «استراتيجية قصد منها اســاساً التدليــس للجهات المانحة». 

ولا يقف امر التشكيك في امكان تنفيذ استراتيجية الطفولة والشباب على افراد الفئة المستهدفة فحسب، بل يتفق معهم في ذلك عدد من الباحثين والمراقبين. 

وبحسب الدكتور فؤاد الصلاحي عضو الفريق الذي اعد مشروع الاستراتيجية، فإن هذه الاستراتيجية «مضللة ولا تمت لواقع الشباب بصلة». وقال الصلاحي: «الاستراتيجية الحالية مكتبية وسبق أن أوصينا بإجراء استبيانات ميدانية لمعرفة حاجات الشباب ومشاكلهم غير أن الجهات الحكومية لم تعمل بالتوصيات كما لم تأخذ بالخلفيات البحثية المرفقة بمشروع الاستراتيجية».

 ويؤكد الصلاحي عجز الاستراتيجية في صورتها الراهنة عن التعبير عن التطور الذي ينشده الشباب المعاصر، مشيراً الى انها اغفلت حاجات الشباب في الريف، «كما لم تستوعب حاجات الفتيات من نشاطات وأماكن ترفيه وأندية رياضية».

 غير أن معمر الارياني الوكيل الأول في وزارة الشباب والرياضة، يقلل من اهمية الانتقادات الموجهة للاستراتيجية والتشكيك بامكان تطبيقها، مشيراً الى أن اللجنة العليا للطفولة والشباب برئاسة نائب رئيس الجمهورية عبد منصور هادي ستعقد قريباً أول اجتماع لها لإقرار مجموعة من الخطط والآليات التنفيذية والتي من شأنها تفعيل دور الشباب وتنمية ابداعاتهم وإشراكهم في صنع القرار. 

ويبدو أن الإحباط المتزايد في اوساط الشباب اليمني يدفع بعضهم الى التشبث بأوهام جديدة مثل التعويل على ما تبثه بعض الشركات الخدماتية من اعلانات حول امكان الفوز بملايين الريالات في مسابقات تطرحها على الجمهور. ويذكر جلال أن مصروفه الذي يبعثه اليه والده المغترب في الخليج استنفد في شراء بطاقات شحن الخلوي بعدما طرحت احدى شركات الهاتف المحمول اعلاناً حمل شعار «احلم ونحن نمولك»، ومفاده أن الفائز في السحب سيحصل على مبلغ مليوني ريال يمني لتمويل مشروع يعتزم تنفيذه.

وترى ابتسام (28 سنة) ان ما يفرق بين وعود الحكومة و»احابيل» هذه الشركات هو أن الأولى تتقصد الحصول على اصوات الشباب في الانتخابات وفي أحسن الأحوال «إغراقهم باليأس واللامبالاة تجنباً لأية شرور او هبات قد تصدر منهم»، في حين أن هذه الشركات تمتصهم حتى العظم».

الحياة  الاثنين, 25-فبراير-2008