26 أكتوبر 2011

نادية مرعي: سأكفن قلمي لو شعرت أن الكتابة مجرد تسجيل حضور!


تنهض قصيدة الشاعرة اليمنية نادية مرعي على دالة البحث عن الخلاص والانفكاك من شرك الوجود الاجتماعي، خصوصاً في اليمن حيث مناداة المرأة باسمها ما انفك يعد عيباً. لهذا السبب تقريباًً يغدو الشعر في نظرها «ملاذاً رائعاً» وهو قبل ذلك «موهبة تختار ضحاياها ولا يختارونها»، وذكرت مرعي التي تتهيأ لإصدار مجموعتها الثانية أنها ستكفن قلمها وتودعه «برزخ الذكريات» في حال شعرت يوماً أنها تكتب لمجرد تسجيل حضور اجتماعي. مؤكدةً أنها لا تجد مبرراً لوجودها خارج فضاء الشعر الرحب. معتبرة انخراط الكاتبة اليمنية في حركة الاحتجاجات بحثاً عن الكرامة والمواطنة السوية، لكن الثورة لا تصنع أدباء. فإلى نص الحوار:
> هل يوجد شيء استثنائي يدفع المرأة في اليمن لتلوذ بالشعر؟
- الفنون موهبة تختار ضحاياها ولا نختارها نحن، واقتراف اليمنية الشعر ليس خطيئة كبرى قياساً ببقية الفنون. وبالنسبة إليَّ لا أجد استثناء دفعني إلى فضاء الشعر، بل لا أجد مبرراً لوجودي في غير فضائه الرحب. قد يكون ملاذاً رؤوماً لي كما هو أي مجال إبداعي متنفس لأي مبدع يجد فيه ذاته وهويته وكل ما يحب ويتقن تعاطيه بخفة الكينونة.
> هل يعني هذا أن نظرة المجتمع لا تزال تضع قيوداً أمام الكاتبة؟
- جيلي أقل معاناة من الجيل السابق جراء نظرة المجتمع إلى الأديبة، بل أزعم أنني وجيلي محظوظات، فواقعنا الاجتماعي صار أكثر تقبلاً واحتراماً وتقديراً للمبدعة، وإذا وجدت الموهبة الحقيقية فإنها تجتاز أي قيود أو عوائق. وبالنسبة إلى الشعر والشاعرات فالمجتمع صار على وعي جيد تجاههما بفضل الشاعرات اللواتي تركن انطباعاً إيجابياً بإبداعهن وحضورهن.
> كيف تبدت لك صورة المنزل وأنت تضعين خطواتك الأولى على عتبة الشعر. ألا يبدو الشعر في المجتمعات المحافظة فضاءً بديلاً لمنزل يحيط الأنثى ويقيد حريتها؟
- الشعر ملاذ رائع من الحياة كلها. والوجود إذا لم يكن كما ينبغي أو كما يرضيني ألجأ للشعر. وإذا تجاوز الألم أو الفرح حدهما وشعرت بالجور أو بالغبطة أو بالعاطفة لجأت للشعر. الشعر نافذتي أطل منها على الوجود ومخلصي من الوجع. الشعر شريك رائع، وصديق صدوق وحبيب لا يخون. أول مرة كتبت فيها كنت في الصف الخامس الابتدائي عارضت قصيدة بعنوان الوردة البيضاء شعرت أنها غير مكتملة فأضفت إليها أبياتاً بالوزن والقافية ذاتهما. طارت والدتي من الفرحة، وبكت حين زارتني في المدرسة وتحدثت مع مدرسي وقال لها إن أسلوبي في التعبير مميز.
> لكن الملاحظ أنك لا تعطين الشعر أهمية كبيرة مثلك مثل كثير من الكاتبات. إذ تتبدى الكتابة وكأنها مجرد عبور عارض، ومرحلة شبيهة بمرحلة المراهقة؟
- أختلف معك في هذا، فأنا لا أتوقف عن الكتابة قد أكون غير مهتمة أو مهملة للنشر، لكني أقدس قلمي وأحتفي بالنص، ولو توقفت عن الكتابة أظن قلبي قد توقف قبلاً، هناك تجارب إبداعية تكتب لبعض الوقت ثم يقتلها الإحباط أو تأخذها مشاغل الحياة، وربما تتغير اهتمامات الكاتب، وقد تكون موهبته غير أصيلة فيتخلى عنها بسرعة.

24 أكتوبر 2011

توكل كرمان تثير الجدل وغيرة الناشطات الأكبر سناً


أعادت جائزة نوبل للسلام وهج النجومية للناشطة اليمنية توكل كرمان (32 سنة) بعد أن كاد الإحباط يدهمها جراء انحسار شعبيتها على خلفية اتهامها بـ «الشطح «وجر شبان الثورة السلمية إلى التهلكة من خلال تحريكها مسيرات من دون التشاور مع الآخرين أو تقدير النتائج المترتبة ما أدى إلى سقوط ضحايا.
غير أن منح كرمان جائزة نوبل للسلام بالتقاسم مع الرئيسة الليبيرية إلين جونسون سيرليف والناشطة الليبيرية ليما غوبوي، أعادها إلى واجهة الاهتمام المحلي والعربي والدولي وهي باتت بمثابة أيقونة لكثيرين في مختلف ساحات الاحتجاج. واستبدل كثيرون من الشبان والشابات صورهم الشخصية على صفحات «فايسبوك» بصورتها في الوقت الذي لا يزال هناك من يبدي ملاحظات على ما يعتقد أنها سلبيات صاحبت مسيرتها النضالية.
وتباينت ردود الأفعال في الشارع اليمني على منح الجائزة لتوكل. ففي حين شن الإعلام الرسمي والموالي للنظام حملة ضدها معتبراً أن الجائزة منحت لها لتتآمر على بلدها، عبر جنوبيون عن أسفهم «للسقوط « الذي آلت إليه معايير منح الجائزة معتبرين أن رموز النضال الجنوبي هم من يستحقون هذه الجوائز باعتبارهم السباقين في الاحتجاج السلمي ضد النظام الحاكم في صنعاء عندما بدأوا منذ 2007 يخرجون إلى الشوارع والساحات ويتعرضون للملاحقة. ويذهب البعض في ما يعرف بالحراك الجنوبي السلمي الداعي للانفصال، إلى القول إن الجائزة كافأت المحتلين الشماليين على اعتبار الحاصلة على الجائزة جزءاً من التركيبة السياسية للنظام الشمالي «المحتل» كما يصفه الجنوبيون. وبدا أن وقع المفاجأة الأصعب كان على الناشطات المدنيات الأكبر سناً والأعمق تجربة، خصوصاً اللواتي عرفن بأفكارهن الليبيرالية وعمق تجربتهن في النضال في حقوق المرأة، إذ اعتبر بعضهن أن كرمان خدمتها الصدفة والتوقيت.
وتنتمي الناشطة كرمان إلى الجيل الجديد من الإسلاميين العرب وهي تنتسب إلى جماعة «الإخوان المسلمين» وتشغل منصب عضوة مجلس شورى (اللجنة المركزية) لـ «تجمع الإصلاح الإسلامي» ووالدها من القادة الأوائل للجماعة في اليمن.
ويمكن أن تقدم كرمان نموذجاً للدور المفترض الذي يمكن أن يلعبه الإسلاميون الجدد لجهة إحداث تغيير في فكر وسلوك الحركات الإسلامية بما من شأنه ترسيخ التحول الديموقراطي والاعتراف بالآخر وكبح نزعات العنف.
وتمتاز كرمان بشخصية طموحة ومثيرة للجدل. ففي بيئة محافظة إلى حد بعيد، تبدو كرمان الجريئة والمصرة على تحقيق هدفها بأي ثمن، امرأة قيادية وواحدة من أشرس المعارضين للرئيس علي عبدالله صالح.
أولى إطلالات كرمان جاءت عبر مقالات صحافية «نارية» كانت تنشرها في صحيفة «الحزب الاشتراكي» الذي بقي عقوداً يعد العدو الرقم 1 لجماعة الإخوان المسلمين. هكذا غدت كرمان أحد عناوين مرحلة التقارب بين الإسلاميين والاشتراكيين، وهو التقارب الذي كان من نتائجه حدوث زعزعة في إيديولوجيات متصادمة وتبدل في نظرة كل طرف للآخر ليتوج في نهاية المطاف بتشكيل «اللقاء المشترك»، وهو تحالف معارض يجمع أحزاباً إسلامية ويسارية وقومية.
لكن كرمان ما لبثت أن أبدت تمرداً على الهيكلية الحزبية متكئة على الشعبية التي أخذت تحصدها في أوساط الشباب الذين نزلوا إلى الساحات والميادين للمطالبة بإسقاط نظام صالح، وتعـززت شعبيتها مع تعرضها للاعتقال.
ومع تكرر الأخطاء التي اتهمت كرمان بارتكابها ومنها تحريك مسيرات مرتجلة أدت إلى سقوط قتلى وجرحى على غرار ما حدث في مسيرة الزحف إلى مبنى مجلس الوزراء في أيار (مايو) الماضي، أخذ نجم كرمان يخبو وتصاعدت حدة الانتقادات الموجهة إليها حتى أن بعض الأصوات علت تطالب بمحاكمتها، بل إن ما يشبه المحاكمة أو المحاسبة جرى على مواقع التواصل الاجتماعي وشبكة الإنترنت. ولعل ابرز الإخفاقات التي واجهتها كرمان تمثل في إعلانها مجلساً انتقالياً للثورة لم يحز أي رضا أو تجاوب حتى بين المكونات الشبابية. لكن ما يحسب لها فعلاً هو تمردها على الطاعة الحزبية وقدرتها على قول «لا» حتى داخل حزبها.
وشهدت مسيرة كرمان قفزات متسارعة وكبيرة أبرزها تخليها عن النقاب ونقل نشاط منظمات المجتمع المدني إلى الشارع من خلال الاعتصام الأسبوعي الذي كانت تنظمه مع شركاء لها في ساحة مجلس الوزراء ما جعلها ناشطة ميدانية أكثر منها سياسية.
ولا شك في أن حصول كرمان على نوبل للسلام من شأنه الارتقاء بخطابها باتجاه العقلانية والتسامح والحوار وهو ما بدأته أصلاً، في وقت يعول عليها كثيرون للعب دور في التقارب بين السنة والشيعة والإسلاميين والعلمانيين. ومنح هذا التوجه دفعة جديدة تؤسس لثقافة التعايش والحوار بدلاً من ثقافة الإقصاء والإلغاء التي تسيطر على سلوك مختلف القوى السياسية. وتكمن أهمية الجائزة في كونها تعطي محفزاً قوياً للشباب الإسلامي على الانفتاح على العالم والغرب خصوصاً.

المستشفيات مرابض دبابات وضحايا الاحتجاجات أطفال ونساء

«ممنوع دخول السلاح باستثناء الصواريخ والدبابات». هذه واحدة من الطُرف التي يتداولها أبناء تعز تهكماً على «تحويل» المستشفيات ثكناً عسكرية.

01 أكتوبر 2011

جامعة صنعاء تستقبل العام الجديد بالمصفحات... والدراسة متوقفة

«جامعة مغلقة على الثوار». هذه هي حال جامعة صنعاء المحاصرة بخيام المعتصمين المطالبين برحيل الرئيس علي عبد الله صالح عن الحكم. وهي، أي الجامعة، صارت ثكنة لمصفحات وجنود الفرقة الأولى المدرعة المنشقة عن الجيش.

ليست الجامعة، فقط بل منطقة الحي الجامعي برمتها صارت واقعة ضمن سيطرة القوات المؤيدة للثورة وذلك بعد أن باتت العاصمة مقسمة إلى مربعين: احدهما تحت سيطرة القوات المؤيدة للثورة وآخر في قبضة القوات الموالية للرئيس صالح.

بالإرباك والتعطيل نفسيهما اللذين أصابا النصف الثاني من العام الجامعي الفائت يطل العام الأكاديمي الجديد. بل هو يبدو أسوأ حظاً من العام السابق. فاستمرار حركة الاحتجاج المنزلقة أحياناً نحو العنف ما انفك يخلف فوضى عارمة وشللاً يصيبان مناحي الحياة اليومية والتعليم واحد منها.

وكما يجري بالقرب من جامعتي صنعاء وعمران يحدث في جامعة تعز التي تشهد اشتباكات متكررة بين قوات الحرس الجمهوري ومسلحين قبليين مؤيدين للثورة. فيما تقول وزارة التعليم العالي أن طلاب كلية التربية في زنجبار في محافظة أبين التي نزح سكانها جراء القتال بين الجيش وجماعات يعتقد بانتمائها الى تنظيم «القاعدة» سيتم استيعابهم في جامعة عدن.

إنجاز «الثورة أولاً» شعار يجمع الطلاب والأساتذة الذين يشاركون في العملية الاحتجاجية ويشكلون نواة صيرورتها. فلا هدف يرتجونه غير هدف إسقاط النظام. ووفق البعض فإن أوضاع التوتر الأمني ليست العائق الوحيد أمام استئناف الدراسة بل يرتبط الأمر أساساً بعدم انجاز الثورة. تقول سلوى التي تدرس في جامعة خاصة: «صورة دماء الشهداء ما زالت حاضرة في خيالنا فكيف ستطيب لنا الدراسة قبل أن ننجز حلم الشهداء».

والواضح أن الشعور بالإحباط واليأس الذي لطالما سيطر على طلاب الجامعات اليمنية يبدو اليوم وكأنه يتحلل واجداً في الثورة والتشبث بها خلاصاً له. يقول عبدالرؤوف: «إذا فشلت الثورة فستكون ضربة كارثية أكثر تأثيراً من هزيمة حزيران 1967».

ويرى الطالب في جامعة صنعاء أن الهبة الشعبية الحاصلة الآن تمثل «فرصة نادرة للشعب اليمني لنيل الخلاص وإذا لم تنجح الثورة فإن هذا الشعب لن يحوز مثل هذه الفرصة حتى بعد مرور مئة عام».

وتتهم السلطات الطلاب والمدرسين المنتمين إلى أحزاب المعارضة بالتسبب في تعطيل الدراسة في الجامعات الحكومية بما فيها تلك الواقعة في مدن تخلو من قوى عسكرية أو مسلحين مؤيدين للثورة مثل جامعة عدن التي قررت إدارتها أن يكون العام الدراسي الحالي من ثلاثة فصول تعويضاً للطلاب عن الفصل الدراسي الذي حرموا منه العام الماضي بسبب تعطل الدراسة نتيجة الاحتجاجات. غير أن الأسبوع الأول من العام الدراسي الجديد لم يشهد اقبالاً.

والأرجح أن تعطل الدراسة في الجامعات الحكومية سيستمر ما لم تشهد الأزمة التي تعصف بالبلد إنفراجاً. وما عدا ذلك فالمتوقع أن يتضاعف تعطيل حركة الدراسة خصوصاً في ظل اعلان المناوئين للنظام تصعيد احتجاجتهم في ما بات يعرف بالتصعيد الثوري الهادف الى التعجيل بإسقاط النظام.

على صعيد متصل دعت نقابة هيئة التدريس في جامعتي صنعاء وعدن الى استمرار الاضراب الشامل عن العمل والذي بدأته العام الماضي حتى تحقيق مطالبها ومنها اقرار مبدأ انتخاب رؤساء الجامعات والقيادات الأكاديمية، وتحقيق الاستقلال المالي والإداري للجامعات.

وقالت النقابة في بيان لها أن «تغيير الواقع المأسوي لن يتحقق إلا باستمرار وقوفنا مع أبنائنا الطلبة الذين اندفعوا إلى ساحات الحرية والتغيير في جميع ربوع الوطن تحت تأثير وطأة شعورهم بالإحباط وانسداد آفاق الأمل بمستقبل آمن تصان فيه حرية الإنسان اليمني وكرامته». ولوحظ في بيان النقابة إغفاله للحقوق المادية وتركيزه على قضايا الحريات.

ويمتلك تحالف احزاب المعارضة المعروف باسم «اللقاء المشترك» حضوراً قوياً داخل الهيئة التدريسية وفي الاتحادات الطالبية. وحقيقة الامر أن معظم الطلاب اليمنيين في الجامعات والثانويات ميالون في الغالب الى التذرع بأي سبب للتوقف عن الدراسة بصرف النظر عن انتماءاتهم الحزبية. وثمة كراهية يكنها كثير من الطلاب للمؤسسات التعليمية، ويرجع هذا الى نمطية التعليم ورتابته وافتقاده للحيوية ناهيك بتخلفة. ومثل هذا يصح على العاملين في سلك التعليم الذين يتهمون بعدم الاهتمام بتنمية معارفهم العلمية وانغماسهم الكلي في الشأن السياسي.

ولئن بقي مشهد الثورة الشبابية في اليمن يراوح مكانه من دون حسم على رغم مرور ما يزيد على 8 شهور على اندلاع الحركة الاحتجاجية المطالبة باسقاط النظام، إلا أن الغموض ما زال يكتنف طبيعة مستقبل التعليم في حال نجحت الثورة، فخلافاً لبقية ثورات الربيع العربي يبدو التناقض في حال اليمن قائماً أيضاً داخل مكونات الثورة نفسها. ويعد الخلاف حول الدولة المدنية والدولة الاسلامية ابرز مؤشرات الانقسام الحاد بين الاسلاميين وغيرهم من القوى في الساحات، وهو أمر يجعل من الصعب التكهن بمدى التطوير الذي يمكن أن يشهده تعليم ما بعد الثورة.

العودة إلى مقاعد الدراسة في اليمن محفوفة بمظاهر الانقسام والحرب


للمرة الأولى يبدو العام الدراسي الجديد في اليمن شائكاً. تواجهه تعقيدات ومخاطر شتى في شكل ربما قاده إلى التعثر التام حتى قبل أن تفتح المدارس أبوابها.

فالشلل الذي ضرب النصف الثاني من العام الدراسي الماضي يعود اليوم في صورة شديدة السواد، تتوزع ما بين إرهاصات نشوب حرب في صنعاء وقتال شوارع مستمر في تعز وحرب تامة في أبين، التي غادرها معظم سكانها ليتخذوا من مدارس عدن مأوى لهم. وربما رفضوا مغادرتها ما لم يتم التوصل إلى حل ناجع يرضيهم، خصوصاً في ظل ما تردد عن رفضهم مقترحاً يقضي بنقلهم إلى معسكر إيواء خارج المدينة. وأولاد الأسر النازحة باتوا بدورهم مشكلة مضافة تتمثل بكيفية إلحاقهم بالمدرسة.

شعار «لا دراسة ولا تدريــــس إلا بإسقـــاط الرئيــــس»، لم يعـــد مجرد شعـــار سياسي يرفعه معارضـــو الرئيس علي عبدالله صالح ويرسمونه على الجـــدران. فتعطل الدراسة كلياً أو جزئياً يبدو أمراً واقعاً سواء اتفق الأفرقاء السياسيون أم لم يتفقوا. خصوصاً في ضوء صعوبة كبح التدهور الأمني وتردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية وشحة الغذاء.

ولا يقتــــصر الأمر على انقسام المؤسسات التعليمية ما بين موالاة ومعارضة، بل إن بعض المدارس تحول إلى ثكنات ومتاريس للجماعات المتقاتـــلة، كما هي الحال في حي الحصبة في صنعاء وبعـــض مناطق تعز، ناهيك بالتمترس النفسي الحاصل بين التلاميذ أنفسهم الذين لطالما زُج بهم في مسيرات متعارضة بعضها يردد «الشعب يريد إسقاط النظام»، وأخرى تهتف «الشعب يريد علي عبدالله صالح».

والواضـــح أن المشكلة الإنسانية في اليمن لم تعـــد مجـــرد مشكلة عوز فئة من المواطنين يمكن أن تعــــالجها الجمعيات الخيرية من خلال توزيع الحقيبة المدرسية وبعض الحليب والجبنة، بل هي مشكلة بنيوية تضرب جذورها في عمق المجتمع والدولة.

وإذا علمنا أن العودة الى المدرسة لا تعدو أن تكون في الأحوال العادية مجرد زوبعة في فنجان، تخلو من أي اهتمام حقيقي سواء من الجهات الرسمية أم من الأسرة، فقد أضحت في ظل الأزمة الحالية خارج الاهتمام العام.

وكان هاجس الثورة الشعبية المطالبة بتنحي الرئيس وأبنائه وأقاربه عن الحكم، استولى على كثيرين لدرجة إرجاء كل ما ليس له صلة بهذا المطلب، حتى وإن تعلق الأمر بحق الصغار في التعليم. والحقيقة أن التعليم كان ولا يزال في مهب الفوضى والنزاعات السياسية والحزبية. وقلما حرص طرف سياسي أو جماعة على تحييد مؤسسات التعليم فكيف بتطويرها. والمثير للحسرة أن تتلاقى مختلف الأطراف الحزبية المتصارعة على التحايل على برامج بعض المؤسسات الدولية الرامية إلى تحديث التعليم.

وتزخر الثقافة العامة بمؤشرات تدل على الخلط ما بين المربي التربوي والمناضل السياسي. وتحضر السياسة هنا بمعناها الحزبي الضيق والعصبوي، وليس بأفقها الديموقراطي المنفتح على التعدد والاختلاف وقبول الآخر.

ومع إعلان المحتجين المطالبين بإسقاط النظام تصعيدَ حملاتهم في ما بات يسمى بـ «الحسم الثوري»، تبدو العودة إلى المدرسة مناسبة جيدة لمزيد من الحشد للطلاب. وهو أمر ربما تخللته حوادث وإصابات تطاول التلاميذ. وعادة ما تتبادل الأطراف المتصارعة الاتهامات بالتسبب في هذه الحوادث من دون أن يستقر الأمر على تحديد هوية المسؤول عن الجريمة.

وكـــررت منظمات إنسانية مثل «يونيسيف» تحذيرها من خطورة الزج بالتلاميذ في أتون الصراعات، داعية الأطراف إلى تجنيب الأطفال مخاطر الصراعات.

وتخشى أسر كثيرة من أن تؤدي العودة إلى المدرسة إلى تعريض أبنائها للخطر. وكانت بعض المدارس توقفت بسبب وقوعها في إطار تمركز الآليات العسكرية والمسلحين التابعين لهذا الطرف أو ذاك. كما يؤدي انقسام جغرافي في بعض المدن مثل صنعاء وتعز إلى مربعات تسيطر عليها القوات المتنازعة، وإلى صعوبة انتقال التلامذة إلى مدارسهم بسبب انتشار نقاط التفتيش العسكرية وإقفال بعض الشوارع بالحواجز.

والحال أن عودة التلاميذ اليمنيين إلى المدرسة إذا ما قيض لها النجاح، يرجّح أن تكون عودة إلى الصخب والخطر واللاجدوى أكثر منها عودة إلى التحصيل العلمي..