19 فبراير 2012

ثورة القاع تحول صنعاء إلى بحيرة قمامة


خبت حملة الدعاية الانتخابية للمرشح التوافقي الوحيد لانتخابات الرئاسة اليمنية المقررة في 21 الجاري، أمام التكدس المتنامي لأكوام القمامة في شوارع العاصمة صنعاء التي بدت أشبه ببحيرة تفيض بالقراطيس والروائح الكريهة جراء اضراب عمال النظافة احتجاجاً على عدم معالجة اوضاعهم الوظيفية والاجتماعية التي توصف بالاسوأ.
«إنها الانتفاضة الانظف في ثورات الربيع العربي»، يقول مراد (27 سنة) وهو يشير بيده الى أكوام القمامة في شارع حدة، مقصد شباب الطبقة المترفة. ويرى مراد، المعروف بميوله اليسارية وتأثره بشخصية الزعيم الشيوعي الراحل ليون تروتسكي، في مشهد تكدس القمامة، «تعرية للتواطؤ المجتمعي على ما تعانية الطبقة المسحوقة».
وجل العاملين في مجال النظافة ينتمون الى قاع المجتمع أو ما يعرف بفئة «الأخدام»، وهي الفئة الاكثر تهميشاً ومعاناة جراء التمييز الممارس ضدها في بلد تحكمه ثقافة تقليدية تراتبية. وما زال يوجد بين ابنائه من يرفض العمل في بعض المهن ويزدري من يشتغلون بها.
وتعد اجور عمال النظافة الأدنى قياساً بالأجور في بقية المهن الحكومية الشبيهة كما بعدد ساعات العمل. ولا يزيد أجر عامل النظافة عن 100 دولار في الشهر. أما الغبن الاكبر فيكمن في نظام الأجر اليومي، وهو ما يعتبره ناشطون مخالفاً للقوانين وتمييزاً ضد هذه الفئة.
وتقول نقابة العاملين في قطاع النظافة أن آلاف العمال لم يتم تثبيتهم وفقاً لقانون العمل. وكانت تقارير حكومية كشفت عن تفشي الفساد في صناديق النظافة ومنه صرف مرتبات ومكافآت لاشخاص وهميين. وهذه هي المرة التي يتمكن فيها عمال النظافة من المضي قدماً في اضرابهم. فعادة كانوا يقمعون بسرعة وإن بطرق تعود الى هشاشة تكوينهم النقابي وطبيعة تصورهم عن أنفسهم في مجتمع ظل على مدى قرون يتعامل معهم باعتبارهم خدماً وعبيداً ليصل احياناً حد احراق مساكنهم وتشريدهم، حتى ان القتلى منهم لا يتم غالباً الاقتصاص لهم. وفي بعض المناطق ينظر الى نساء هذه الفئة باعتبارهن متاعاً مباحاً لابناء الشيوخ. وشكت كثيرات من الفتيات العاملات في النظافة من اعتداءات وتحرش جنسي بعضها من عناصر في الاجهزة الامنية.
وبدا أن زخم ثورات الربيع العربي وحال الفوضى التي يعيشها البلد عضداً هذه المرة من حماسة عمال النظافة ليمضوا في اضرابهم لما يزيد عن 10 ايام. وهم طالبوا باقالة الفاسدين وعدم تعيين «الاشرار» عليهم. وهناك من ذهب الى تفسير توقيت الاضراب باعتباره تذكيراً للمرشح التوافقي عبد ربه منصور هادي الذي ينتمي الى محافظة أبين الجنوبية موطن الانتفاضات الفلاحية في سبعينات القرن الماضي ومسقط رأس الرئيس الجنوبي الراحل سالم ربيع علي (سالمين) الذي عمل على فرض المساواة الاجتماعية لدرجة حظر التخاطب مع افراد هذه الفئة باسم خادم واستبدالها باسم رفيق. وحينها خرجت تظاهرات تؤيد هذا التوجه. ورفعت شعارات مثل «سالمين قدام قدام... سالمين ماحناش (لسنا) أخدام». وهي المنجزات التي يتهم الحزب الاشتراكي الذي حكم الجنوب بالتنازل عنها لحظة قيام الوحدة بين الشمال والجنوب عام 1990.
وما انفكت مهنة النظافة لصيقة بهذه الفئة وحكراً على أفرادها يتوارثها الابناء عن الآباء وكأنها قدر محتوم عليهم. يقول قاسم (22 سنة) وهو عامل نظافة في صنعاء: «أتفقوا على كل شيء باستثناء أوضاعنا نحن المساكين»، موضحاً أنه ومنذ بلغ الثالثة عشرة من العمر وهو وشقيقته يعملان بالأجر اليومي. وذكر قاسم أن والده بقي اكثر من 20 سنة يعمل بنظام الأجر اليومي قبل ان «يتفضل» مسؤولو قطاع النظافة بتثبيته لكنه مات قبل أن يذوق حلاوة راتبه الجديد.
وعلى رغم عدم بروز انزعاج كبير لدى السكان جراء ما وصف بـ «الكارثة الصحية» -بل أن بعضهم أخذ يتكيف مع مشهد اكوام القمامة على غرار التكيف مع انقطاع التيار الكهربائي والمياه-، ثمة بين عمال النظافة من يرى في الاضراب تحقيقاً للذات وتأكيداً لأهمية دور عامل النظافة.
والأرجح أن تعاظم الظلم الواقع على افراد هذه الفئة التي تسكن على هوامش المدن في ما يعرف بـ «المحوى» ويفتقر شبابها للتعليم وللخدمات، مرده الى استمرار الثقافة التقليدية وتغلغلها داخل بنية الدولة والمجتمع.
وما زال الخطاب العام ينطوي على مفردات مثل «خادم» و «مزين و «دوشان» الدالة على مهن لكنها تستخدم للشتم والتحقير. ما يؤكد أن انصرام نحو نصف قرن على شعارات التحرر والمساواة وتجريم العبودية لم ينجز أي قطيعة مع الماضي حتى في وعي النخب المتعلمة. وكان لافتاً الارتياح الكبير الذي استقبل به شباب الساحات لقب «عفاش» الذي أشيع أنه اللقب الحقيقي للرئيس اليمني علي عبد الله صالح، بدلاً من الاحمر. ويرشح من ارتياح الثوار واستخدامهم التهكمي المبالغ فيه لهذا اللقب حتى داخل الوسط الاكاديمي، وجود ما يشبه الخلاص النفسي الذي يولده الشعور بأن من حكَمهم على مدى 33 عاماً لم يكن شخصاً ينتمي الى قبيلة ذات شأن أو أسرة نبيلة بل كان مجرد «عفاش» ينتمي الى الفئات الدنيا.
وما لبثت خرافة الانساب ان فعلت فعلها في الثقافة العامة. وكان لافتاً على بعض المتشددين السياسيين المتعصبين للرئيس صالح استخدامهم غير البريء لمنطقة «الوضيع « مسقط رأس المرشح التوافقي للرئاسة وذلك في سياق تقليلهم من اهمية وصوله لمنصب الرئيس.

مضغة «التنبول» بديل أرخص للقات في عدن


اعتاد زبائن المطعم الهندي في مدينة عدن الجنوبية مشاهدة عاملة المطعم تمضغ «التنبول» أثناء تقديم الطلبات. وكلمة «تنبول» أو «بان» هندية، تطلق على أوراق نباتية خضراء تستورد من الهند ويتم حشوها بالسكّر والتبغ والجصّ (الجير المطفى) إضافة إلى مادة ملونة، وأحياناً الفوفل (بذور النارجيل)، ثم تُلفّ الحشوة بالورقة الخضراء وتوضع في الفم وتُمضغ لنحو ساعة أو أكثر.
وخلال السنوات الأخيرة، انتشرت مضغة التنبول في شكل لافت، خصوصاً بين الشباب والنساء وصغار السن، وتأتي في المرتبة التي تلي القات مباشرة من حيث عدد متعاطيها، وتنتشر بكثرة في جنوب اليمن خصوصاً في مدينة عدن.
ويُعتقد أن الهنود العاملين في الإدارة البريطانية، أيام الانتداب، نقلوا معهم هذه العادة إلى عدن ضمن عادات جاء بها البريطانيون خلال احتلالهم جنوب اليمن.
وتمثل عاملة المطعم التي نتحدث عنها هنا حالة نادرة بين النساء. فمعظم متعاطيات التنبول يتجنّبن مضغه في الأماكن العامة باستثناء المنقّبات طبعاً.
ومع ارتفاع أسعار القات في فصل الشتاء، يستعيض عنه العدنيون من ذوي الدخل المحدود بتعاطي التنبول، وفق رأفت (34 سنة) وهو اعتاد شراء حاجته من التنبول من كشك في الحارة بمبلغ لا يزيد على 400 ريال (نحو دولارين اثنين) في اليوم، فيما يكلّفه القات ما لا يقل عن ألف ريال.
ومع تدنّي القدرة الشرائية عند الكثير من اليمنيين، أخذ البعض يعتمد كلياً على مضغة التنبول. ويقول مازن إنه يتناول التنبول هرباً من القات.
وخلافاً للقات الذي يباع غالباً في أسواق عامة، يعرض التنبول ويحضّر في محال صغيرة هي أقرب إلى الأكشاك، تنتشر بكثرة في مدينة عدن القديمة، حيث تتركز الكثافة السكّانية اليمنية من أصول هندية. وتحتوي أوراق نبات التنبول على مواد عطرية طيّارة مثبطة للجهاز العصبي، وإلى هذا يعود شعور متعاطيه بالنشوة والانتعاش. وتعاطي التنبول عادة مدينية بامتياز، على عكس القات الذي ينتشر بكثرة في الريف. وثمة بين رجال القبائل من يستهجن مضغ التنبول ويقلل من شأن متعاطيه، وتنطوي مقولة «حق تنبل» على نوع من التحقير وتبخيس الرجولة. فيما يؤكد الباعة تزايد عدد الفتيات المتعاطيات لمضغة التنبول بأنواعها وخلطاتها ومنكّهاتها المختلفة، بما فيها «الزردة»، وهو النوع الأقوى تأثيراً من «السوكة» و «الحالي».
وتشير دراسات في الهند وسريلانكا إلى علاقة وطيدة بين عادة مضغ التنبول والإصابة بسرطان الفم. وبهذا يكون التنبول مصدراً إضافياً من مصادر الإصابة بالأورام في اليمن بعد القات.
وامتد تعاطي التنبول إلى داخل الحرم الجامعي ومقار العمل والمدارس. ويتســـبب البصاق الذي يلفظه متعاطوه، بتلويث الأرصفة والأماكن العامة. وسبق للمجلس المــحلي في مدينة عدن أن أعلن خطة للحدّ من الآثار السلبية التي يتركها تعاطي التنبول على مظهر المدينة، ولكن لا نتائج ملموسة في هذا المجال.

14 فبراير 2012

ناشطو اليمن يتبادلون التخوين والتكفير

 «سقط»،»لم يسقط «،»حتماً سيسقط». بهذه الصيغ تأتي أحاديث الشباب اليمني عشية مرور سنة على اندلاع الحركة الاحتجاجية المطالبة بتنحي الرئيس علي عبد الله صالح وأبنائه وأقاربه، فيما أدى انحراف الثورة الشبابية السلمية وتحولها إلى قتال مسلح إلى إنعاش رموز السياسة التقليدية ممن يطلق عليهم «ديناصورات السياسة والقبيلة « وأعادتهم إلى واجهة التحكم بالأحداث، ما فاقم حال الإحباط لدى كثير من الشباب وعزز نزعات العنف لديهم.
ومع بدء العد التنازلي لموعد انتخاب نائب الرئيس عبد ربه منصور هادي، باعتباره مرشحاً توافقياً وحيداً، في الانتخابات الرئاسية المقررة في 21 الجاري، تصاعدت حدة الخلافات والانقسامات في أوساط شباب الثورة لدرجة التكفير وتخوين بعضهم بعضاً.
ووزعت فتوى تكفر الناشطة في ساحة الحرية في تعز بشرى المقطري على خلفية نشرها مقالاً اعتبر الموقعون على الفتوى انه ينطوي على كفر. فيما شهدت مدينة عدن الجنوبية مصادمات عنيفة بين جماعتين شبابيتين تنتميان إلى كل من حزب تجمع الإصلاح الإسلامي والحراك الجنوبي، وكل منهما تتهم الأخرى بالعمل لمصلحة نظام «الرئيس المخلوع».
ولئن بات من المؤكد مغادرة الرئيس صالح كرسي الحكم، بيد أن شخصيته ما انفكت تلقي بظلالها على مسرح الصراع وعلى الجدل الدائر حول مستقبل اليمن في شكل يصل أحياناً إلى حد تقديم صورة غير واقعية عن استمرار سطوة الرجل الذي حكم اليمن 33 سنة متكئاً على تحالف قوى قبلية ودينية انقلبت عليه وكان لها اليد الطولى في إجباره على توقيع اتفاق يقضي بتسليم السلطة.
في غرفة في فندق صغير يقع في نطاق ساحة التغيير في صنعاء يناقش عدد من الشبان معنى مفهوم العدالة الانتقالية الذي تضمنته المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية وتشكلان الوثيقة المرجعية لعملية نقل السلطة في اليمن.
والنقاش هو امتداد لسجال تشهده ساحات الاحتجاج ومقايل القات، وهو سجال انقسامي ويعكس خصوصية مآل حركة احتجاجية أخفـــقت في إنجاز ثورة مكتملة على غرار بعض ثورات الربيع العـــربي. وأفضت إلى وضع شبيه بما شهده شمال الــــيمن في ستينات القرن الماضي عندما انتهت الحرب الأهلية بإبرام اتفاق مـــصالحة بــين الجمـــهوريين والملكــيين.
واللافت في السجال الدائر، تباينه الحاد وقصوره عن استيعاب مفاهيم جديدة مثل العدالة الانتقالية والتسامح والتعايش ناهيك بتمثل ثقافتها. ويرشح من الأحاديث أن مرحلة ما بعد رحيل صالح الذي غادر البلاد لمواصلة العلاج، لا تزال غامضة بالنسبة إلى كثيرين في بلد يفتقر إلى مقومات الدولة الحديثة وينتشر فيه السلاح والقبائل المتحاربة ما يجعل تنفيذ الاتفاقات السياسية عملية محفوفة بالأخطار وآيلة إلى الفشل.
وكانت الأحداث الأخيرة كشفت أن الدولة في اليمن لم تكن سوى «قبيلة كبــــيرة». فمفاصل السلطة موزعة على فئة أســــرية وعشائرية واحـــدة. وما حدث هو اقرب إلى انقسام داخل الجماعة العشائرية فيما لا تزال المؤسسة العسكرية مـــــوزعة بين أسرة الرئيس صالح وأسرة أخـــيه غير الشـــقيق الـــلواء المنشق علي محسن الأحمر.
وتقول الناشطة هيام مرشد إن كثيراً من شباب الساحات نسوا، أو أن بعضهم لا يعلم، خلفية الصراع بين الرئيس صالح والشيخ الراحل عبد الله بن حسين الأحمر وهو خلاف يعود إلى سنوات مضت على خلفية محاولة كل منهما توريث الحكم لابنه.
وتشي نتائج مؤتمرين احتضنتهما بيروت والقاهرة، الأول بعنوان «اليمن الذي نريد» والثاني «اليمن إلى أين؟» بمدى تباين وجهات النظر والتعقيد الذي يواجه تعاطي اليمنيين مع المستقبل.
ويبدو أن تعاظم قوة الميليشيات المذهبية وامتلاكها السلاح الخفيف والثقيل يزيدان من تعقيد المشكلة اليمنية ويقربانها من الحال اللبنانية. ويرى البعض في سيطرة جماعة إسلامية متشددة على مدينة رداع رسالة موجهة إلى الحوثيين الشيعة الذين يسيطرون على صعدة والجوف مفادها بأن جغرافيا السنة أو حدود المذهب الشافعي تمتد إلى رداع.
وكان مؤتمر بيروت الذي نظم بدعم من «حزب الله» اكد أن لا خيار أمام اليمنيين للوصول إلى دولتهم المدنية المنشودة، والتخلص من كل مساوئ غياب الدولة سوى استمرار الثورة حتى الإسقاط الكامل للنظام بكل أركانه ومنظوماته ورموزه.
ويلفت لؤي منصور 35 سنة إلى حال إحباط لدى الثوار تشدهم إلى الماضي اكثر ما تدفعهم نحو المستقبل. ويأخذ على بعض القوى السياسية ومعها جزء من شباب الساحات تركيزها على الكيفية التي يتم من خلالها التغيير بدلاً من التركيز على النتيجة، معتبراً رفض خطة نقل السلطة التي رعتها دول الخليج والأمم المتحدة «ضرباً من الغوغائية السياسية» خصوصاً أن «تجربة 11شهراً من الاحتجاجات برهنت أن لا بديل متاحاً سوى الحرب الأهلية أو البقاء في طريق مسدود» على حد قوله. ويحسب المشاركون في مؤتمر بيروت على التيار الموالي لإيران، علماً أن بعضهم كان شارك في نشاط مماثل في طهران. وباتت زيارة وفود يمنية إلى سورية وإيران أمراً اعتيادياً وعلنياً. أما المشاركون في مؤتمر القاهرة فيحسبون على المؤيدين للمبادرة الخليجية والأمم المتحدة. 
ومع تعاظم دورالقيادات السياسية التقليدية وتحكمها في المشهد السياسي تضاءلت فرص بروز قيادات شبابية قادرة على تبني خطاب جديد يتجاوز حال الانقسامات التقليدية. وبات واضحاً خروج الشباب من المشهد السياسي حتى أولئك الذين عينوا في الحكومة ممثلين عن الساحات هم سياسيون قدامى وبعضهم قادة أحزاب أسرية.

06 فبراير 2012

تغيير المنهج التعليمي في اليمن عالق حتى حسم الصراع


تقول طرفة إن طالباً سأل أستاذ التاريخ عن حقيقة ما شهده اليمن أخيراً: هل هي ثورة أم أزمة؟ فأجاب الأستاذ: ثورة في الستين وأزمة في السبعين.
تشير النكتة إلى طبيعة الوضع الذي آلت إليه ثورة الشباب اليمني التي سعت إلى محاكاة ثورات نجحت في تونس ومصر وليبيا لكنها في اليمن اصطدمت بانقسام أفضى إلى اتفاق سياسي بين المعارضة والنظام.
الـ 60 والـ 70 هما الميدانان اللذان بقيا يضمان صلاة الجمعة لكل من أنصار المعارضة وأنصار النظام بعدما انقسمت العاصمة إلى مربعين متناحرين.
وما انفكت صعوبات هذا الوضع تحول دون تحقيق كامل آمال اليمنيين في التغيير الذي بشرت به ثورات الربيع العربي. ويعد النظام التعليمي بصفة عامة والمناهج بصفة خاصة إحدى هذه الصعوبات وواحدة من المفارقات التي تعيد الكرة إلى مرمى الثوار انفسهم. فالجزء الأكبر من القوى السياسية التي شاركت في الهبة الشعبية المطالبة بإسقاط النظام ساهمت بصفة رئيسة وعملانية في صوغ المناهج خلال فترة حكم الرئيس علي عبد الله صالح.
وقوع وزارة التربية والتعليم ضمن حصة حزب "تجمع الإصلاح" الإسلامي في حكومة الوفاق الوطني التي شكلت مناصفة بين حزب الرئيس وأحزاب اللقاء المشترك، يضع الإسلاميين على المحك إزاء الدور الذي يمكن أن يضطلعوا به في تحديث ودمقرطة جهاز التعليم, بما من شأنه درء التهم الموجهة اليهم بتكريس كل ما هو تقليدي.
وقللت مصادر تربوية مختلفة من إمكان أن يشهد منهج التعليم اليمني الذي يتهم بالتخلف وعدم مواكبة التطورات الحاصلة، أي تغييرات جذرية على المدى القريب، فيما اكد مدير عام المناهج في وزارة التربية والتعليم خالد جباري عدم وجود أي خطط أو تصورات في شأن تغيير المنهج أو تعديله في الوقت الراهن. وأوضح جباري أن العمل الجاري حالياً على مقررات بعض المواد الدراسية هو استكمال لخطط سابقة استهدفت تطوير المنهج، لكن جباري لم يستبعد أن تشهد مرحلة ما بعد الانتخابات الرئاسية المقررة في 21 الجاري طرح تصورات في شأن إعادة النظر في المنهج.
وخلا برنامج حكومة الوفاق الوطني من أي جديد في شأن مآزق التعليم لا سيما في ما يخص المناهج. ونقل عن وزير التربية والتعليم عبد الرزاق الأشول وهو أكاديمي عمل في مجال التربية تخصص في مناهج وطرق التدريس، قوله إن إعادة هيكلة الوزارة واستحداث إدارة للجودة هي من أولويات عمله يلي ذلك وضع وثيقة لتطوير المناهج.
ويرجح تربويون مستقلون أن تشهد مرحلة ما بعد انعقاد المؤتمر الوطني المقرر إجراؤه بعد الانتخابات الرئاسية، تغييرات طفيفة على المنهج من قبيل إعادة الاعتبار إلى بعض الوقائع التاريخية والشخصيات ومنها وقائع الحرب الأهلية صيف 1994.
وكان الإقصاء الذي مارسه الطرف الشمالي المنتصر في الحرب طاول المناهج ووصل الأمر حد منتجة صورة للرئيس علي عبد الله صالح مع الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر باعتبارهما من رموز الوحدة العربية. ووصف الحرب باعتبارها حرباً من أجل الحفاظ على الوحدة اليمنية وليس صراعاً على السلطة.
وعلى مدى نصف قرن ظلت وقائع التاريخ اليمني تكتب وفقاً لوجهة نظر القوى المتربعة على كرسي الحكم. ومنذ توقيع اتفاق قدمته دول الخليج ورعته الأمم المتحدة والدول الغربية لحل الصراع في اليمن والمسؤولون الحكوميون يلتزمون خطاباً محايداً يتجنب الإشارة إلى ما حدث باعتباره ثورة. وقال جباري إن التحديات التي تواجه التعليم هي جزء من التحديات العامة التي تواجه البلد الذي يسعى إلى الخروج من أزمة. وأضاف: "بعد أن تستقر الأوضاع ربما يبرز توجه عام لإجراء تعديلات على المنهج".
ويقول البعض إن التحديات الحقيقية ستبرز بقوة بعد انتهاء المرحلة الانتقالية المقررة لنقل السلطة. ويتوقع أن الصراع الذي سيمتد إلى المناهج سيكون بين الإسلاميين السنة والإسلاميين الشيعة. فتعاظم نفوذ القوى السياسية الشيعية والتي يمثل الحوثيون في صعدة ذراعها العسكرية، من شأنه أن يعيد الجدل حول صياغة التاريخ في التعليم العام بعد عقود من هيمنة الإخوان المسلمين على أقنية التعليم ومنها المناهج.
وكانت دراسة أكدت اصطباغ المقررات الدراسية بصبغة التغني بالماضي واحتواءها على آراء واجتهادات وأحكام متشددة، بعضها يعود إلى قرون عدة، ما يرسخ لدى الطالب نزعة التعلق بزمن مضى، وافتراض عدم التغير للمستقبل. ولفتت الدراسة التي اعدها الباحث احمد شرف الحكيمي إلى عديد أمثلة تضمنتها بعض الكتب المدرسية ومنها تعريف أحكام مكاتبة العبيد على الحرية بأنها "عقد بين المملوك ومالكه يقضي بأن يدفع المملوك للمالك مقدارًا من المال دفعة واحدة، أوعلى شكل أقساط، فإذا أدى ما عليه صار حراً"، وهو ما جاء تحت عنوان أوقات "استئذان الأطفال والعبيد والخدم".
ويقترح الباحث جازم سيف تشكيل لجنة وطنية متخصصة لصوغ المناهج تتكون من ذوي الكفاءات المواكبة لما انجز على المستوى الدولي، مشدداً على ضرورة إيجاد بيئة تعليمية تكاملية تجمع ما بين الكتاب والمعلم والمعمل، ولافتاً إلى غياب المناهج التطبيقية.
ويرشح من خطابات الثورة الشبابية التي سعت إلى تجسيد نماذج الربيع العربي استمرار الميتافيزيقا الثورية الكلاسيكية. فلا يزال هناك من يرفض وصف الأحداث التي شهدها اليمن عام 1948 و1962 بأنها انقلابات عسكرية ويصر على اعتبارها ثورة، فيما يخشى البعض أن يعاود إقصاء المنتصر للخصوم بحلة ثورية جديدة.
والحال أن مناهج التعليم هي انعكاس لوضعية القوى السياسية اليمنية ولمآزق المشهد المعرفي البائس الذي قلما امتلك الجرأة اللازمة لمصادمة القناعات العامة للجمهور حتى وإن كانت خاطئة.

03 فبراير 2012

نوبل في اليمن ...تفكيك ثقافة العنف والديكتاتورية


باستثناء الصومال الذي انهارت فيه الدولة تماما، يبدو اليمن المستحق الفعلي في المنطقة ،لنيل جائزة عالمية بمستوى نوبل للسلام .فطبيعة التركيبة الاجتماعية الثقافية لهذا البلد القريب الشبه بأفغانستان،باتت تفرض على الغرب استخدام وسائل جديدة ،غير حربية، لمعالجة  مشاكل مستعصية مثل الإرهاب والديكتاتورية المقنعة.والعداء للآخر.
هكذا يبدو منح الناشطة اليمنية توكل كرمان(32سنة )جائزة نوبل للسلام،مقاسمة  مع الرئيسة الليبيرية إلين جونسون سيرليف والناشطة الليبيرية ليما غوبوي، هدفا استراتيجيا  يندرج  ضمن التوجهات الغربية الجديدة الرامية إحداث تغيير في بنية النظام السياسي والاجتماعي لدول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من طريق حفز مقومات التغيير الذاتي  داخل الثقافات المحلية عوض إستراتيجية العمل العسكري التي  بينت تجربتا غزو العراق وأفغانستان عدم نجاعتها.وفشلها الذريع في إرساء الديمقراطية وكبح التطرف والعداء للآخر.
ذهاب نوبل للسلام إلى امرأة  يمنية تنتسب إلى ثقافة سياسية  تقليدية مثال  حزب تجمع الإصلاح الإسلامي الذي تشغل  توكل كرمان عضوية  لجنته  المركزية ،يستهدف في المقام الأول تعزيز ثقة العناصر الجديدة  داخل هذه  الجماعات الإسلاموية  بصوابية توجهاتهم وحفزهم على المضي قدما في تجديد الخطاب والرؤى بما من شأنه تقليص مساحة الأفكار المغلقة والتحول  ألي ثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان.
وبقدر ماتصب الجائزة في تقدير الحضور النشط  للنساء داخل التنظيمات  الإسلامية .فأنها تردفه بالاعتراف بحركة الاحتجاجات السلمية المطالبة بالحرية والديمقراطية. والتي كانت كرمان في صدارتها .
فرغم الملاحظات التي قد  تسجل على الناشطة كرمان  ومنها عدم تمثلها تماما لثقافة الحداثة قياسا بناشطات من توجهات سياسية وفكرية أخرى غير أن ماجعل الجائزة تقع على كرمان دون غيرها في اليمن والبلدان العربية  يتأتى أصلا من مطلب البؤر الجغرافية  والاجتماعية الاكثر تشددا والتي تتهيأ لحدوث تحول وشيك.
وتبدو كرمان ، المرأة الوحيدة تقريبا التي استطاعت أن تحدث في بيئتها الحزبية الإسلامية تحولا  إيجابيا حتى ولو اقتصر ذلك على شخصيتها. مثال التخلي عن النقاب والنزول إلى الشارع .وهو أمر لا يخلو من مغزى في حزب متهم بأنه  يتعاطى مع  المرأة باعتبارها مجرد صوت انتخابي ووعاء للإنجاب.
ولاشك بأن حصول كرمان على جائزة بحجم نوبل سيجعل منها مثالا ملهما لشبان وشابات التنظيمات الإسلامية في شكل قد يفضي في النهاية إلى القطع  مع الخطاب الفقهي الجامد  الذي لطالما أنتج شخصيات متشددة.وليس من  المصادفة أن نجد بين طلاب جامعة الإيمان التي يرأسها رجل الدين اليمني المتشدد الشيخ عبد المجيد الزنداني من صار يوجه نقدا  للجامعة ويتهم مناهجها بتخريج متطرفين.ويقول ببراءة  حزب الإصلاح منها.
والراجح أن ثقل الإسلاميين في مشهد ثورات الربيع العربي  ومنها اليمن يدفع الحكومات الغربية أكثر  إلى تبني استراتيجيات احتواء جديدة  تأتي بنتائج تغاير تلك التي أثمرتها عملية تجنيد إسلاميين لدحر السوفيات من  أفغانستان.ومثل هذا يصح أيضا على أدوار البطولة التي صارت تعطى لحزب التنمية والعدالة التركي في مواجهة الغطرسة الإسرائيلية.فهذا الحزب الذي بات مصدر إلهام لكثير من شبان التنظيمات السياسية الإسلامية في المدن العربية  خصوصا الإخوان المسلمين يراد له غربيا أن يكون حصان طروادة في تفكيك ثقافة العنف والديكتاتورية  وتبيئة المنطقة العربية لقبول الحداثة السياسية.
والواضح أن جائزة نوبل للسلام لم تعد تحتفي بسجل الماضي بقدر ماصارت ترمي إلى  حفز وقولبة أفعال المستقبل.ومثالها الراهن تعضيد التوجهات الإسلامية غير العنيفة.

صنعاء عاصمة التحرش الجنسي


اضطرت أم وليد (37 سنة) إلى ترك عملها في إحدى المؤسسات الحكومية بسبب تكرار حوادث التحرش الجنسي التي تعرضت لها أثناء عملها «فرّاشة» (عاملة نظافة).
وقالت أم وليد التي يتطلب عملها الحضور في وقت مبكر لتنظيف المكاتب قبل وصول الموظفين، إن أحد حراس المؤسسة حاول أن يعتدي عليها جنسياً وكان مقر العمل خالياً من الموظفين ومن بقية أفراد الحراسة. وتزيد أم وليد أنّ عديدين تحرّشوا بها من درجات وظيفية مختلفة من بينهم مدير شؤون الموظفين الذي سبق وطلب منها أن تُميط اللثام عن وجهها مهدداً إياها بعدم صرف مكافأة عملها الإضافي ما لم تستجب لطلبه.

 وينتشر التحرش الجنسي في اليمن على نطاق واسع، وتشير تقديرات إلى أن 90 في المئة من اليمنيات يتعرضن للتحرش الجنسي من أنواع مختلفة. وتفيد معلومات عن تعرض ناشطات سياسيات للتحرش داخل الأحزاب السياسية التي ينتمين إليها. وقالت ناشطة طلبت عدم الكشف عن هويتها أن رفاقاً لها وقادة في الحزب الذي تنتسب إليه، تحرشوا بها وبرفيقة لها في حوادث منفصلة.
ومع زيادة حاجة كثير من اليمنيات للعمل لإعالة أسرهن، خصوصاً الأرامل والمطلقات منهن، تعقدت ظروف العمل والحصول عليه وصارت أكثر قسوة في شكل يضع بعض النساء ما بين خيارين أحلاهما مرّ: إما التفريط بشرفهن أو التعرض للبطالة والجوع. وقالت أم وليد إنها وبعد تركها عملها مارست بيع البطاطا المسلوقة أمام إحدى المدارس لتعيل طفليها إلى أن حصلت أخيراً على وظيفة لدى منظمة غير حكومية.
واكثر حالات التحرش تتعرض لها النساء العاملات في تنظيف الشوارع، وأكدت مصادر متطابقة أن مسؤولين في القطاع الحكومي والخاص يساومون بعض النساء المتقدمات للحصول على وظيفة بهدف أن ينالوا منهن مقابل توظيفهن. وأفادت معلمة أن مدير التربية في منطقتها هددها بنقل عملها إلى منطقة نائية ما لم تستجِب لرغبته.
وذكرت موظفة حكومية تعمل في صنعاء أن مسؤولاً كبيراً في الوزارة التي تعمل فيها، يستخدم بعض الموظفات الأقدم لنقل رسائل إلى موظفات وتهديدهن بالحرمان من امتيازات مثل الترشح للسفر والمشاركة في دورات تدريبية في حال صدّه.
وفي مسعى غير حكومي لمكافحة التحرش الجنسي بالنساء والحد منه، أطلقت «مبادرة كفاية» خريطة إلكترونية على شبكة الإنترنت لرصد حجم ظاهرة التحرش الجنسي في المدن اليمنية وفق البلاغات التي تتلقاها عبر الموقع.
وبحسب غيداء العبسي، مديرة حملة «شوارع آمنة»، فإن الحملة التي انطلقت في آب (أغسطس) الماضي لمكافحة التحرش الجنسي بالنساء، تضمنت عدداً من النشاطات منها فيلم قصير ومعرض رسوم كاريكاتورية، كما يجري العمل لإصدار كتاب يتضمن قصصاً واقعية لنساء تعرضن للتحرش.
وبحسب البلاغات التي تلقاها الموقع الإلكتروني التابع للحملة تصدرت «صنعاء» قائمة المدن اليمنية في معظم أنواع التحرش وهي: الاغتصاب، اللمس، التحرش اللفظي، المطاردة، المكالمات الهاتفية، الإيماءات الجنسية والدعوة لغرض جنسي، تليها «تعز» و«عدن»، وتصدرت «الحديدة» التحرش من خلال عرض الأعضاء الجنسية. وقالت العبسي أن الخريطة الإلكترونية للإبلاغ عن حالات التحرش الجنسي والتي تعد الأولى من نوعها في اليمن، تستهدف رصد المناطق التي تكثر فيها حالات التحرش الجنسي. وأكدت أن الحملة سوف تستمر إلى أن تحقق هدفها المتمثل بإيجاد حلّ لظاهرة التحرش، سواء بإصدار قانون رادع أم من خلال تكثيف دوريات شرطة الآداب.
ودخلت بعض وسائط الاتصال الحديثة قائمة الأدوات المستخدمة في التحرش الجنسي بالنساء، وتروى حكايات عن موظفات تلقين صوراً وشرائط فيديو إباحية عبر البلوتوث والبريد الإلكتروني أو من خلال الحاسوب المرتبط بشبكة العمل. وقالت موظفة أنها عثرت في حقيبتها على واق ذكري تعتقد أن أحد زملائها في العمل دسّه لها. وعدد كبير من المتحرَّش بهن في العمل يتمتعن بقدر من الجمال. وذكرت موظفة أن زميلة لها كادت تنتحر بعد أن لفّق لها المسؤول الأول في جهة عملها تهمة أخلاقية وهدّدها بإحالة القضية إلى المباحث الجنائية، بقصد ابتزازها جنسياً. وذكرت طالبات جامعيات أن بعض المدرسين، يتعمدون تخفيض درجاتهن بقصد إرغامهن على الاستجابة لهم.
 وتفرض طبيعة المجتمع اليمني المحافظ على كثير من النساء عدم الإبلاغ عن أي تحرش يتعرضن له. وقالت العبسي إن «هناك تجاوباً كبيراً على مستوى المشاركة في النقاشات والحوارات التي تُدار في صفحتنا على موقع «فايسبوك»، أما البلاغات التي نتلقاها عبر خريطة الموقع فلا تزال متدنية»، مُرجعة ذلك إلى إنكار المجتمع لهذه المشكلة واعتباره ما يحصل مجرد مضايقات، ومشيرة إلى أن المرأة تخشى البوح بما يحصل لها في الشارع خوفاً من أن يمنعها أهلها من الذهاب إلى العمل أو الدراسة.
وأفادت العبسي أنه وعلى رغم أن الإبلاغ في الموقع سري، ويمكن للمرأة أن تُبقي اسمها سرياً أو أن تستخدم اسماً مستعاراً، إلاّ أن هناك قلقاً من الإبلاغ بخاصة أن هذه الفكرة جديدة على اليمن وأي جديد يأخذ وقته. وتوضح: «هدف الرصد الإلكتروني جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات عن التحرش، والتي من خلالها نستطيع أن نخطو الخطوة الثانية من الحملة، وهو العمل مع أقسام الشرطة والضغط على أصحاب القرار لإصدار قوانين ووضع حلول رادعة».