21 يونيو 2009

الطعام اليمني يرسم هويات مناطق


تتعدد أصناف الطعام بتعدد الجهات والمناطق اليمنية واختلافها. حتى يكاد يكون للطعام بصمة ثقافية تميز هذه المنطقة أو تلك. وأحياناً، يقال لمن يسافر إلى صنعاء «إيش طالع تأكل سلتة»، ولمن يتوجه إلى الحديدة «أكيد نازل تأكل ربيص وفتة بالعسل والموز». ويصنع الربيص من سمك القرش بعد أن يغلى ويُفرم.
وحتى نهاية سبعينات القرن الماضي، ظلت معظم المناطق اليمنية شبه مغلقة على طعامها تقريباً. ولم يكن تناول السمك يلقى قبولاً كبيراً في المناطق الجبلية، مثل صنعاء وذمار، كما لم تنتشر «السلتة» في تعز سوى منذ الثمانينات، وفي عدن بعد التسعينات.
وفي الوجبات المختلفة، تبقى طريقة الطهو محدداً رئيساً لتهافت الناس على هذه الوجبة أو تلك. فـ «السلتة» التي تصنع في تعز او حضرموت لا تكون بتلك الجودة التي عليها في صنعاء. ومثل ذلك يصدق على العصيدة التعزية او لحم الحنيذ الحضرمي. ولئن اعتبرت صنعاء موطن «السلتة»، فثمة مطاعم محدودة تتميز بتقديم «سلتة لا تنسى»، كما يقول مرتضى (23 سنة)، زبون دائم لأحد مطاعم «السلتة»، ربما لئلا ينساها.
ومعظم أصناف الطعام اليمني أصولها هندية وتركية وأفريقية، بيد أنها صارت ذات طابع ومذاق يخلعان عليها هوية جديدة. وتُعتبر طبخات السمك بالبهارات ومنها «المطفاية» العدنية، واحدة من النماذج الدالة على تجاوز الوجبة اليمنية لأصلها الهندي. وحاز مقلى السمك الحديدي (نسبة إلى محافظة الحديدة) شهرة جعلته مطلوباً في مختلف المناطق، حتى في تلك التي لم تقبل على السمك سوى حديثاً.
وبدا أن بعض الطعام اليمني يمكن أن يحوز انتشاراً عالمياً. وقال سعيد الذي درس في الجزائر وزار دولاً أوروبية أنه يفكر جدياً في افتتاح مطعم يمني في فرنسا، يقدم وجبات بحرية مثل السمك والكمبري (الشروخ، القرَيْدس)، مشيراً إلى تميز الوجبات اليمنية البحرية، خصوصاً لجهة طريقة الطهو وتقديم هذه الوجبات طازجة.
ولا تزال الجاليات اليمنية في دول أجنبية، مثل بريطانيا والولايات المتحدة، تحافظ على وجبات الوطن الأم. ويبدي يمنيون درسوا أو عاشوا في الخارج، إعجابهم بطعام البلدان التي زاروها، مثل الكشري والملوخية بالأرانب في مصر، والكسكسي في المغرب. بيد أن كثيرين منهم يبقون مشدودين إلى أكلات شعبية يمنية بذاتها. ويقول نجيب (37 سنة)، أستاذ، أن الملوخية بالأرانب لم تكن تروق له، في بداية الأمر، حتى تذوقها في منزل صديق مصري، في طنطا. وذكر نجيب حكاية يمني وشريكه في السكن في القاهرة، مشيراً الى ان هذا الزميل أعجبته وجبات مصرية مثل الكشري والكفتة، الا أنه بقي مرتبطاً بوجبة العصيدة اليمنية، وبرع في إعدادها إلى درجة ان أصدقاءه كانوا يأتون من طنطا والإسكندرية خصيصاً لتناول عصيدته. كما كان يطلب من معارفه من اليمنيين الذين يقصدون مصر، أن يجلبوا له بعض لوازم العصيدة مثل «الوزف» و«الحلقة» و«الثوم».
وكان الطعام دخل على خط الجدل الدائر في شأن العولمة. ويحلو لبعض المدافعين عن «الخصوصية الثقافية» الاستشهاد برأي للروائي المصري جمال الغيطاني، أدلى به أثناء زيارة له لليمن، ومفاده انه يخشى على «بنت الصحن» من العولمة. و«بنت الصحن» وجبة تشبه البيتزا، لكن قطرها اكبر وتصنع من عجينة الدقيق والبيض وتقدم بعد إضافة العسل عليها.
والواضح أن العلاقة التي تربط شخصاً ما بطعام معين هي علاقة ذات طابع سيكولوجي في المقام الأول. ونتيجة للألفة والتنشئة والتعود، وغالب الوجبات التي تنطبع في الذاكرة، تكون كذلك لأنها تدل على ذكرى معينة تلازم الشخص منذ صغره أحياناً، وبعض الطعام يتبدى اقرب إلى الحنين إلى مكان ما أو جماعة أو شخص. وقال عبد القادر: «كاد لعابي يسيل عندما شممت رائحة «صانونة» في منزل عائلة يمنية تقيم في بريطانيا»، مشيراً إلى أن رائحة الطعام تلك ذكرته بالوجبة التي كانت تعدها له والدته.
ودرج لدى بعض المرضى والنساء الحوامل أو اللواتي وضعن حديثاً، طلب طعام معين عادة ما يكون من وجبات مسقط الرأس أومن إعداد شخص قريب.
وخلال السنوات الأخيرة، انتشرت في صنعاء وعدد من المدن اليمنية مطاعم تقدم وجبات أجنبية، مصرية وأثيوبية وشامية وإيرانية وصينية وهندية. بيد أن الإقبال عليها ما زال محدوداً باستثناء «الحبشية»، حيث صارت وجبة «الزجني» محل طلب كثير من اليمنيين

17 يونيو 2009

كنيتي واردة على موقع يؤيد الارهاب... ودفعت ثمن الحرب مرتين!


لسنوات خلت بقي اعتقادي الراسخ هو أن إضافة المنطقة إلى اسم الشخص، وهذا شائع في اليمن، ضرب من الشوفينية لا يليق بمتعلم، فكيف بمن يتمتع بمقدار أعلى من الثقافة...
ربما لا أزال على هذا الاعتقاد لكن ما حدث هو، أنني، أنا علي سالم علي صالح، أخذت منذ نهاية العام 1993 تقريباً أوقع اسمي بعلي سالم المعبقي، بعدما استجدت أحداث كبرى اضطرتني لمثل هذا التراجع.
وطوال سنوات ما قبل 1990 بقيت أتحاشى ذكر اسم المنطقة التي انتمي إليها بسبب ما قد يثيره من حساسية لدى الأجهزة الأمنية التي كانت تنظر بعين الريبة إلى المنتمين إلى المناطق الواقعة على حدود الدولتين الشمالية والجنوبية على اعتبار أنهم قد يكونون مجندين من الدولة الأخرى.
وفي فترة ما بعد الحرب التي شهدها اليمن صيف 1993 بين القوات اليمنية الشمالية بقيادة الرئيس علي صالح والقوات الجنوبية بقيادة نائب الرئيس آنذاك علي سالم البيض، ألحقت تهمة «انفصالي» بكل من يعتقد بأنه موال لعلي سالم البيض الذي كان أعلن خلال تلك الحرب محاولة انفصال فاشلة. في تلك الغضون كنت أعمل لصحيفة معارضة واكتب تحت توقيع علي سالم وحدث ذات يوم أن تلقيت اتصالاً من زميل صحافي اسمه علي سالم أيضاً يعمل في مؤسسة إعلامية حكومية رجاني أن انشر بتوقيع آخر بسبب الالتباس المزعج بين اسمي واسمه مشدداً على أن رؤساءه ارتابوا من كتابته في صحيفة معارضة.
وصار اسمي مثار استغراب وتهكم من قبل كثر، فعندما أقدم نفسي لشخص يرد بالقول: علي سالم البيض؟ ألست محكوماً عليك بالإعدام؟ وعلى رغم مضي سنوات على حادثة الانفصال، بقي اسمي يلاحق بمثل هذا التهكم. غير أن هناك من يرتاحون إليه لأنه يذكرهم على ما يقولون بزعيم كان له الدور الأكبر في صنع الوحدة.
وثمة طائفة ثالثة تحمل كل من علي صالح وعلي سالم البيض مسؤولية
الحرب الكارثية التي شهدتها البلاد. وأمثال هؤلاء ما إن يتعرفوا إلى اسمي كاملاً حتى يصرخون باندهاش: يعووووه!! الاثنان معاً؟
وزاد الطين بلة بروز موجة عداء بعض القوميين والإسلاميين للكاتب
المصري علي سالم المتهم بأن له ميولاً تطبيعية مع إسرائيل. وعادة، بعض هؤلاء ما ان يسمع اسم علي سالم حتى يتمتم أعوذ بالله.
أما المعبقي الذي ظننتني لذت إليه من إفرازات الحرب فما لبث أن جلب لي الإرباك بدوره اذ اكتشفت موقعاً إلكترونياً على شبكة الانترنت يبدي تأييداً لأسامة بن لادن ويحوي كتابات موقعة باسم المعبقي. وعندما اعتذر فرع لمصرف عربي في صنعاء عن عدم فتح حساب لي على رغم استيفائي الشروط كلها، اعتبر بعض الأصدقاء ذلك شبهة الاسم قائلين إن المصرف ربما ظنني ممن يمارسون غسيل الأموال أو يؤيدون الارهاب.
وليست الأسماء اليمنية شائكة فحسب بل ومنها ما يحمل دمغة قداسة.
فكان مدرّس القرآن هو من يطلق الأسماء على المواليد كما يقيد تاريخ الولادة.
وبقي المذهب الديني محدداً لاختيار الاسم لدى الزيود والشوافع وهما الطائفتان الرئيسيتان في اليمن. ومع انتشار التمدن ومظاهر التحديث دخل بعض الحراك على الاسم الديني. غير أنه لا يزال نادراً أن تجد من ينتمي إلى المذهب الزيدي باسم داوود الذي قد تلقاه عند بعض من ينتمون إلى المذهب الشافعي مثلاً، كما لا يزال الخصام التاريخي بين علي ومعاوية يتبدى عند إظهار الكنية أو اللقب.
وكانت طائفة الأئمة الذين حكموا اليمن الشمالي قبل 1962 تمنح نساءها أسماء مذكرة الى جانب أسمائهن المؤنثة. وسبق لدراسات نسوية انثروبولوجية غربية تناولت اليمن، أن تطرقت لظاهرة استخدام أسماء مذكرة في مناداة النساء ويتم ذلك عادة في وجود أغراب.
ويعتبر بعضهم أن بعض الأسماء يبعد النحس، فينتشر في بعض المناطق اسم شوعي أو شوعية وهو يعطى لمن يولد في أسرة شهدت وفاة مواليد كثر قبله. وشوعة تعني بالدارجة اليمنية قبيح وهي هنا تعطى مراوغة للموت وابعاداً له.
وتعود قداسة الأسماء في صورة الاسم الموازي وخاصة عند أهل الطائفة الزيدية فمحمد ينادى عليه بـ «ألعزي» وعلي بـ «الجمالي» تقديساً للرسول محمد وابن عمه علي .
وفي حين ينتشر الاسم المركب على أسماء الله الحسنى مثل عبدالرحمن، عبدالعزيز..الخ، يطلق كذلك على الإناث امة الرزاق امة الرحمن، وهي أسماء تلقى ترحيباً. إلا أن أستاذة الإعلام في جامعة صنعاء أمة الرؤوف حسن الشرقي تمردت على إرث الإماء فصارت تعرف باسم رؤوفة حسن.
الشاعر الشاب توفيق سيف لجأ إلى المحكمة لتغيير اسمه إلى توفيق الأكسر، اعتقاداً منه بأن سيف ثقيل على شاعر. وثمة فكاهة تقول إن مدرساً مصرياً كان يعمل في اليمن سأل أحد الطلاب عن اسمه فأجابه: سيف حزام طربوش. فرد المدرس مغتاظاً: أنا عايز اسمك مش عدتك!
وعرف عن بعض اليساريين إطلاق أسماء على أبنائهم تحت التأثير الايديولوجي من قبيل «لينا»، «بكين» و «روزا» والأخير اسم أول فتاة يمنية تقود طائرة.

رأي اليمنيين في بعضهم بعضاً أشد قسوة

يكوّن اليمنيون بعضهم عن بعض آراء، كما عن غيرهم من الشعوب، في شكل حاد وقاسٍ احياناً. ومعظم التصورات عن الآخر تنطوي على تجريح وازدراء. وعلى رغم تواضع اسهام اليمن في الحضارة البشرية، لا ينفك اليمني يعطي لنفسه مركزاً متسامياً وطهورياً، بشكل يعيد الى الذهن نظرة الغربي إلى الشرق، او ما يعرف باسم المركزية الاوروبية. هذه النظرة الازدرائية لا تطاول الاجنبي فحسب بل وتسحب نفسها على الداخل المحلي، وفي شكل أعنف.
وما فتئت الجماعات الاجتماعية المختلفة تنتج آراء وصوراً سلبية بعضها عن بعض، تبعاً للدين والمذهب والمنطقة والمرتبة الاجتماعية والاقتصادية والمهنة. ويحضر الآخر عادة كموضوع للتندر والطرائف والنكات. واحياناً، يتحول الرأي في الآخر الى مثل متداول، من قبيل القول: «حكم بني مطر في سوقهم». وبني مطر منطقة في غرب صنعاء. والمثل يضرب في حالات تعسف الحكم، او ان يكون الشخص هو الخصم والحكم.
ومنذ الحرب الاهلية صيف 1994، صارت شخصية الشمالي هدفاً للتندر واطلاق الكثير من الطرائف والنكات من قبل جنوبيين. وبات «الدحباشي»، والكلمة تطلق على كل من ينتمي الى الشمال، معادلاً للصعيدي (في مصر) والحمصي (في سورية). والمفارقة أن شخصية دحباش التلفزيونية ابتدعها وانتجها شماليون. وتجسد الشخص الباحث عن المشاكل والذي يوقع الخصومة بين الآخرين.
ويقع بعض كتّاب الدراما ورسامو الكاريكاتور احياناً في تقديم صور نمطية للآخرين أنطلاقاً من تصورات شعبوية. والصورة السلبية للآخر تبرز بكثرة اثناء اشتداد الازمات والخصومات بين الدول. مثال حرب الخليج التي تحولت الى خصومة بين الشعوب. وما زال اليمنيون يخلعون على انفسهم صفات الرجولة وشدة البأس في القتال مقابل الخليجيين الذين يعتبرون في المخيال الشعبي اليمني مترفين لا يقدرون على القتال ويخشونه. ومثل هذا تنظر القبائل الى سكان المدن مثل عدن وصنعاء. فالعدني والصنعاني، تبعاً لنظرة القبيلي والبدوي، مترف مرتخ ومائع، فيما يفيض المنتج المديني بالصور التهكمية عن جلافة القبيلي والبدوي.
ويرى الباحث الاجتماعي عبد الكافي الرحبي اسباباً دينية وسياسية وايديولوجية وراء الصورة النمطية التي تنتجها كل جماعة اجتماعية عن الأخرى. ويعتبر الثقافة العامة ودرجة انفتاح الجماعة او انغلاقها محددين رئيسين لطبيعة الرأي الذي يتكون عن الآخر. ويلفت الى بعض الاراء والنوادر التي احياناً لا تكتفي بتقديم صور ة تهكمية عن الآخر بل وتعكس طبيعة التراتب الاجتماعي للبلد نفسه، مستشهداً بالقول الشائع «اذا اشتط السيد رقعه بقاضٍ، واذا اشتط القاضي رقعه بفقيه، واذا اشتط الفقيه رقعه بقبيلي».
وكانت الاقليات الدينية مثل الطائفة الاسماعيلية هدفاً لكثير من الآراء المغلوطة والمندرجة في اطار الخصومة ومثل ذلك ما يقال عن الهنود والفرس والاخدام.
ويعتقد الرحبي أن استهداف الاخدام وهي طبقة ما زالت تقع في ادنى السلم الاجتماعي ربما يعود الى معاداة الآخر الاثيوبي الذي غزا اليمن قديماً، مشيراً الى بعض الكتابات التي تعتبرهم من بقايا الاحباش. ويؤكد الرحبي دور العصبية في تكوين الرأي حول الآخرين. وما زال الزيود والشوافع أبرز طائفتين دينتين ينتجون صوراً متباينة للذات والآخر. ويصل تندر بعضهما بالآخر الى شكل اداء الصلاة ومنها ضم اليدين او سربلتهما.
واحياناً يشتكي صحافيون من ان الحكومة والاحزاب مازالت تنظر الى الصحافي بأنه مجرد دوشان أي يمدح ويذم تبعاً للأجر المعطى له. ونادرة هي الحالات التي يبدو فيها الآخر ايجابياً. ويشكل السودانيون استثناء وينظر الى السوداني كشخصية قريبة من طباع اليمني، ومنها ما يزعم انها الشهامة وقول كلمة الحق، والتزام الصرامة في العمل. فالمعلم السوداني قلما سمح لطلابه اليمنيين بالغش مهما كانت الظروف، في حين يميل المعلم المصري الى النجاة والسلامة .
وتفيد طرفة ان يمنيا سافر الى القاهرة، وكان في حالة ضيق وكرب عندما لقيه احد المصريين فسأله:
- انت من اليمن؟
- نعم.
من فين من اليمن؟
فاجابه اليمني بحنق: من جحر الحمار الداخلي.
فرد المصري:
دول ناس جدعان.
ويعتقد الرحبي ان التدخل العسكري المصري في شمال اليمن ربما اعتُبر من اسباب تشكيل بعض اليمنيين صورة سلبية عن المصريين. بيد ان اللافت هو استثناء الصعايدة. ويحلو لبعضهم رد نسب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الى اصول يمنية، كما يسود اعتقاد ان أصل الصعايدة من قبائل يمنية

17 مايو 2009

اليمن : أبناء الميسورين يشاغبون ... بلا عقاب

لم يتوقع ركاب الحافلة أن يكون التلميذ، الذي لا يتجاوز عمره 12 سنة، يتمتع بكل تلك الجرأة، ويطلب منهم الاستماع إليه ليروي نكتة، اتضح أنها بذيئة، إلى درجة يصعب على بالغ روايتها لا سيما ان بين الركاب امرأة.
وقبل أن يوافقه أحد على طلبه، قال التلميذ بثقة لافتة ان معلماً طلب من أحد تلامذته «أن يعرب: أروى فوق الشجرة». فأجابه: انزلها وأنا أَعرُبها، وهي في العامية اليمنية تعني «أنكحها».
حادثة تلميذ الحافلة هذه تشير الى جيل يصفه البعض بـ«الصايع» فقط لأنه تجرأ بالتحدث مع من هم أكبر منه سناً أو حتى إلى أقرانه، بكلام يُصنّف على أنه «خادش للحياء». وجرت العادة عند البعض أن يرجع مثل هذا السلوك الى تطور الحياة المعاصرة، وما يتعرض له المجتمع والأسرة من مؤثرات يعتبرونها سلبية على القيم.
ومع تعدد زوايا تعريف مفهومي الأخلاق والتربية وتباينها، يبدو أن تجليات هذا الإشكال التعريفي في اليمن أكثر عمقاً قياساً بما هو حاصل في بقية البلدان. ومن المرجح ان الطبيعة الخاصة التي عليها المدرسة والمناهج، على اعتبارهما محطة رئيسية للتعرف الى واقع بيئة الأخلاق والتربية لدى التلاميذ والتلميذات، يساهمان الى حد ما في تعزيز سلوكيات سلبية يكتسبها التلميذ من الشارع أو الأسرة.
وفي حين تتضمن المناهج بعض المواد المتخصصة في التربية الدينية والتربية الوطنية، إلا أنها تفتقر إلى وجود دروس منفردة متخصصة بالأخلاق والتربية. ويؤدي تعدّد الميول الفكرية والثقافية للمعلمين والمعلمات وتباينها الى غرس قيم أخلاقية وتربوية قد تأتي أحياناً متعارضة ما يصيب التلميذ بالتشوش. ويعتقد تربويون ان شحنة الأخلاق والتربية في المنهاج اليمني كافية، وتزيد عن اللازم لكنهم يأخذون عليها تقليديتها وترسيخها لقيم الطاعة والخضوع والحشمة المغلوطة ما يقلّل من فرص نمو الشخصية الحرة.
إلا أن ما يتضمنه المنهج سواء لجهة الأخلاق أم التربية، لا يزال بعيداً من الواقع المعاش وهو واقع مشبّع بسلوكيات تعد في نظر المجتمع مشينة. ومن النادر أن تلعب الأخلاق المدرسية دوراً فعلياً أو جرى الالتزام بها.
وتسجل المدارس اليمنية حوادث شغب واعتداءات وسباب وقذف يقوم بها طلاب وطالبات ضد معلميهم ومعلماتهم أو ضد بعضهم بعضاً. ويروي نضال، طالب في المستوى الثامن أساسي، حوادث لتلاميذ في مدرسته وشعبته تفاوتت ما بين تصوير معلمة الانكليزي بكاميرا الهاتف المحمول والقيام بحركات ساخرة أثناء انشغال المعلم أو المعلمة بالكتابة على اللوح. فيما يفيد معلمون ان زملاء لهم يفقدون أحياناً السيطرة على أنفسهم، فيتفوهون بشتائم وألفاظ نابية تحت ضغط الجلبة أو الفوضى التي يتسبب بها تلاميذهم.
ويقوم بعض مديري المدارس المعروفة بوجود جماعات طالبية مشاغبة فيها، بتنفيذ حملات تفتيش مباغتة على الفصول بحثاً عن أدوات يستخدمها التلاميذ في العراك مثل السكاكين والأسواط. ويذكر نضال ان شقيقه الأصغر، تعرض لاعتداء من زميل له وعندما حاول الدفاع عن نفسه اشهر المعتدي في وجهه خنجراً، وبعدما ابلغ التلميذ المعتدى عليه إدارة المدرسة بالحادثة ترصد له في اليوم التالي مجموعة من التلاميذ وأوسعوه ضرباً عقاباً له. وعلى رغم طفح الشكاوى ذات الصلة بـ«الفلتان الأخلاقي والتربوي» في كثير من المدارس، إلا أن الإجراءات الرادعة تبقى محدودة.
وكانت السلطات التعليمية اتخذت قراراً يقضي بحرمان الطالب الذي يرتكب مخالفات جسيمة من القبول في أية مدرسة أخرى، بيد أن عوامل كثيرة، بينها نفوذ أباء بعض الطلاب المشاغبين غالباً ما تحول دون تنفيذ القرار. وثمة تلاميذ ممن يتعرضون للعقاب في المدارس الحكومية ينتقلون للدراسة في مدارس خاصة، ويبدو ان التهجم على المعلمين والمعلمات والسخرية منهم يزداد في المدارس الخاصة نظراً الى تقاعس إدارة المدرسة عن اتخاذ إجراءات رادعة بحق الطلاب المتورطين لا سيما أصحاب القدرة المالية العالية.
وتفيد معلومات غير مؤكدة عن تبادل مواد إباحية في بعض مدارس البنين والبنات باستخدام تقنية بلوتوث الهاتف الخليوي، وبعض التلاميذ المتحدرين من عائلات ميسورة يستخدم الخليوي للاتصال بشبكة الانترنت في قاعة الدرس أثناء شرح المعلم. ويتردد أن مدرسة أو أكثر في صنعاء أغلقت حماماتها بعدما كشف أن بعض التلاميذ يستخدمونها لارتكاب أفعال مخلّة بالآداب العامة مع تلاميذ أصغر سناً.

رواية بول توردي «صيد سمك السلمون في اليمن»... مشاريع الدمقرطة تغرق في جزيرة العرب



على رغم تحريم اليمن إقامة التماثيل إلا أن رواية «صيد السلمون في اليمن» للبريطاني بول توردي، الصادرة طبعتها العربية ، عن وزارة الثقافة اليمنية والمجلس الثقافي البريطاني في صنعاء، ترجمة عبد الوهاب المقالح ،تنتهي بانتظار الحصول على ترخيص من السلطات لنصب تمثال في العاصمة صنعاء، يُظهر رئيس الوزراء البريطاني جيمس فينت والشيخ اليمني محمد بن زايد، وهما بملابس الصيد حاملين صنارتيهما। تماماً كما شوهدا في آخر لحظة من حياتهما التي انتهت بغرقهما في وادي العين الذي أُريد له أن يضم أول مشروع من نوعه لنشر رياضة صيد السلمون في الجزيرة العربية।
ينتمي الشيخ محمد بن زايد الى فئة السادة وله نفوذ سياسي وثروة طائلة، تكونت من مردود النفط. يأمل الشيخ بأن يسفر نقل السلمون الاسكتلاندي إلى بلاده عن معجزة إلهية تجمع أبناء الطبقات العليا والدنيا على ضفتي الوادي لتتوحد مشاعرهم في حب سمكة السلمون. فإذا ما دار الحديث عما فعلته هذه القبيلة أو قالته تلك القبيلة، أو ما الذي يجب فعله مع الإسرائيليين أو الأميركيين، وتعالت الأصوات واحتدّت، «حينئذٍ، يعلو صوت أحدٍ ما هاتفاً: هيا قوموا، ولنذهب للصيد». بيد أن المشروع ينهار لحظة تدشينه إذ تؤدي أمطار الصيف إلى جريان سيل هادر يباغت المحتفلين، فيقضي على الشيخ اليمني وعلى صديقه رئيس الوزراء البريطاني الذي أمّل بدوره بأن تؤدي صورته على الصفحات الأولى وهو يصطاد سلمونة في احد وديان اليمن إلى صرف اهتمام الرأي العام البريطاني عن الأخبار السلبية الآتية من العراق وكسب أصوات هواة صيد السلمون.
تنهض الرواية على مفارقات التحول، الذي بدا عليه المشهد العالمي منذ حدث 11 أيلول (سبتمبر) متهكمة من نتائج تلاقي الدين والسياسة والمال لاستزراع الديمقراطية الغربية في المنطقة العربية. الرواية لا تقول ذلك مباشرة بل تأتيه عبر أحداث رئيسة وثانوية محورها السباحة ضد التيار. أو محاولة تكييف سمك السلمون مع مناخ الصحراء.
في عمله الأول هذا، الصادرة طبعته الانكليزية العام الماضي، يعتمد توردي تقنية الأرشيف وجمع الأدلة، ما يجعل روايته أشبه بكولاج أو مرافعة قضائية تضم استدلالات متسلسلة تتكون من مذكرات يومية ورسائل الكترونية ومقتطفات مما نشر في الصحافة البريطانية واليمنية ولقاءات تلفزيونية ومداولات مجلس العموم البريطاني وسير ذاتية. ما يوحي، للوهلة الأولى، أن الأحداث واقعية وليست متخيلة. وحقيقة الأمر أن الرواية ترقى لأن تكون مرافعة ضد حكومة توني بلير الضالعة في الحرب على العراق. وهي أيضاً إدانة لمحاولة فرض الديمقراطية باستخدام القوة.
تدور أحداث الرواية ما بين المملكة المتحدة واليمن والعراق. وتعرج على باكستان من خلال تكليفات أسامة بن لادن لجماعة القاعدة في اليمن باغتيال الشيخ محمد بن زايد، لأن مشروعه سيجلب «سمك سليمان». تشير الرسائل الالكترونية التي تأتي موقعة باسم طارق أنور، إلى تدهور علاقة تنظيم القاعدة بحركة طالبان وانقلاب الأمن الباكستاني على الإسلاميين. فيما تحضر إيران عبر حادثة اختفاء النقيب روبرت ماثيوز،خطيب هاريت العاملة في وكالة «فيتزها ريس وبرايس» للعقارات والاستشارات. التي يخبرها احد أصدقائه بأن خطيبها علق في مكان ما في إيران بينما كان يقود فرقة مشاة من البحرية الملكية تسللت إلى داخل الأراضي الإيرانية لتنفيذ أعمال عسكرية استهدفت على ما يعتقد منشآت نووية. تعمل هاريت بنصيحة صديق خطيبها باثارة القضية من طريق قيام أسرة ماثيوز واسرتها بحض نائب منطقتهما لإيصال القضية إلى مجلس العموم. غير أن وزير الدفاع ينفي تسلل فرقة بريطانية من قواته إلى إيران كما يرفض الإفصاح عن مكان وجود النقيب لأسباب عملياتية.
تستهل الرواية برسائل تفصح عن رغبة مكتب رئيس الوزراء البريطاني بفرض المشروع ضداً على ما تقول به الحقائق العلمية. يخال القارئ أن الدكتور جونز الذي يعمل باحثاً في «المركز الوطني النوعي للأسماك» سيبقى على مبدئه الرافض توريط المركز وتلطيخ سمعته العلمية في مشروع كهذا. بيد أن جونز لا يلبث أن يتراجع عن موقفه لحظة يضعه مديره في العمل أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا أن يوافق على العمل في مشروع السلمون أو أن يحال إلى التقاعد.
تتطرق الرواية للاستغلال السياسي للوظيفة العامة. كما تلفت إلى التقاء المؤمن والملحد ومسافة التماهي بينهما. لكنها تؤكد في النهاية فشل أية توليفة تحاول الجمع بين العلم والدين. وهي تسلط الضوء على طبخات سياسية تجري وراء الكواليس. وخارج الاقنية الرسمية. يلعب مدير مكتب الاتصال في مكتب رئيس الوزراء بيتر ماكسويل دوراً محورياً في تسيير الصفقات إذ يكتفي بدور اللاعب الخفي الذي يقذف بالحكاية ثم يقف يتأملها وهي تتشكل حتى تنضج. يمسك ماكسويل بشبكة علاقات يسخرها انتخابياً لمصلحة حزبه.
مكتب الكومنولث والخارجية (شعبة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا) يضغط لتنفيذ المشروع بوصفه رمزاً للتعاون الأنجلو - يمني. لكنه يحرص على أن يبقى هذا الدور خارج الصورة الرسمية باعتبار أن المشروع مبادرة من القطاع الخاص فإذا فشل تبرأت الحكومة منه. وإذا ما نجح فسيقدم باعتباره نموذجاً للتوجهات الثقافية غير العسكرية للحكومة البريطانية في الشرق الأوسط.
الرواية وهاجس النقد السياسي
هاجس النقد السياسي في الرواية لا يضعف قيمتها الفنية أو يبعدها عن التشويق. ترقب النتائج يحضر في مستويات مختلفة من الرواية. وعدا الغموض الذي يكتنف نتائج نقل السلمون إلى الصحراء. هناك تعقب تنظيم القاعدة للشيخ محمد لاغتياله. تكشف الرواية عن الكيفية التي يقوم بها التنظيم في تجنيد منفذي عملياته. يقع الاختيار على راعي غنم ينفق قطيعه ليقوم بمهمة اغتيال الشيخ محمد في مقر إقامته في بريطانيا في مقابل مبلغ من المال يصرف لعائلته في حال قتل. وعندما تفشل مهمة الراعي يوجه قادة التنظيم بخطفه وإعدامه وذبح أفراد أسرته كما تذبح الخرفان. ثم ما يلبث التنظيم أن يعثر بين حراس الشيخ على شخص يكن له الكراهية لا لسبب سوى اعتقاده أنه أُهين عندما كلّفه الشيخ بتعلم صيد السلمون وهي مهنة يراها الحارس وضيعة لا تصلح له، وهو المقاتل القبلي.
تنتهي الرواية بخاتمة ملتبسة إذ لا نعرف ما إذا كان رئيس الوزراء قد قتل قبل أن يجرفه السيل برصاصة صوبها شخص قبلي كان على الصخرة أم أن الحارس كان يحرك فقط بندقيته فأرداه، الحراس الشخصيون لجيمس فينت تحت طائلة الاشتباه به.
تعيد الرواية طرح ثنائية الشرق والغرب من خلال المقارنة بين طريقتين مختلفتين في التفكير والعيش. الفرد جونز وزوجته ميري يعتبران نفسيهما عالمين. هو في مجال الكائنات المائية وهي في مجال الاقتصاد. لكنهما مثل كثير من الغربيين لا يلتقيان إلا نادراً. طبيعة عمل ميري يجعلها غالباً على سفر. في الذكرى العشرين لزواجهما يقوم جونز بجردة لعلاقته مع ميري فينتابه البؤس. يتمنى جونز أن يحصل على طفل وهو ما ترفضه ميري إذ ترى ان مرتبهما معاً لا يسمح بالإنفاق على طفل.
يؤمن الشيخ بالمعجزات الإلهية وهو مسرف في إنفاق الأموال لدرجة تربك المحاسبين. كما لا يتورع عن شرب الخمرة في مقر إقامته الانكليزي «في بيوتي في اليمن، أنا لا أفعل بطبيعة الحال، لا شيء من ذلك في أي بيت من بيوتي. لكني حين اكتشفت أن الويسكي كان يدعى ماء الحياة، شعرت أن الله سيغفر لي قليلاً إن أنا شربت في (أسكوتلاند) من وقت لآخر». في المقابل يعتبر جونز نفسه ملحداً وهو يلقي أحيانا محاضرات في الجمعية الانسانوية تدحض المزاعم الغيبية. وعندما يسافر جونز الى اليمن ويعيش أجواءها المغرقة في القدم تغشاه نفحة صوفية. في جبال اليمن المقفرة تبدأ مشاعر كل من جونز وهاريت بالتخلق تجاه بعضهما. أحلام اليقظة قاسم مشترك ما بين الشيخ وجونز وبيتر ماكسويل. وهي رافعة تدعم الثيمة الرئيسية في الرواية والمتمثلة في أن المقدمات الخاطئة لا يمكن أن تفضي سوى إلى نتائج خاطئة.
تذيل الرواية بالتوصيات التي تخلص إليها لجنة الشؤون الخارجية في مجلس العموم والتي تؤكد أن على الحكومة البريطانية الاختيار بين السلمون والديمقراطية في ما يتعلق بمبادراتها في المنطقة. أما الربط بين الاثنين فإنه يرسل رسائل خاطئة للاعبين الإقليميين. كما تشير التوصيات الى أنه وعلى رغم الوفاة المأسوية لـ جيمس فينت. بسبب مشروع سلمون اليمن غير أن الحادثة انطوت كذلك على جانب ايجابي وهو أن
سياسة المملكة المتحدة في المنطقة يمكن أن تركز أيضاً على قضايا غير عسكرية، قضايا غير متعلقة بالنفط، من مثل صيد السمك بالصنارة، فهذا التصور لم يكن كله سلبياً.

مبادرات الشباب اليمنيين ... «خربشات عيال»


عندما أعلن عدد من الكتاب الشباب قبل سنوات تشكيل «جماعة العراطيط» الأدبية بدت التسمية، وتعني العراة، مغايرة للسائد في المجتمع اليمني وتشي بجرأة تتخطى المحاذير والتقاليد الاجتماعية. وتوقع البعض أن تبتعد الجماعة عن المتعارف عليه لجهة إبداع نصوص تتجاوز السائد وتخرج الأدب اليمني من نمطيته. بيد أن هذه الآمال سرعان ما تبددت واتضح أن لا جديد ابعد من التسمية. فتكريس كتابة جديدة تخلع عنها قوالب النمطية والاجترار لا يزال هدفاً صعب المنال. وما أنتجه اعضاء «جماعة العراطيط» بقي محكوماً بقوالب الآباء وأساليبهم. وهم بذلك لا يختلفون كثيراً عن غيرهم، الأمر الذي بات يلقي بظلاله على المشهد الادبي اليمني.
صحيح أن العقدين الاخيرين شهدا ظهورعدد كبير من المبدعين الشباب من الجنسين بينهم من سعى جدياً الى التمرد على نمط الآباء غير أن هذه المحاولات لم تقطع تماماً مع التركة الثقافية، سواء من حيث الاسلوب أو من حيث الاستمرارية. ولا يزال اجتراح اعمال متميزة في الادب والفنون الاخرى كالرسم والموسيقى محدوداً جداً ولا يتجاوز الاطار المحلي الضيق.
والراجح أن غياب النقد الموضوعي وشيوع الشللية والمجاملات وافتقار البلد لمؤسسات موضوعية تختص بتنمية الابداع وصقل المواهب جعل الساحة الثقافية تخضع لضروب شتى من العبث والارتجال بحيث صار الانخراط في المشهد الثقافي يستهدف في المقام الاول تسجيل حضور في الاحتفالات والبحث عن وجاهة اجتماعية حتى وان لم تقم على عمل ابداعي معين. وكان التسابق السياسي بين الاحزاب للسيطرة على النقابات ومنها اتحاد الكتاب قاد الى «تصنيع» كتاب لهذا الغرض. وتعترف قيادات في اتحاد الادباء والكتاب اليمنيين بوجود اسماء في سجل العضوية لا شأن لها بالنتاج الادبي.
ومنذ تسعينات القرن الماضي شهد اليمن انتشاراً للمؤسسات والمنتديات الثقافية الحكومية والخاصة، كما ظهر العمل بالجوائز، الا أن هذا التعدد في النشاط الثقافي ظل كمياً وخلا تقريباً من النوعية. وتتركز الانتقادات الموجهة لعمل المؤسسات الحكومية والخاصة على اعتبار أن ما تقدمه لا يعدو ان يكون مجرد «بهرجة اعلامية» ونشاطات تفتقر للعمق.
ويؤخذ على آليات الجوائز ومنها جائزة رئيس الجمهورية للشباب قيامها على معايير حزبية وهذا الاتهام يطاول أيضاً الجوائز التي تمنحها مؤسسات ثقافية تابعة لافراد او بيوت تجارية.
وتحفل الثانويات والجامعات بمواهب كثيرة في مجالات مختلفة، غير ان النشاط الثقافي الفعلي شبه غائب عن النظام التعليمي، ما يعمق الهوة بين الأجيال الثقافية حيث لا يتورع بعض المخضرمين عن وصف ما يعتمل في الساحة الثقافية الطلابية والشابقة بأنه مجرد «خربشات عيال».
ومع ظهورالانترنت اطلقت مواقع الكترونية ثقافية. وهي وإن بدت أكثر حيوية ونشاطاً من المطبوعات الورقية الا انها لا تزال عاجزة عن الانفتاح واستقطاب كتابات متنوعة، خصوصاً ان المتعاطين في الشأن الثقافي غالباً ما يجهلون استعمال الحواسيب.
وثمة بين الجيل الشاب من يمتلك افكاراً خلاقة لتقديم اعمال ثقافية وفنية في قوالب لم يعتدها الجمهور اليمني من قبل كعرض لوحات على سطوح المنازل او اقامة معرض للصور الفوتوغرافية على مجرى السائلة (النهر) التي تشق صنعاء الى نصفين الا ان مثل هذه المبادرات ندر ان نفذت في شكل منظم او لقيت تشجيعاً ودعماً.
وتشي بعض التسميات الادبية مثل «جماعة ارباك» و «جمعية الغد» بدلالات توحي بوجود تمايز ما وحقيقة الامر ان غالبية تلك المنتديات متشابهة.

كتاب بالالمانية ينتقد انتهكات حقوق الاقلية المسلمة في اوربا



صدر أخيرا للكاتبة والروائية اليمنية الهام مانع كتاب باللغة الالمانية بعنوان"سأكسر جدار الصمت: الإسلام، الغرب، وحقوق الإنسان".
يقع الكتاب الصادر عن دارهردر الألمانية في 200صفحة قطع متوسط ويتناول في جزءين اوضاع الاقلية المسلمة في أوروبا،والمشاكل المرتبطة باندماجها في مجتمعاتها الجديدة.
الكتاب ينتقد تغاضي بعض الدول الأوروبية عن انتهاكات في حقوق المرأة والإنسان التي قد تحدث بين المهاجرين بدعوى النسبية الثقافية واحترام الخصوصية الثقافية لمجتمعات اخرى. كما يقدم الكتاب رؤية لمفهوم الإسلام الإنساني، اعتماداعلى أربعة عناصرهي:الهوية(هوية الإنسان قبل الدين ( الحرية والعقلانية وكسر دوائر التفكير المغلقة (طبيعة النص القرآني( ثم المرأة بماهي إنسان.
وكانت مانع المقيمة في سويسرا حيث تعمل في احدى جامعاتها اصدرت عددا من الاعمال الفكرية والسياسية والادبية بينها روايتين . هما:" صدى الانين"و"خطايا".

27 أبريل 2009

حوضكِ موصول بهاتفٍ سقط تحت السرير


قميصك البني حاكهُ رجل مات وهو يحلم باحتضان امرأة.
قميصك القطني شغوف بتذكر لكنة البيت.
قميصك المشدود الماركة،المأخوذ بياقة السهرة،يأخذ بثأر صانعه.
يضغط الصدر فتتثائبين.
تطفئين المصباح لكن كهرباء القميص تظل مشتعلة.
تنفثها ملاسة الظلام.
عينا القميص تمضغان الصمت.
قميصك الجديد يمسك بجذع الأحلام.
يفك أزرارالخيال.
قميصك الخجول يخلع ضلفة الكلام.
يقبض على رضٍ يصل ضفة المراهقة.
قميصك النبيذي يدلّّك خبايا الطريق.
يثرثر بحكايات العرق.
قميصك السكران يستنشق دخانا عبر رئتك قبل سنوات.
سجائرالميريت تفضح تضاريس كحتك.
يقترب من الكحة فتنتابه شرغة الثدي.
قميصك يعنّف مديرة المشتروات.
قميصك يغادر باب المنام.
تنظرين في المرآة فلاتجدين القميص.
تتراجعين الى هاتفك المحمول.
تطلبين الطوارئ.لا احد يرد.
تعيدين الطلب فتجيبك امرأة تقول أن زوجها نام منذ قليل.
الغرابة تلف عنقك:كيف ينحرف الهاتف في الطلب؟.
هاتفك المسروق في زحمة باب اليمن مُضربٌ عن العمل.
تتجهين الى الحمّام. عارية تغطّسين حمى غضبك في البانيو.
غير أن الماء سريعا مايجف من تحت إبطيك.
هلعة تنهضين. نارالجنون تتسرب من شقوق جسدك.
حوض حمامك مسكون بالعطش.
حوض حمامك موصول بهاتف سقط تحت السرير।
علي سالم المعبقي


25 أبريل 2009

البيت اليمني مسرح لصراع الذكور والاناث
صنعاء-علي سالم
في الاحاديث التي عادة ماتجري بينه وبين أصدقاءه ، يتبدى اكرم (29سنة) شخصية منفتحة وعصرية في افكارها خصوصا لجهةحقوق المرأة والمساواة بين الجنسين.بيد أن ثمة زلات لسان يقع فيها اكرم أحيانا ويلاحظها اصدقاءه.ومن ذلك تبرير بقاءه خارج المنزل الى وقت متاخر بالقول انه لايطيق المكوث بين"النسوان".
يبدو اكرم وهو الذكرالوحيد في عائلة مكونة من أب متوفى وأم وست بنات اربع منهن غير متزوجات،نموذج لحال بعض المثقفين ممن يجاهرون عادة بمناصرتهم للمرأة الا انهم قلما تمثلوا ذلك في سلوكهم بشكل تام.
ولئن قطع اليمن شوطا لابأس به في مجال تعليم الفتاة وخروجها للعمل الا ان ذلك لم يؤد الى احداث تغيير جوهري في النظرة العامة للأنثى قياسا بالذكر.ولعل في تفضيل بعض اليمنيين ان تعمل المرأة في مجالات معينة مثل التعليم والطب مايشي باستمرارية ترابط الاداوار مابين المجال العام والاسرة.
وقالت سلمى(22سنة) انها باتت تشعر بالقرف للطريقة التي يتعامل بها اخوانها معها . وتوضح ان اشقائها غالبا مايطلبون منها القيام ببعض الواجبات مثل جلب العصائر او اعداد القهوة .مشيرة الى ان مثل هذه المطالب صارت تضجرها وتشعرها وكانها "شغالة" وليست شقيقة لهم.وتضيف انها تحنق لأن بعض هذه المطالب مقدور عليه ولايعيب ان يؤديه الولد من قبيل جلب الريموت أو اسدال ستارة النافذة.
ويرقى البيت اليمني أن يكون مسرحا رئيسا لصوغ الأدوارالمناطة بكل من الذكور والاناث وعليه تنبني نظرة الابناء والبنات لبعضهما وهي نظرة من الواضح انها تتغذى تبعا للجنس. والراجح ان نفور اكرم من المنزل لايرجع الى افتقاده السلطة.على العكس من ذلك تبدو السلطة التي يحوزها بصفته الذكر الوحيد ورب الاسرة وراء شعوره بوطأة القعدة في المنزل. وهو شعور يرتكز اصلا على ثقافة اجتماعية سائدة تعيب مجالسة النسوان وتقيس قيمة السلطة بطبيعة المجال الذي تمارس فيه. وهي تغدو في حالة اكرم سلطة منقوصة طالما مورست على جنس النساء المعروف عنهن الضعف تبعا للثقافة السائدة .والتي على ضوءها عادة مايتم قرن الانثى بالعار.ويرى بعض اصدقاء اكرم أن شعوره بالضيق ربما نتج عن وجود شقيقات له لم يتزوجن بعد.
وبدا أن الشعور بالسعادة او الكرب مفهوم زئبقي يتغير تبعا للاسرة وطبيعة الثقافة والطبقة الاجتماعية وعلى ضوءه تتحدد العلاقة بين الذكوروالاناث. فلئن كانت البنات يشكلن مصدر ضيق لاكرم . فأن الاشقاء الذكور في حالة سلمى
يكادوا يكونوا مصدر تعاستها وبعضهم مازال في طور المراهقة واصغرها في العمر. وعادة ماتكون مرحلة المراهقة مناسبة ليستعرض الولد سلطته الذكورية التي تعطيها التقاليد الاجتماعية. وفي حال غياب الاب كما في حال حضوره يعد الولد "حامي حمى الاسرة" بعد الاب وعينه التي تراقب سلوك اخواته البنات وربما أمه ايضا. وثمة فتيات لايجدن حريتهن الكاملة في التصرف بسبب وجود اشقائهن في المنزل. وقالت سامية(26سنة) انها قلما شاهدت اوطلبت مشاهدة قنوات الافلام عندما يكون شقيقها الاكبر في صالة التلفزيون . وتشير الى ان شقيقها وعلى رغم خلوه من ملامح التشدد الديني الا انه سبق ووبخها بدعوى احتمال وجود مشاهد اباحية في الافلام المعروضة.
وفي حين لايزال الفصل بين الذكور والاناث يسري في اوساط المجتمع اليمني وهو يأتي في الغالب على حساب الانثى الا ان ثمة أسر تولي عظيم اهمية للانثى وبخاصة في بعض المناطق الريفية حيث الحاجة شديدة للمرأة لتقوم بكثير من أعمال الحقل. وقالت سامية ان البنات يشكلن مصدر فرح لبعض الاباء نظرا لحجم الثروة التي ستتاتى من وراء تزويجهن.
والاشقاء الذكور ليسوا مصدر ازعاج لشقيقاتهم فقط بل ولبعض اشقائهم الاصغر منهم. وقال مراد 16سنة انه يتمنى لو كان اشقاء ه الاكبر منه بناتا فهن حسب تعبيره اكثر لطفا من العيال . مشيرا الى انه لطالما تعرض عندما كان صغيرا للزجر والضرب من شقيقه الاكبر لسبب تافه او بدون سبب احيانا. في حين لم يحدث ان لقي مثل هذا التصرف من اخواته البنات.
وقليلة هي الاسر التي ترسخ في تربيتها لابنائها مبدأ المساواة بين الجنسين .فيما لاتزال الغالبية تعمل بتقاليد قديمة ومثالها ان المرأة ناقصة عقل ولايؤمن لها امر . ويحفل التراث الشعبي اليمني بكثير من الامثلة التي تناوئ المرأة ومنها مابش مرة تشخ من طاقة ومعناها ان المرأة لاتستطيع أن تبول من خلال النافذة. وهو قول يشي بتمجيد لكل ماهو قضيبي.


12 ديسمبر 2008

في اليمن : الرقص التقليدي يكشف ثقافة قتالية

صنعاء - علي سالم: 

ثقافة العنف في اليمن مفهوم ملقى على الطريق. تجلياته نصادفها في المنزل والشارع والمدرسة. ينساب في المادة الإعلامية كما يظهر في خطابات السياسة والاقتصاد والثقافة. فالمثال القائل كن ذئباً بين الذئاب، يلقي بظلاله على المجتمع اليمني ذي الطابع القَبلي، المسكون بنحو 62 مليون قطعة سلاح هي بعدد سكانه تقريباً. حتى الرقص يكشف أغوار النزعات المكبوتة والنيات الدفينة. فبعض الرقصات التقليدية كالبرع والدان والتهامية، كلها رقصات تستحضر الحرب وأجواءها حتى وإن لم تستخدم الخنجر أو السيف أو العصا.

وينشأ اليمني على التلقين بأن يكون رجلاً، فيقال له عند الشدائد «كن سبيعاً»، أي تصغير السبع. وهذه النصيحة لا تعني فقط أن يكون جلفاً بل و»أحمر العين» أي متهيباً للعنف وحاملاً له.

للوهلة الأولى يبدو طالب الأدب الفرنسي جميل سبيع (23 سنة) كأنه ينتمي إلى الصورة الغربية للشباب إن لجهة اللباس والسلسلة التي تحيط عنقه ولجهة قصة الشعر واللغة الهادئة. لكن ما ان تستمع إلى روايته حتى يتغير رأيك فيه.

سبيع ضحية ضرجت بدمها. كان ذلك قبل نحو ثلاث سنوات عندما اعتدى عليه عدد من أفراد عصابة قريش التي كانت تتخذ من محيط مدرسته الثانوية مضماراً لنشاطاتها العنيفة. بيد أن الضحية التي كانها سبيع ليست بتلك الصورة النقية. «قلت له سوف «أنال» من أمك وقد أثقب رأسك برصاصة ما لم تحضر الصور» قال سبيع في سياق روايته حكاية شاب قال أنه يحاول ابتزاز قريبة لزميلته من طريق صور كان التقطها لها خلال لقاءات جمعتهما.

تصرف سبيع يعد عند كثر في المجتمع اليمني شهامة وذوداً عن العرض وإن كان لغير قريب. وهي قيم تنتمي الى مخزون الثقافة العربية البدوية، الذي ما انفك يمثل رافعة في السلوك الاجتماعي.

ويرى رئيس قسم علم الاجتماع في جامعة صنعاء فؤاد الصلاحي أن ثقافة القبيلة هي السائدة ويعاد إنتاجها عبر مؤسسات الدولة والمجتمع. ومن شأن السياسات الاقتصادية والاجتماعية أن تحول العنف اللفظي إلى سلوك مادي على ما يقول الصلاحي الذي يؤكد أن فقدان الثقة يتولد عندما لا يجد الشاب نفسه في الخطابات العامة.

غير أن دروب العنف ومولداته متعددة وبعضه يتماهى مع مفاهيم ومستويات عدة كاللغة والبيئة الثقافية. نبيل قاسم مدرس ثانوي تطغى على شخصيته الفكاهة والمرح لكنه وجد نفسه البادئ في حادثتي عراك إحداهما كانت عنيفة. الأولى عندما قال له شاب كان يجلس على الرصيف «لماذا تحلق شنبك يا لغلغي» ولغلغي باتت عند كثير من الشوافع سبة طائفية لا تحتمل. أما الثانية فعندما اكتشف أن احد الطلاب كتب على اللوح «الأستاذ أهبل».

وتشير دراسة أكاديمية في القسم نفسه، أجريت على طلاب وطالبات الثالث الثانوي في عدد من مدارس عدن أن علاقاتهم تتسم بعنف لفظي ومادي يمارسه الطلاب في ما بينهم ومع أساتذة، إضافة إلى تخريب ممتلكات المدرسة.

وتلفت الدراسة إلى ادوار رئيسة لبيئة الأسرة والمجتمع. بيد أن الواضح أن دور الأسرة صار محدوداً ولا يمكن التعويل عليه. ويرى أستاذ علم النفس في جامعة صنعاء عبدالحافظ الخامري أن النزعة العنفية لدى الشباب والمراهقين تمثل تعويضاً لنقص في شخصية النازع إلى العنف، ويتوازى ذلك مع مفاعيل التغيرات الجسمانية التي تطرأ على جسد المراهق. وقال الخامري إن البحث عن قيمة اجتماعية قد يقود الشاب إلى مسلك العنف المادي أو اللفظي سعياً الى تحقيق الذات.

وتعد لغة المزاح الحميمة لدى اليمنيين، صغارهم وكبارهم، نابية في الغالب حتى غدت «يا حقير» أو «يا سافل» أو «مال عارك» مفردات يومية لا يأبه بها احد.

ويتذكر احمد العامري رفيقاً له من أب يمني وأم أثيوبية كان قدم إلى اليمن لأداء الخدمة العسكرية ولم يكن يعرف من العربية سوى القليل فسمع رفاقه في الجندية يتنادون في ما بينهم بعبارات مثل: كيفك يا زنوة (من زاني) أو فينك يا زنوة؟ حتى أنه ظنها تحية معتمدة فراح يستقبل بها كل من يلتقيه

الحياة   15 يناير 2007م

 

الزواج بأجنبي حلم شابات يمنيات لتأسيس" أسرة حديثة"

صنعاء - علي سالم

صار الزواج بأجنبي حلماً يراود الشابات اليمنيات خصوصاً المتعلمات سعياً منهن في الغالب الى تكوين «أسرة حديثة» تتسم بالاحترام المتبادل وتخلو من تعدد الزوجات والتعامل مع المرأة كند ليست تابعة للرجل. وتشير الإحصاءات الرسمية الى ازدياد نسبة اليمنيات اللاتي تزوجن من أجانب في السنوات الخمس الأخيرة، في الوقت الذي انحسرت هذه الظاهرة بين الذكور، خصوصاً إذا ما تمت المقارنة بما كان عليه الأمر في السابق حين راج زواج طلاب دارسين في بلدان أوروبا الشرقية والاتحاد السوفياتي، من نساء من تلك البلدان.

وكانت نسبة اليمنيات المتزوجات من أجانب ارتفعت إلى 849 حالة خلال عام 2006 في مقابل 385 عام 2005 و153 في 2003. وتبعاً للإحصاءات الرسمية الأخيرة ارتفع عدد اليمنيات اللاتي تزوجن بأميركيين من 27 حالة في 2004 الى 45 حالة في 2006، كما وصل عدد اليمنيات المتزوجات بأوروبيين الي 22 حالة عام 2006 مقابل 37 عام 2004. وتستثني الإحصاءات الزيجات التي تتم عادة خارج البلاد، وتشمل الزواج من جنسيات آسيوية وأفريقية وباكستانية.

وبدا أن التقاليد التي عادة ما تضع الأنثى في وضع هامشي وتنظر اليها باعتبارها متاعاً وأحياناً واحدة من زوجات عدة، تدفع يمنيات الى الحلم بالزواج من أجنبي. وتقول وداد (29 سنة) ان الزواج من أجنبي مستحب لدى كثيرات لأن الارتباط بيمني قلما عرف الاحترام المتبادل والتعامل مع الزوجة كشريك وليس مجرد «آلة للإنجاب وتدبير شؤون البيت».

وتشير وداد المتزوجة من أجنبي، الى انه «على الأقل لا يمكن أن يتزوج بثانية الى جانب زوجته»، نافية أن يكون المال أو السعي الى العيش في مجتمع اكثر انفتاحاً وراء هذا الخيار، «بل لأنه يؤمن احترام المرأة وتقدير إنسانيتها».

وفي المقابل ترفض غالبية الذكور زواج اليمنية بأجنبي، على رغم أنهم يرغبون منه لأنفسهم للحصول على جنسية بلدان يتوافر فيها العمل والمستوى المعيشي المرتفع مثل أميركا وأوروبا وكندا.

وكان لافتاً اللغط الذي خلفه زواج ابنة نائب الرئيس اليمني السابق علي سالم البيض من مطرب لبناني. ويقول يحيى (34 سنة) إن استهجانه هذا الزواج يرجع الى أنه تم بين يمنية وأجنبي أولاً والى كون العروس من فئة السادة في حين ان العريس «مزين» أي مطرب.

والواضح أن التراتبية الاجتماعية ما زالت ترسم خيارات الأجيال الجديدة وإن كانت التحولات التي يشهدها المجتمع اليمني من انتشار التعليم ووسائل الاتصال، لها دور أيضاً في بلورة تصورات جديدة لمفهوم الزواج خصوصاً لدى فتيات المدن. فاختيار الزوج بحسب ما تقول نبيلة (28 سنة) لم يعد حكراً على الأبوين بل هو حق يتعلق بالفتاة.

ويؤخذ على الجهات اليمنية ممارستها نوعاً من التمييز ضد المرأة كالتشدد في إجراءات توثيق زواج اليمنية بأجنبي بعكس زواج اليمني الذكر من أجنبية. وتقول رضية التي تزوجت أخيراً بزميلها التركي الذي يعمل معها في منظمة اللاجئين، أنها واجهت صعوبات كثيرة خلال تسجيل الزواج لدى الجهات الرسمية، وتوضح أنه طلب منها بداية السفر من عدن الى صنعاء مع ولي أمرها وعندما حضرت مع شقيقها رفض طلبها بدعوى أن المطلوب هو والدها. وتقول: «استغرقت الكثير من الوقت والجهد لأثبت لهم أن والدي متوفى».

وكانت تعليمات رسمية صدرت عقب انتشار ما عرف بظاهرة الزواج السياحي منعت المحاكم من إصدار أو اعتماد عقد زواج يمنية بأجنبي إلا بعد موافقة وزارة الداخلية. وتستلزم القوانين من الأجنبي الراغب في الزواج من يمنية إشهار إسلامه أولاً وهـو أمر يتم «شكلياً» في كثير من الأحيان.

 

يوم الشباب في اليمن لم يعرف به المعنيون

 صنعاء - علي سالم : كان جلال يشرب قهوته في مقهى «جولة كنتاكي» في صنعاء عندما عبرت شارع الزبيري مسيرة ضمت نحو ألفي شاب وشابة سارت لمناسبة الاحتفال باليوم الوطني للطفولة والشباب المصادف 19شباط (فبراير). 

في البداية بدا جلال (26 سنة) متحيراً إزاء هذه الجلبة المصحوبة بإيقاعات الموسيقى. لكنه سرعان ما أخذ يضحك عندما علم بأنها تمهد لمهرجان شبابي سيحضره نائب الرئيس اليمني. «ظننتها حفلة عرس سارت على غير العادة»، قال الشاب الذي تخرج العام الماضية في جامعة صنعاء في تخصص إدارة أعمال. 

وكما جلال، هناك كثيرون من الشباب في اليمن لا يعرفون بما بات يسمى اليوم الوطني للطفولة والشباب ووجود استراتيجية تعالج قضاياهم. ومن يعلمون بذلك فوجئوا بموعد المناسبة. ويعزو بعضهم سبب عدم الترويج الكافي لهذه المناسبة إلى «كثرة الايام الوطنية عندنا» بحسبما يقول فاروق الطالب في كلية الزراعة متهكما من تواتر المناسبات المحمولة على اسم اليوم الوطني. 

وحقيقة الأمر أنه ومنذ اقرار الاستراتيجية الخاصة بالطفولة والشباب عام 2006، لم يجر الاحتفال بالمناسبة سوى هذه السنة. 

ولئن استهدفت الاستراتيجية تحريك فئة الــشباب ومــعالجة قضايـاهـا، يـبدو واضــحاً أن الصورة الســلبية التي خلفها الإرث الثقيل لتجارب عدم تـنفـيذ كــثير من الخطط والاستراتيجيات الحكومية، حولت مثل هذه الاستراتيجيات الى مجرد «بهارج واضــغاث احــلام مــثلها في ذلك مثل اعلانات شركات الهاتف التي تخدر الشباب المحبط بجوائزها المبــشرة بالملايين»، عــلى ما يــقول وديع (27 ســنة). ويــرى وديع أن الشــباب الــيمني يحتاج الى برامج ومــشاريع ملموســة على الواقع وليــس «استراتيجية قصد منها اســاساً التدليــس للجهات المانحة». 

ولا يقف امر التشكيك في امكان تنفيذ استراتيجية الطفولة والشباب على افراد الفئة المستهدفة فحسب، بل يتفق معهم في ذلك عدد من الباحثين والمراقبين. 

وبحسب الدكتور فؤاد الصلاحي عضو الفريق الذي اعد مشروع الاستراتيجية، فإن هذه الاستراتيجية «مضللة ولا تمت لواقع الشباب بصلة». وقال الصلاحي: «الاستراتيجية الحالية مكتبية وسبق أن أوصينا بإجراء استبيانات ميدانية لمعرفة حاجات الشباب ومشاكلهم غير أن الجهات الحكومية لم تعمل بالتوصيات كما لم تأخذ بالخلفيات البحثية المرفقة بمشروع الاستراتيجية».

 ويؤكد الصلاحي عجز الاستراتيجية في صورتها الراهنة عن التعبير عن التطور الذي ينشده الشباب المعاصر، مشيراً الى انها اغفلت حاجات الشباب في الريف، «كما لم تستوعب حاجات الفتيات من نشاطات وأماكن ترفيه وأندية رياضية».

 غير أن معمر الارياني الوكيل الأول في وزارة الشباب والرياضة، يقلل من اهمية الانتقادات الموجهة للاستراتيجية والتشكيك بامكان تطبيقها، مشيراً الى أن اللجنة العليا للطفولة والشباب برئاسة نائب رئيس الجمهورية عبد منصور هادي ستعقد قريباً أول اجتماع لها لإقرار مجموعة من الخطط والآليات التنفيذية والتي من شأنها تفعيل دور الشباب وتنمية ابداعاتهم وإشراكهم في صنع القرار. 

ويبدو أن الإحباط المتزايد في اوساط الشباب اليمني يدفع بعضهم الى التشبث بأوهام جديدة مثل التعويل على ما تبثه بعض الشركات الخدماتية من اعلانات حول امكان الفوز بملايين الريالات في مسابقات تطرحها على الجمهور. ويذكر جلال أن مصروفه الذي يبعثه اليه والده المغترب في الخليج استنفد في شراء بطاقات شحن الخلوي بعدما طرحت احدى شركات الهاتف المحمول اعلاناً حمل شعار «احلم ونحن نمولك»، ومفاده أن الفائز في السحب سيحصل على مبلغ مليوني ريال يمني لتمويل مشروع يعتزم تنفيذه.

وترى ابتسام (28 سنة) ان ما يفرق بين وعود الحكومة و»احابيل» هذه الشركات هو أن الأولى تتقصد الحصول على اصوات الشباب في الانتخابات وفي أحسن الأحوال «إغراقهم باليأس واللامبالاة تجنباً لأية شرور او هبات قد تصدر منهم»، في حين أن هذه الشركات تمتصهم حتى العظم».

الحياة  الاثنين, 25-فبراير-2008