16 أغسطس 2012

علي صالح رئيس اليمن على الإنترنت


على رغم انتخاب اليمنيين في شباط (فبراير) الماضي رئيساً توافقياً هو المشير عبد ربّه منصور هادي، فإن الرئيس السابق علي عبد الله صالح ما زال يحتفظ بمنصبه رئيساً لليمن في موقعه على شبكة الإنترنت، الأمر الذي يشكّل مفارقة معنوية أو صدفة ذات دلالة بالتوازي مع اتهامات تُكال له بأنه مستمر في التحكم بخيوط اللعبة السياسية والعسكرية عبر أقارب وموالين.
 وكان موقع الرئيس صالح www.presidentsaleh.gov.ye/index.php اختفى عقب انتخابات شباط من الصفحة الرئيسة لوكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ) إضافة إلى عدد من المواقع الإلكترونية الحكومية، لكنه ما زال يحتفظ بوجوده على الشبكة، بالتسمية ذاتها والمحتويات نفسها، وبنطاق حكومي (gov)، علماً أن بين محتويات الموقع مكتبة التشريعات اليمنية التي لطالما شكّلت مرجعاً إلكترونياً للباحثين والكتّاب والصحافيين.
في المقابل، لم يطلق الرئيس الجديد موقعاً، وما زال يحتفظ بموقعه الشخصي منذ كان نائباً للرئيس hadi-ye.net/index.php مكتفياً بتغيير الاسم إلى موقع فخامة رئيس الجمهورية المشير عبد ربه منصور هادي. كما يقتصر الموقع على واجهة عربية، فيما يتمتع موقع الرئيس السابق بواجهتين عربية وإنكليزية.

الموقف من الثورة السورية يقسم الساحات اليمنية


بينما كان شبان يمنيون يحرقون أعلام روسيا والصين وإيران احتجاجاً على دعم هذه الدول للنظام السوري، كان عشرات آخرون يجادلون عبر مواقع التواصل الاجتماعي وفي ساحات الاحتجاج لتبرير وجهة نظرهم المؤيدة لنظام بشار الأسد.
وإذ يعتبر النظام السوري أول نظام في المنطقة يحوّل توريث الحكم في الجمهوريات من مجرد فكرة إلى حقيقة وذلك عندما تم تنصيب بشار الأسد خلفاً لوالده الراحل وتعديل الدستور ليتلاءم مع سنّه، فإن الانتفاضة السورية تبدو الاستثناء الوحيد تقريباً في عدم حصولها على إجماع الشباب اليمني قياساً ببقية حالات الربيع العربي.
والمفارقة أن معظم المؤيدين لنظام بشار الأسد هم من يزعمون أنهم كانوا من أوائل المناوئين لمسعى الرئيس السابق علي عبد الله صالح توريث الحكم لنجله. لكنهم صاروا أكثر تقارباً مع نظام الرئيس السابق وتباعداً عن شركائهم في الثورة مثلما باتت دمشق في رحلاتهم إلى إيران.
وتعتقل السلطات السورية مئات من الطلاب اليمنيين الدارسين في جامعاتها، وعلى رغم استمرار مناشدات عائلاتهم الإفراج عنهم إلا أن الحكومة اليمنية لم تعلن حتى الآن اتخاذ أي خطوة في هذا الاتجاه. وكان أحد وزراء حكومة الوفاق الوطني ممن ضمتهم قائمة المعارضة مقيماً في سورية وتربطه بنظام البعث السوري علاقة، ما أعطى أملاً في أن يساهم ذلك في التوسط للإفراج عن الطلاب.
ويقول محللون إن معارضة بعض القوى السياسية لنظام الرئيس السابق علي عبد الله صالح انطلقت من مبادئ مذهبية وجهوية ولم تستهدف النظام كله بل جزءاً منه وتحديداً التيار الإسلامي السني ورأس حربته العسكرية اللواء علي محسن الأحمر الذي تفيد معلومات أن حرب صعدة كانت مجرد فخ يهدف للقضاء عليه أو إضعاف شوكته.
والواضح أن فصام الثورة الشبابية اليمنية تغذيه ثقافة سياسية قبائلية ومذهبية تحول دون نهوضها على مسلك ديموقراطي واضح.
ويرى الناشط المستقل داؤود طه (33 سنة) أن مأزق ثورة الشباب اليمني «يكمن في عدم نضوجها وافتقارها لوعي الحرية، فمسمى شباب يشير إلى فئة عمرية أكثر منه تجاوز لوعي الآباء ومفاهيمهم».
والراجح أن التحيز لجماعة لا لقضية من شأنه أن يصيب الثورة في مقتل ويحول مطلب التغيير إلى مجرد شعار للاستهلاك والتضليل تماماً مثلما جرى تحويل الجمهورية ودولة الاستقلال إلى مجرد شعارات لا أساس لها في الواقع.
وأعيد إنتاج القوى القديمة في صيغ جديدة توزعت بين أشكال «العسكرتاريا» القبائلية والإسلاموية المذهبية المتطرفة.
والحق أن أزمة الأخلاقية الثورية في حال اليمن هي نتاج ثقافة البنية القبائلية الدينية للمجتمع اليمني مدعومة بإرث أيديولوجيات قومية ويسارية غير قائمة على أساس اجتماعي متين. ما يجعل شباب الثورة مجرد «رعاع مذاهب وأيديولوجيات» بحسب تعبير داؤود طه الذي يؤكد وجود عصبوية منيعة ضد النقد.
ومثال على ذلك ما حصل أخيراً مع الناشطة توكل كرمان الحائزة على جائزة نوبل للسلام إذ تحولت صورة منشورة جمعت كرمان مع الإسرائيلي عوفير برانشتاين إلى حملة هجوم وتخوين لها، وذهب البعض إلى المطالبة بمحاكمة كرمان بتهمة خيانة دماء «شهداء الثورة «.
وكان تباين المواقف من الانتفاضة السورية تحول إلى عداوات ومعارك على الواقع وعلى مستوى الفضاء الافتراضي، فهناك من حذف أصدقاء من موقع «فايسبوك» و «تويتر» على خلفية تباين الموقف إزاء الوضع السوري.
والحال أن مهمة ترسيخ قيم الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان تواجه في حال اليمن صعوبات كبيرة لا تنحصر بهذا الطرف أو ذاك بل تتغلغل في مختلف الأطراف وتستشري في الجسم الوطني كله. ولعل في استمرار البعض تقسيم العالم إلى تقدمي ورجعي بحسب معايير الحرب الباردة، ما يشي بمدى الضبابية وغياب التبصر.

صيف يمني متجهم ومن دون وجهة


«العالم ليس حظيرة واحدة» يقول عبد الغني حزام ( 28 سنة) معبراً عن انزعاجه مما يزعم أنها «نمطية» اقتصار الإعلام العربي على قضايا مكررة ومناسباتية مثل الصيف ورمضان والعيد والمونديال والعودة إلى المدرسة.
ينطق حزام بلسان كثير من الشباب اليمني الذي، وإن بدا منخرطاً في فضاء التحولات التي تشهدها المنطقة ومنها «ثورات الربيع العربي»، إلا أنه مازال محكوماً ببيئة اجتماعية ثقافية تغلب عليها قيم نمط الإنتاج الزراعي وعاداته.
والحق أن ثقافة الصيف، بماهي ثقافة تنتمي أصلاً إلى بيئة المجتمع المديني البرجوازي، الغربي تحديداً، ما زالت شبه غائبة ولم تترسخ بعد. وحتى أولئك القلة من الأثرياء الذين درجوا في الصيف على السفر إلى دول عربية وأجنبية، فإنهم يفعلون ذلك من باب المحاكاة والمباهاة ومحاولة التعبير عن مكانة اجتماعية اقتصادية، اكثر منها تجسيداً لوعي وسلوك أصيل. وقلما أجادوا الاستمتاع بالإجازة، إذ تفيد معلومات بأن بين هؤلاء من يمضي معظم الوقت في الملاهي والكازينوات تاركاً أفراد أسرته «أسرى» أماكن سكنهم.
وكان الصيف خلال السنوات الماضية عادياً خالياً من أي نشاطات مميزة. أما هذا العام فأنه يأتي محملاً بالإحباط والتجهم. أنه «صيف بلا وجهة»، بحسب ما تقول ليلى حسين (31 سنة)، مشيرة إلى أزمة مركبة يواجهها اليمن صيف هذا العام. الوجه الأول من الأزمة يتمثل في انتشار الإحباط الناجم عن إخفاق ثورة الشباب اليمني في إنجاز تغيير جوهري وملموس، فيما يتمثل الوجه الثاني في شيوع الفقر والبطالة، ما يجعل البلد مهدداً بكارثة مجاعة. خصوصاً بعدما وصلت نسبة الفقر إلى ما يزيد عن 70 في المئة.
والحاصل هو أن وضعية الصيف اليمني هذا العام هي مزيج من السخونة والضبابية في آن. سخونة العيش في بلد يتلظى تحت جوع شلل اقتصادي واضطراب امني وفوضى عامة. بلد يضم نحو 6 ملايين خريج عاطل من العمل وما يزيد عن 150 ألف نازح، بحسب ما تفيد تصريحات كبار المسؤولين.
والواضح أن معاني الصيف، كما هي معاني الثورة، زلقة وغير ثابتة. فإذا كانت قيمة الصيف في بلدان الشمال الباردة تكمن في متعة ملاقاة الشمس والدفء بعد شهور من البرودة والثلوج، فإنها في حال بلدان الجنوب الحارة مثل اليمن ربما كمنت في كشف عورات النظام السياسي والاجتماعي. فمع حلول الصيف، وهو موسم مطر، تنكشف عورات فساد النظام الهندسي فتتحول شوارع المدن اليمنية مثل صنعاء إلى برك وبحيرات من الوحل وتنسد المجاري. وفي الصيف أيضاً تكشف المؤسسات الرسمية والأهلية عن عجزها من الاستفادة من طاقات الشباب الذي يغادر مقاعد الدراسة فلا يجد غير جلسات القات أو اللعب في الشوارع في احسن الأحوال.
ربما بدا صيف اليمن ساطعاً على مستوى الشعارات. أما على ارض الواقع فهو موسم موحل، شوارع وسياسات. وتخشى أمة الرزاق (23 سنة) أن تتحول ساحات الاحتجاج التي ما انفكت تهتف بشعارات الحرية والتغيير مجرد «وحل سياسي آخر يكرر مهزلة ومأساة استبدال إمام بإمام على غرار ما سعى إليه انقلاب 1948 الفاشل».
ومعلوم أن السياحة الداخلية كانت ولا تزال شبه معدومة باستثناء مناسبة الأعياد الدينية. كما يقع اليمنيون في ذيل قائمة الشعوب من ناحية الاهتمام بالسياحة. ومعظم الذين يغادرون البلد يسافرون للعلاج. أنهم ركاب «طائرة العيانين» كما درج موظفو مطار القاهرة على وصف الطائرة الآتية من اليمن.

الفقر يدفع يمنيين الى العمل مقابل إفطار!


   باشر نشوان (19 سنة) عمله في متجر لبيع الملابس يملكه احد ابناء منطقته حيث درج بعض اصحاب المحال التجارية على استخدام الشبان خلال شهر رمضان الذي يشهد اقبالاً على شراء الملابس والاحذية. بيد ان عمل نشوان هذا العام لن يكون عملاً بما تعنيه الكلمة بل هو أقرب الى السخرة. فما سيحصل عليه، بحسب روايته، لا يتعدى وجبتي عشاء وسحور وبعض القات اضافة الى بذلة جديدة سيستلمها عشية العيد ومبلغ مالي صغير عبارة عن اجرة مواصلات للعودة الى قريته.
وعلى رغم الظلم الواضح، يعد نشوان محظوظاً كونه حصل على هذه الفرصة على الاقل، فهناك العشرات من الشبان المستعدين لقبول هذا العرض في حال رفض نشوان. وتؤدي الاوضاع الاقتصادية المتردية التي بلغت حداً غير مسبوق من حيث ارتفاع نسبة البطالة والفقر، الى إجبار شباب كثيرين على القبول بأي عمل وبأي أجر لسد الرمق.
وقال نشوان ان عمله في رمضان يبدأ في الثالثة عصراً وينتهي عند الرابعة من فجر اليوم التالي, واحياناً يكلف بالقيام بمهام اضافية مثل الذهاب الى السوق لشراء خضار ولحوم وقات وايصالها الى منزل رب العمل.
ولا يقتصر استغلال الظروف الاقتصادية الصعبة للشباب اليمني على المجال التجاري والصناعي فحسب بل يمتد الى المؤسسات الحزبية وحتى المنظمات الإرهابية.
واكدت مصادر محلية متطابقة في محافظة أبين الجنوبية أن عشرات الشبان الذين انخرطوا للقتال في صفوف جماعة «انصار الشريعة» التي توصف بأنها الفرع اليمني لتنظيم «القاعدة»، فعلوا ذلك بدافع الحاجة الى المال والغذاء لهم ولأسرهم. وتنبهت للأمر على ما يبدو السلطات اليمنية والاميركية حين شرعت أخيراً بتجنيد الآلاف من ابناء القبائل في حربها ضد الجماعة حتى تمكنت من دحرها من المدن الرئيسية.
وكانت جماعة انصار الشريعة غايرت تنظيم القاعدة الأم في كثير من الاساليب ومنها الشروط المفروضة لتجنيد عناصر جدد. فخلافاً لتنظيم القاعدة الذي عرفت عنه الصرامة في التجنيد مثل شرط التدين الصارم وعدم التدخين وعدم مضغ القات، قبلت جماعة انصار الشريعة بانضمام كثيرين من غير الملتزمين دينياً.
ومع شلل عجلة الاقتصاد اليمني أو تعطلها، تبدو الصراعات السياسية والمذهبية ساحة مثالية وسوقاً متاحة لكسب العيش في بلد تصفه منظمات دولية بأنه على شفا كارثة انسانية. ووفقاً لبيان صدر الخميس الماضي عن منظمة «أوكسفام» وهيئة الاغاثة الاسلامية، فإن 44 في المئة من سكان اليمن ليس لديهم ما يكفيهم من طعام، فيما تفيد تقديرات محلية أن نسبة الفقراء تجاوزت 70 في المئة من السكان.
وعلى رغم تواتر التحذيرات بشأن الوضع الانساني، ما زالت السلطات اليمنية تتعامل بأذن من طين وأخرى من عجين يجاريها في ذلك المجتمع الدولي الذي يزعم أنه يسعى الى معالجة الاسباب الاقتصادية والاجتماعية للتطرف.
في السنوات الماضية كان شبان اليمن يلجأون للعمل خلال الاجازة لأغراض ترفيهية مثل شراء ملابس اكثر او دراجة هوائية أو مستلزمات خاصة، أما الان فانهم يكدون للحصول على عمل لتوفير وجبة لهم ولأفراد اسرهم. وهناك من ترك الدراسة نهائياً ليبحث عن عمل لم يجده حتى الآن.

اليمنيون على محك التغيير الذاتي


رفض محمود (43 عاماً) الانضمام الى حملة «جمع مليون توقيع لوضع شعار شهر رمضان على محرك البحث غوغل وموقع فايسبوك»، خلافاً لزوجته، التي تجاوبت مع الحملة، لأن ذلك في رأيها سيؤدي إلى «إبراز الهوية الإسلامية على مستوى الفضاء الافتراضي». موقف محمود، الذي يعمل موجِّهاً تربوياً، ينطلق من أن «الهوية الحقيقية ينبغي أن تتجسد أولاً في السلوك وعلى أرض الواقع»، لافتاً إلى جملة من المظاهر التي يشهدها المجتمع اليمني في شهر رمضان.
ويحل شهر رمضان هذا العام واليمن يمر في لحظة مفصلية وحرجة، تتمثل بوقوف اليمنيين على عتبة مرحلة جديدة تعتبر اختباراً لمدى قدرتهم على إحداث تغيير حقيقي في حياتهم. صحيح أن الوضع في شهر رمضان يبدو أفضل حالاً من العام الماضي، خصوصاً لجهة التحسن الطفيف في خدمات الكهرباء والماء، لكنه يتزامن مع بروز ظواهر جديدة، مثل التفجيرات الانتحارية التي تثير مخاوف كثيرين، خصوصاً مع استهداف المدنيين من المارة، ومن بينهم نساء وأطفال. ووفق محمود، تتمثل القيم الاساسية لشهر رمضان بتحفيز التغيير الذاتي عند المسلم، وهو أمر لا يبدو واضحاً على مستوى السلوك الشخصي.
ويقول إن من المهم تربية الأبناء على «مضمون القيم الإسلامية الحقيقية»، والابتعاد عن جملة من النماذج السلبية التي تستغل الشهر الكريم، كتحوّل الدوام إلى مجرّد بصمة دخول وخروج، إضافة إلى جشع التجار، وذهاب الزكاة والصدقات الرمضانية إلى الميسورين أنفسهم، بينما لا يُعطى للفقراء إلاّ «فتات».
وانتشرت في الشوارع وفي وسائل الإعلام إعلانات عن تخفيضات رمضانية على السلع، بيد أن حركة التبضع تبدو ضامرة، ويعود ذلك إلى انخفاض القدرة الشرائية عند المواطنين.
ويتوقع البعض أن يشهد رمضان هذا العام موجة تسول غير مسبوقة، بسبب تزايد أعداد غير القادرين على توفير الحد الأدنى من المال لشراء الغذاء، وهي القضية التي حركت ضمائر منظمات عالمية ما انفكت تحذّر من مجاعة تهدّد اليمن، في حين تبدو الحكومة اليمنية والقوى الاقتصادية والسياسية المحلية «غير آبهة».
ويؤخذ على الحكومة طريقة معالجتها قضية تنظيم «القاعدة» وتفاهمها مع جماعة الحوثيين المسلحة، من دون أن تولي أي أهمية لتصحيح منظومة الأسعار التي تفتك بحياة الملايين. ويضاعف حلول شهر رمضان من العبء الاقتصادي على كثير من الأسر اليمنية التي تلتزم التقاليد، من إقامة الولائم للمعارف والأقارب من العازبين.
ويبدو واضحاً انحدار الدخل مقابل تصاعد الأسعار أو ثباتها، اللذين لا يحفزان على الشعور بالرضا، ويزيدان من حال النفور وعدم التفاعل مع كثير من القضايا العامة. ويرى البعض أن «أسطورة» الرئيس السابق، التي لطالما اتخذتها القوى السياسية شمّاعة، ولّت إلى غير رجعة، متسائلين عمّا يمكن أن تفعله النخبة الجديدة القديمة التي وصلت الى سدّة الحكم». ويقول محمود: «أخشى أن تعاد خرافة الثورة من أئمة ومستعمرين، لتبرير الانغماس في لذّة السلطة والتنصل من هموم الشعب الذي تسلّق الحكّام الجدد مراكزهم على دماء ابنائه».
وتقول أم مازن: «قلوب الجشعين ومصاصي دماء المستهلكين ترق في رمضان، لكنها رقّة لا تلبث ان تنقلب شراهة جامحة»، وتضيف: «حتى الزبادي واللحوح، السلعتان اللتان يكثر الإقبال عليهما في رمضان لإعداد وجبة الشفوت، لم تنجوَا من لعبة الإخفاء والتخفي بقصد رفع سعريهما».
والراجح أن القيمة الأخلاقية التي ينطوي عليها شهر الصوم مازالت بعيدة، وقلما اقتربت أو تجسدت في سلوك الصائمين. ولعل في تحوّل رمضان مناسبةً لما يُسمى «الاسترزاق الجديد»، من قبيل ما تمارسه بعض الجمعيات الخيرية المتهمة بالتكسّب من مشاريع افطار الصائم، «لا تكسب مغفرة ورحمة بل كسباً مادياً مقيتاً»، وفق أم مازن، ما يؤكد تباعد هذه القيمة الرمضانية عن حياة الصائمين.

انطلاق موسم الهجرة اليمنية إلى إيران وشباب الثورة أول المتهافتين!


«رعى الله زمان الشبيبة الأممية التقدمية» يقول الشاب اليساري خالد حسن متحسراً على الماضي ومتهكماً من بعض رفاقه ممن سافروا إلى إيران ضمن رحلات تنظمها مؤسسات يمنية موالية لطهران ول «حزب الله» اللبناني. آخر تلك الرحلات انطلقت الأسبوع الماضي وضمت نحو مئة ناشطة يمنية معظمهن من ناشطات ساحات الحرية والتغيير.
انحدار كثير من الشباب اليمني ممن ينتمون إلى أحزاب يسارية وقومية وليبرالية ومن يقدمون أنفسهم كمستقلين أوعلمانيين، وتهافتهم على التمترس وراء الجماعات الدينية (السنية والشيعية) تمثل واحدة من المشاكل والسلبيات التي أفرزتها أو «أظهرتها على السطح» الثورة الشبابية اليمنية كما يرى الناشط في ساحة التغيير هاني عبد الرحمن بدر.
وكانت ثورة الشباب اليمني التي سعت إلى محاكاة تجربة الانتفاضات الشبابية التي انطلقت من تونس ثم مصر في ما بات يعرف ب «ثورات الربيع العربي» جاءت محمولة بشعارات اللحظة الثورية المطالبة بالتغيير. بيد أن هذا كان على مستوى الظاهر، أما في العمق فظلت «الهشاشة السياسية والثقافية» كامنة ثم ما لبثت أن تحولت نسخة من الماضي «وربما أسوأ ما فيه» كما يقول بدر.
ويضيف: «لم يكن مضى على ثورة الشباب في الساحات سوى بضعة شهور حتى طفت على الطاولة نزعة التوزع ما بين الإصلاحيين والحوثيين» وهما القوتان المذهبيتان الرئيستان الأكثر حضوراً وتنظيماً علاوة على امتلاكهما المال السلاح.
ويأخذ البعض على اليساريين والمستقلين الذين لطالما قدموا أنفسهم باعتبارهم الطليعة الجديدة «عدم الانسجام مع ذواتهم ومع ما يدعون إليه».
وتقول طالبة الدراسات العليا في جامعة صنعاء مها مسعد: «لا يتعلق الأمر بانتماء هذا الشاب أو تلك الشابة إلى حزب معين أو جماعة مذهبية فهذا حق نقر به للجميع لكن المشكلة تكمن في نكوص الشباب عن وعي اللحظة الثورية وإخفاقهم في تقديم نموذج ينتمي إلى المستقبل وليس إلى القرون الوسطى».
ونجحت إيران من خلال الجماعات السياسية والمذهبية الموالية لها في استدراج كثير من شباب الأحزاب اليسارية وغير الدينية إلى صفها ودفعهم إلى المشاركة في نشاطات ترعاها مستفيدة من حال الإحباط والانكسار التي آلت إليها ثورتهم فيما يرفض كثيرون منهم المبادرة الخليجية التي يعتقدون أنها فرضت عليهم فرضاً.
بيد أن هذا لا يعني أن لا خيار أمام هؤلاء إلا الانحدار والسير وراء الجماعات المذهبية السنية أو الشيعية. تقول مسعد: «جميعنا يرفض الهيمنة الأميركية والإيرانية وغيرهما من الهيمنات غير أن هذا لا يعني أن نفقد النظر إلى الأمام والانسجام مع انفسنا ومع ما نؤمن به من أفكار». وترى في انسياق الشباب الديموقراطيين «أو من كنا نظنهم كذلك» وتأييدهم للقوى المتخلفة يمثل «رافعة للتخلف» وهو فعل «محبط لقوى التغيير»، مؤكدة أن من شأن هذا السلوك إعاقة التجديد داخل الأحزاب الدينية والمذهبية نفسها ويعزز مواقع التيارات التقليدية على حساب النزعات التجديدية الشابة التي ستفتقد النموذج والقدوة.
وكان بعض الشبان في الأحزاب اليمينية واليسارية التي انضوت في إطار «تحالف أحزاب اللقاء المشترك» المعارض لنظام الرئيس السابق علي عبد الله صالح، تمكنوا خلال سنوات قليلة من خلق قناة تواصل وحوار في ما بينهم بعد عقود من العداء والرفض للآخر.
وتعد الحائزة جائزة نوبل للسلام توكل كرمان واحدة من النماذج الشابة التي أثمرتها التجربة. غير أن هذا لم يدم طويلاً، فما أن تنحى الرئيس السابق حتى»عادت حليمة إلى عادتها القديمة» فعاد كثير من الشباب إلى التمترس خلف مواقعهم العتيقة، والأسوأ تبعثر شباب الأحزاب اللادينية ما بين الجماعات المذهبية.
والمفارقة أن تجد شباناً يساريين يتبادلون الاتهامات بالرجعية والتخلف من موقع الانحياز للحوثيين أو الإصلاحيين.
ويرى كثيرون في صنعاء إن طهران التي تخوض حرباً باردة مع الولايات تحاول تأليب الرأي العام العربي ضد واشنطن مستفيدة من الجماعات الشيعية العربية الموالية لها ومن الناقمين على أميركا وسياساتها. ويقول خالد حسن: «خرجنا من الحرب الباردة التي ظلت ناشبة لعقود بين البيت الأبيض والكرملين لا لنتحرر ونستعيد عقلنا بل لنهوي ثانية في حرب أوسخ من الأولى».

نظرة اليمنيين الى «المصلحة العامة» لا تتعدى أسوار المنازل


«حملة عسكرية لتحرير الكهرباء»، هذه ليست نكتة سمجة أو تهكماً مراً، بل واقعة حقيقية شهدها اليمن مطلع الأسبوع الجاري قتل خلالها جنديان وجرح آخرون إضافة إلى مقتل شخص من عناصر الجماعات القبلية التي تتهمها السلطات بتخريب خطوط إمدادات الطاقة، ما يُغرق المدن والمناطق اليمنية في ظلام دامس.
لا جديد في الأمر سوى تسيير حملة عسكرية. أما انقطاع التيار الكهربائي جراء أعمال تخريب وأعطال وغيرها، فظاهرة مزمنة وتجلٍّ من تجليات سلوك راسخ لدى اليمنيين حكاماً ومحكومين، لا يقف عند سرقة المال العام وأسلاك الكهرباء وكابلات الهاتف بل يمتد إلى تخريب ونهب كل ماهو ملكية عامة وحكومية من سيارات وصنابير مياه وكتب المكتبات العامة. حتى الأشجار التي تزين الشوارع أو تشكل غطاء أخضر، لا تسلم من العبث والاقتلاع.
سجّل العام الماضي رقماً قياسياً في نهب وتخريب أملاك عامة وخاصة، توزّع الضالعون فيها بين أنصار النظام السابق ومؤيدي الثورة الشعبية ومواطنين عاديين. ووصل الأمر في مدينة تعز مثلاً إلى حد نهب سيارات القمامة، وكانت حال الفوضى الناجمة عن شلل مؤسسات الدولة، وفرّت فرصة نادرة ليُبدِع بعضهم في النهب والتخريب وخرق القوانين، وشهدت مدن يمنية مثل صنعاء ظهور أحياء سكنية عشوائية بُنيت في ليلة وضحاها، على أراض مملوكة للدولة.
وطاول النهب المتبادل بين القوى المتصارعة أرشيف التسجيلات الصوتية والمصورة في محطات إذاعية وتلفزيونية وحواسيب ومطابع مؤسسات إعلامية ومنها وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، وكان النظام السابق قدّم نموذجاً سلبياً مميزاً في الفساد ونهب المال العام، يمتد من الاستحواذ على الثروة السمكية والنفطية على شكل حصص موزعة على أقطاب الحكم، إلى الدخول في المشاريع الاستثمارية المرخّص لها كشريك مقابل.
الحماية
ومع انتشار ظاهرة العصابات المسلحة في مدينة عدن الجنوبية اضطُرت مؤسسات وشركات تجارية إلى الاتفاق مع بعض هذه العصابات لتوفير الحماية لها مقابل مبلغ مالي، وهو ما رأى فيه معارضون جنوبيون مؤشراً إلى اضمحلال قيم احترام القوانين التي ترسّخت أثناء احتلال بريطانيا لجنوب اليمن.
تدني الاهتمام بالمصلحة العامة لا يعود إلى الوقت الراهن بل ينهض على إرث تاريخي. وكانت الحرب الأهلية صيف 1994 التي ترافقت مع صدور «فتوى» تُبيح نهب الجنوب أكدت استمرارية الثقافة التقليدية، وحينها وصل النهب إلى حدّ استحواذ بعض القبائل الشمالية على أسلحة ثقيلة بينها دبابات مدرعة. وبدا أن ثقافة النهب لا تنحصر برجال القبائل فقط بل وتمتد إلى النُخب السياسية المعارضة أيضاً.
وتفيد معلومات مؤكدة بأن شخصية سياسية معارضة ناشطة في حملة مقاطعة إسرائيل اقترحت في وقت سابق على صحافي له حقوق مالية لدى صحيفة معارضة أن يسرق سيارة قريب قيادي في الحزب الذي تصدر عنه الصحيفة والذهاب بها إلى منطقة قبلية ليجبر الصحيفة على تسليم حقوقه.
ودرجت جماعات قبلية وسياسية على خطف سيّاح أجانب وقطع الطرق والاستيلاء على أملاك حكومية لتقايض الحكومة للحصول على بعض المطالب. ويرى باحثون أن عادة استجابة الحكومة لمطالب هذه الجماعات تساهم في تكريس ثقافة خرق القوانين والاستهانة بالملكية العامة.
والواقع أن غياب الاهتمام بالمصلحة العامة هو ثقافة مجتمعية راسخة. وبدا لافتاً لامبالاة السكان بالوضع الصحي العام، أثناء تكدّس أكوام القمامة في شوارع صنعاء وعدّد من المدن اليمنية، بسبب إضراب عمّال النظافة، وحرص كل أسرة على عدم تكدّس القمامة بجوار مسكنها فقط.
ويُرجع باحثون ظاهرة ضعف تقدير اليمنيين المصلحة العامة والانغلاق في عصبويات صغيرة إلى غياب الانتماء إلى وطن أكبر وعدم الشعور بالمواطنة.

اليمن : هدايا رمضان لها نكهة الذهب الأسود


تشهد الطبقة المخملية في اليمن حركة هدايا متبادلة يرى بعضهم فيها استفزازاً لكرامة الانسان في بلد يواجه حوالى نصف سكانه أزمة حادة في الغذاء، بخاصة بعد أن أفضت الاحتجاجات الشعبية إلى إعادة النخب السياسية التقليدية التي اعتادت الجلوس إلى طاولة تقاسم السلطة والثروة... وخلو الساحة من أي معارضة.
ومنذ تشكيل حكومة موقتة جمعت بين حزب الرئيس السابق والمعارضة، تصاعدت وتيرة الفساد واتسعت دائرة شبكات المصالح، وبدلاً من أن يشكّل شهر رمضان مناسبة للتقشّف في الانفاق الحكومي واتخاذ إجراءات عاجلة للحدّ من مشكلة تفاقم الجوع، يبدو رمضان هذا العام مناسبة لمزيد من الترف الحكومي والفساد.
ويقول موظف حكومي ساخراً من حركة الهدايا التي تشهدها جهة عمله ويجري تبادلها ما بين المسؤولين انفسهم وتُشترى من المال العام: «هكذا تستقبل جمهورية الموز شهر الصوم». وتكشف مصادر مطلعة دخول شركات أجنبية ومحلية عاملة في مجال النفط على خط الهدايا الرمضانية التي تقدر قيمتها بملايين الريالات.
ويعتمد الاقتصاد اليمني بشكل كلي على النفط الذي يشكّل حوالى ثلث إجمالي الناتج المحلي، و75 في المئة تقريباً من الإيرادات الحكومية، و90 في المئة من الصادرات.
ويصنّف اليمن بحسب أدبيات الفساد ضمن نمط الدولة «المغولية» حيث تتنافس النخب المفترسة للانقضاض على مصادر البلاد للكسب الخاص بينما يكمن التزامها الوحيد، مقابل هذه المصالح، في توفير هدوء سياسي بين جماعاتها المعنية. وعلى رغم الهدوء السياسي النسبي منذ انتخاب الرئيس التوافقي، إلاّ أن قطاع العمل لم يشهد أي تحسن وكانت النشاطات الاقتصادية تراجعت، منذ اندلاع الاحتجاجات مطلع العام الماضي بحوالى 50 في المئة.
وأصبح قطاع النفط وبعض الشركات الحكومية أقرب إلى الملكية العائلية، إذ باتت الشركات النفطية أمينة لتوظيف أقارب المسؤولين وأبنائهم وبعضهم لم ينه دراسته الجامعية. وكانت تقارير منشورة كشفت ذهاب المنح الدراسية المقدّمة من شركات النفط لمصلحة أبناء كبار المسؤولين وذويهم. ومنذ تشكيل حكومة وفاق وطني وفقاً لاتفاق سياسي اقترحته دول الخليج ورعته الامم المتحدة واميركا والاتحاد الاوروبي، تشهد المؤسسات الحكومية عمليات توظيف على أسس حزبية ومناطقية ومذهبية، بالتوازي مع صرف مكافآت مالية للموالين ورحلات سفر.
وعلى رغم سقوط مئات القتلى من المتظاهرين المطالبين بالتغيير أتت النتائج لمصلحة القوى التقليدية التي بقيت على مدى نصف قرن تتصارع على السلطة والثروة وتشكّل عائقاً أمام التحوّل الديموقراطي، وتتكوّن من زعماء قبائل وقادة عسكريين وسياسيين من ايديولوجيات باتت تؤلّف طبقة برجوازية متطفّلة تعتمد على تسخير الموارد العامة للمصلحة الشخصية. ويبدو الهدوء السياسي النسبي مشروطاً باستمرار فساد هذه النخب في وقت لم يعد للفقراء صوت أو قناة تنقل همومهم، ولو من باب المناكفة على غرار ما كان يحصل خلال السنوات القليلة الماضية. وعلى العكس من ذلك باتت المرحلة الانتقالية المحدّدة وفقاً للمبادرة الخليجية بسنتين بمثابة موسم عسل تُمارس فيه هذه النخب فسادها بكل طمأنينة الأمر الذي يُنذر بنتائج كارثية ربما فاقت نتائج تقاسم السلطة الذي شهدته البلاد عقب قيام الوحدة عام 1990 والذي أفضى حينها إلى اندلاع حرب أهلية.
ولعلّ في استقالة وزير التعليم العالي يحيى الشعيبي أخيراً مؤشراً إلى حجم الفساد الحاصل، فعلى رغم أنه يُعتبر من الشخصيات النزيهة إلاّ أنه لم يستقل من منصبه الاّ بعد احتجاجات شهدتها وزارته وتسريب وثائق تؤكد ضلوعه في توظيف أقارب له وصرف منح دراسية.
ومع تناقص الموارد وارتفاع نسبة الذين يعيشون على أقل من دولارين في اليوم إلى أكثر من 50 في المئة من إجمالي السكان البالغ عددهم 23 مليون نسمة. بات الأمن الغذائي والاجتماعي في خطر، وتنتشر في العاصمة صنعاء والمدن اليمنية عصابات مسلحة تمارس السرقة والسلب، فيما تواصل جماعات قبلية تفجير أنابيب النفط للحصول على مكاسب من الدولة تصل إلى ملايين الريالات، مقابل تأمين «الحماية» لهذه الانابيب.
وكانت إجراءات اتخذها الرئيس التوافقي، ومنها التمديد للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد واستمرار صرف المخصصات المالية لشيوخ قبائل والمقدرة بحوالى 3 بلايين ريال سنوياً عزّزت لدى الكثيرين الانطباع بأن لا شيء تغير!

عزوف الطلاب اليمنيين الدارسين في الخارج عن زيارة الوطن لا يعني تكيفاً مع بلد الدراسة


 اثر تلقي جساس (33 سنة) مكالمة هاتفية من والدته تخبره فيها بأنها مريضة وتخشى أن تموت قبل أن تراه اضطر أن يترك باريس هذا الصيف ليعود إلى صنعاء لزيارة الأهل. ولدى وصوله اكتشف أن والدته ليست مريضة وإنما ادعت المرض لتحظى برؤيته بعدما بقي ثلاث سنوات غائباً عن الديار.
والأصل بالنسبة إلى كثير من الطلاب اليمنيين المبتعثين عدم وجود ما يحفز على قضاء الصيف في الوطن، سواء لجهة الأوضاع الاقتصادية والأمنية التي يمر بها اليمن قياساً الى بلد الدراسة، أم لجهة ظروفهم المادية التي تعد الأسوأ وفق ما ذكر جساس وآخرون.
ودرج بعض الطلاب الدارسين في الخارج على انتهاز إجازة الصيف لتدبير عمل يعينهم في سنتهم الدراسية، خصوصاً في ظل عدم انتظام المنحة المالية ناهيك بعدم كفايتها أصلاً قياساً بغلاء المعيشة في بعض البلدان ومقارنة بما يحصل عليه زملاؤهم القادمون من بلدان أخرى.
وذكر عبده النويرة وهو أحد الدارسين في مصر أن بعض الطلاب اليمنيين يسعون خلال الصيف إلى تدبير أي عمل خصوصاً في المدن السياحية على رغم صعوبة إيجاد فرص في مصر. وقال إن قدومه إلى اليمن غالباً ما لا يكون نتاج رغبة داخلية بل لظروف أسرية.
وبات معروفاً أن بعض الطلاب اليمنيين الدارسين في الخارج يتعمدون إطالة فترة دراستهم لتصل أحياناً إلى إضعاف المدة المفترضة أو المقررة، وذلك بدافع عدم الرغبة في العودة إلى البلاد. وإضافة إلى هذه الظاهرة تواجه السلطات اليمنية مشكلة تسرب كثير من طلاب الدراسات العليا المبتعثين وتركهم الدراسة إلى سوق العمل في بلدان أجنبية أو عربية. وقال جساس أنه سينتهز فرصة زيارته صنعاء لينهي وضعه الوظيفي لدى الجامعة التي يفترض أن يعود للعمل فيها مدرساً لدى تخرجه، مرجعاً السبب إلى حصوله على فرصة عمل لدى سفارة دولة عربية في باريس.
وفي مختلف الحالات، لا يبدو أن تغيراً جوهرياً يطرأ على سلوك الطلاب الدارسين أو المقيمين خارج البلاد. وبحسب الاختصاصية الاجتماعية نجوى حسان تعد الجماعات اليمنية المهاجرة، ومن ضمنها فئة الطلاب، من أقل الجماعات العربية تكيفاً في المجتمعات التي تهاجر إليها.
وتؤكد نعمان أن الأمر لا يقتصر على الأميين وذوي التعليم المحدود أو أولئك الذين يقيمون في بلدان أجنبية منذ عشرات السنين على غرار الجالية اليمنية في بريطانيا أو أميركا والتي لا تزال منغلقة على نفسها، بل ويشمل أيضاً الأجيال الجديدة التي ولدت في هذه البلدان والطلاب الدارسين فيها.
وتوقف الباحثون طويلاً عند ظاهرة أنور العولقي المولود في نيومكسيكو الأميركية والذي أصبح من قيادات تنظيم «القاعدة»، باعتباره أحد النماذج الواضحة لطبيعة الثقافة المجتمعية المليئة بالشحن المغلوط حول نمط الحياة التي ينبغي أن يعيشها المسلمون في الغرب. وتحرص بعض الأسر على تزويج أبنائها الدارسين في الخارج حرصاً منها على عدم وقوعهم في «المحظور».
وذكرت نعمان أن صديقة لها تعمل معيدة في جامعة صنعاء عادت أخيراً من بلد أوروبي أكثر محافظة مما كانت عليه في السابق لدرجة أنها «ترفض مصافحة زملائها الذكور». لكن نعمان لا تستبعد وجود تكلف مفتعل بهدف تبديد الصورة المغلوطة عند البعض عن الفتاة الدارسة في الغرب.
ويؤكد جساس الذي تزوج زميلة له تنتمي إلى دولة خليجية أن بعض الطالبات اليمنيات غير المتزوجات أو اللائي يشعرن بأن العمر يتقدم بهن يكن أقل تكيفاً وأكثر ازدواجية. ومعلوم أن بعض الأميركيين والبريطانيين من أصول يمنية يعمدون إلى تزويج أبنائهم أو بناتهم من أقارب لهم في اليمن وتلك ثقافة سائدة نادراً ما يكسرها طالب يدرس في الخارج.
ويتفق كل من نعمان وجساس على الدور الأساسي الذي تلعبه البيئة الاجتماعية والمدرسية في مرحلة ما قبل الجامعة في تكوين شخصية الطالب عموماً والمبتعث خصوصاً، مع التشديد على أن التكيف والازدواجية يتحددان بحسب التنشئة التي يتلقاها الطالب أو الطالبة قبل مغادرته البلاد.

اليمن: ديكتاتورية الجوع تهدد بالتهام محاصيل الربيع العربي


تمكنت الثورة الشبابية السلمية التي شهدتها بلدان الربيع العربي من تقويض ديكتاتوريات عسكرية ظلت على مدى اكثر من نصف قرن قابضة على السلطة بيد من نار وأخرى من حديد. بيد أن هذا لا يعني أن الطريق الى المستقبل باتت مفروشة بالورود، فثمة ديكتاتورية تبدو أكثر عتوّاً وصلابة من سابقاتها، إنها ديكتاتورية الجوع والبطالة التي بدأت تطل برأسها من اليمن، مهددة بتحويل الربيع العربي الى خريف عار، وربما الى شتاء قارس هو الاكثر شراسة منذ سنوات.
لا غذاء، لا ماء، لا نفط... هذه ليست لاءات سياسية، بل عناوين كارثة اقتصادية اجتماعية تحدق بهذا البلد الأكثر فقراً في منطقة الشرق الأوسط، فوفق تقارير محلية ودولية، فإن اليمن على شفا كارثة إنسانية، جراء أزمة غذاء حادة مصحوبة بنضوب مخزونه من المياه والنفط.
وأكدت ندوة اقتصادية نظمت أخيراً، ارتفاعَ نسبة الفقر خلال العام الحالي الى 70 في المئة من اجمالي السكان البالغ عددهم 23 مليون نسمة، اكثر من 50 في المائة منهم أميون، فيما ارتفعت نسبة البطالة الى 35 في المائة في وقت يشهد قطاع الاستثمار تعطلاً شبه كامل.
وتفيد دراسة للبنك الدولي أن احتياطي اليمن من النفط والمياه مهدد بالنضوب خلال 10 الى 12 سنة. ويعتمد اليمن على النفط المحدود إنتاجه، كمصدر رئيس لتمويل ميزانية الدولة، كما كان النفط السبب الرئيس في الصراع السياسي والمسلح داخل مكونات السلطة السياسية والمذهبية المنتصرة في الحرب الاهلية صيف 1994، وهو كذلك وراء ظهورالحركة الانفصالية التي تتهم نظام صنعاء بنهب ثروات الجنوب.
ولئن تمكنت الثورة الشبابية التي اندلعت العام الماضي، مصحوبةً بأعمال قتال متقطع، من إجبار الرئيس السابق على التنازل بسلطاته الى نائبه وفق اتفاق سياسي نص على حكومة وفاق وطني، فإن التحدي المتعاظم يتمثل بالمشكلة الاقتصادية التي لا تزال تتبدى أشبه بصراع على الثروة بين القوى الاقتصادية والسياسية المهيمنة أكثر منها إحساساً بالمصلحة العامة للبلد وبمستقبل اجياله.
وتخشى الطالبة الجامعية غيداء حسان تكرار مأساة 1948، عندما أفضى الصراع العنيف داخل السلطة حينها الى كارثة عامة تمثلت باستباحة صنعاء ورفع الضرائب على المواطنين، ما أدى الى المجاعة.
وخلافاً لكثيرين من شبان الساحات الذين تعالت أخيراً اصواتهم للمطالبة باستعادة أموال الشعب المنهوبة من قبل الرئيس السابق وأفراد أسرته، ترى حسان أن المطلب الأهم هو تفكيك النظام السياسي الاجتماعي للدولة الريعية المستمرة منذ قرون رغم اللبوس الحديثة التي تظهر عليها، خصوصاً أمام العالم الخارجي.
وكان الاقتصاد اليمني في الشمال والجنوب بقي على مدى ما يزيد عن 3 عقود يعتاش على خزينة الحرب الباردة من خلال دعم الغرب ودول الخليج للنظام في الشمال ودعم الاتحاد السوفياتي للنظام في الجنوب. ومع انتهاء الحرب الباردة وتوحيد النظامين في دولة واحدة، تكشفت عورات الاقتصاد وصارت القروض والمساعدات مصدر رئيس لسد الرمق.وعلى رغم هذا، لم يحدث أن ساهمت المكونات السياسية في الحكم والمعارضة في تجسيد رؤية وطنية من شانها إصلاح الاختلالات الهيكيلة للاقتصاد الوطني على ارض الواقع.
ولعل في تجويع الساحات، الذي تضمّنه تهديدٌ صدر اخيراً باحتمال وقف حصص الغذاء المقدمة للمحتجين في ساحة التغيير في صنعاء، بسبب ما قيل انه عدم وجود التمويل، ما يشي بطبيعة الحالة العامة التي يعيشها البلد، وهي افتقار اليمنيين للرؤية الكافية لتحقيق أمنهم الغذائي.
ودأب مختصون على التحذير من انتشار الفقر والأمية، باعتبارهما مدماك البيئة المولدة للإرهاب والاضطراب السياسي، إلاّ أن هذه التحذيرات قلّما لقيت تجاوباً من قبل الحكومة اليمنية او من الولايات المتحدة والدول الغربية، التي تزعم انها حريصة على مكافحة الارهاب.
وكان التقرير الإنساني الذي أطلقته سبع منظمات إغاثة شاركت في مؤتمر اصدقاء اليمن الذي نظم الشهر الماضي في العاصمة السعودية الرياض، حذر من كارثة انسانية تتهدد اليمن جراء ازمة الغذاء، وقوبل أيضاً بلامبالاة الدول المانحة! فإجمالي ما خصصه المشاركون في مؤتمر الرياض لم يزد عن بليون دولار، في حين أن اليمن يحتاج نحو 15 بليوناً، وفق السلطات اليمنية. وتفيد المنظمات الانسانية العاملة في اليمن بأن حوالى 5 ملايين إنسان يحتاجون مساعدات طوارئ عاجلة.
وتتهم المنظمات الانسانية العاملة في اليمن الدولَ المانحة بإعطاء القضايا الامنية أولوية على حساب الجانب الانساني.
وأسفرت تداعيات الاحتجاجات والنزاعات المسلحة التي شهدها اليمن، عن تدهور مريع في الخدمات وفي الأوضاع المعيشية للسكان. وتشير أرقام الامم المتحدة الى ان نسبة الفقر في البلاد ارتفعت العام الحالي إلى 54 في المائة مقابل 32 في المائة قبل ثلاثة أعوام. وتتضاعف الكارثة مع نزوح آلاف السكان في الجنوب والشمال وتدفق نحو 200 ألف لاجئ افريقي الى اليمن.
وكشف التقرير الذي اصدرته الوكالات الإغاثية المشاركة في اجتماع الرياض، وهي: منظمة كير، الهيئة الطبية الدولية، الإغاثة الإسلامية، ميرلين، ميرسي كور، منظمة أوكسفام، وهيئة إنقاذ الطفولة أن اليمن أصبح على شفير أزمة غذاء كارثية، إذ لا يجد نحو 10 مليون يمني (44 في المائة من السكان) كفايتهم من الطعام. ولفت التقرير الى أن معدلات سوء التغذية التي سجلتها الأمم المتحدة في بعض مناطق البلاد بلغت مستويات مروعة، اذ يعاني طفل من بين كل ثلاثة من سوء التغذية الحاد.
وقالت بيني لورانس، مديرة البرامج في منظمة أوكسفام الدولية، والتي زارت اليمن أخيراً: «أصبحت العائلات اليمنية على حافة الهاوية، واستنفدت كل ما لديها من سبل للتأقلم مع هذه الأزمة. ربع السكان استدانوا لإطعام ذويهم، والأمهات أخرجن الصغار من المدارس ليرسلنهم يتسولون بعض النقود في الشوارع كي يظلوا على قيد الحياة. المانحون يركزون على السياسة والأمن، ولكن الفشل في توفير الاستجابة المناسبة للحاجات الإنسانية الآن سوف يعرّض حياة المزيد من اليمنيين للخطر، ويزيد من حدة الفقر، وقد يقوض التحول السياسي الهش  في البلاد.