14 فبراير 2012

ناشطو اليمن يتبادلون التخوين والتكفير

 «سقط»،»لم يسقط «،»حتماً سيسقط». بهذه الصيغ تأتي أحاديث الشباب اليمني عشية مرور سنة على اندلاع الحركة الاحتجاجية المطالبة بتنحي الرئيس علي عبد الله صالح وأبنائه وأقاربه، فيما أدى انحراف الثورة الشبابية السلمية وتحولها إلى قتال مسلح إلى إنعاش رموز السياسة التقليدية ممن يطلق عليهم «ديناصورات السياسة والقبيلة « وأعادتهم إلى واجهة التحكم بالأحداث، ما فاقم حال الإحباط لدى كثير من الشباب وعزز نزعات العنف لديهم.
ومع بدء العد التنازلي لموعد انتخاب نائب الرئيس عبد ربه منصور هادي، باعتباره مرشحاً توافقياً وحيداً، في الانتخابات الرئاسية المقررة في 21 الجاري، تصاعدت حدة الخلافات والانقسامات في أوساط شباب الثورة لدرجة التكفير وتخوين بعضهم بعضاً.
ووزعت فتوى تكفر الناشطة في ساحة الحرية في تعز بشرى المقطري على خلفية نشرها مقالاً اعتبر الموقعون على الفتوى انه ينطوي على كفر. فيما شهدت مدينة عدن الجنوبية مصادمات عنيفة بين جماعتين شبابيتين تنتميان إلى كل من حزب تجمع الإصلاح الإسلامي والحراك الجنوبي، وكل منهما تتهم الأخرى بالعمل لمصلحة نظام «الرئيس المخلوع».
ولئن بات من المؤكد مغادرة الرئيس صالح كرسي الحكم، بيد أن شخصيته ما انفكت تلقي بظلالها على مسرح الصراع وعلى الجدل الدائر حول مستقبل اليمن في شكل يصل أحياناً إلى حد تقديم صورة غير واقعية عن استمرار سطوة الرجل الذي حكم اليمن 33 سنة متكئاً على تحالف قوى قبلية ودينية انقلبت عليه وكان لها اليد الطولى في إجباره على توقيع اتفاق يقضي بتسليم السلطة.
في غرفة في فندق صغير يقع في نطاق ساحة التغيير في صنعاء يناقش عدد من الشبان معنى مفهوم العدالة الانتقالية الذي تضمنته المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية وتشكلان الوثيقة المرجعية لعملية نقل السلطة في اليمن.
والنقاش هو امتداد لسجال تشهده ساحات الاحتجاج ومقايل القات، وهو سجال انقسامي ويعكس خصوصية مآل حركة احتجاجية أخفـــقت في إنجاز ثورة مكتملة على غرار بعض ثورات الربيع العـــربي. وأفضت إلى وضع شبيه بما شهده شمال الــــيمن في ستينات القرن الماضي عندما انتهت الحرب الأهلية بإبرام اتفاق مـــصالحة بــين الجمـــهوريين والملكــيين.
واللافت في السجال الدائر، تباينه الحاد وقصوره عن استيعاب مفاهيم جديدة مثل العدالة الانتقالية والتسامح والتعايش ناهيك بتمثل ثقافتها. ويرشح من الأحاديث أن مرحلة ما بعد رحيل صالح الذي غادر البلاد لمواصلة العلاج، لا تزال غامضة بالنسبة إلى كثيرين في بلد يفتقر إلى مقومات الدولة الحديثة وينتشر فيه السلاح والقبائل المتحاربة ما يجعل تنفيذ الاتفاقات السياسية عملية محفوفة بالأخطار وآيلة إلى الفشل.
وكانت الأحداث الأخيرة كشفت أن الدولة في اليمن لم تكن سوى «قبيلة كبــــيرة». فمفاصل السلطة موزعة على فئة أســــرية وعشائرية واحـــدة. وما حدث هو اقرب إلى انقسام داخل الجماعة العشائرية فيما لا تزال المؤسسة العسكرية مـــــوزعة بين أسرة الرئيس صالح وأسرة أخـــيه غير الشـــقيق الـــلواء المنشق علي محسن الأحمر.
وتقول الناشطة هيام مرشد إن كثيراً من شباب الساحات نسوا، أو أن بعضهم لا يعلم، خلفية الصراع بين الرئيس صالح والشيخ الراحل عبد الله بن حسين الأحمر وهو خلاف يعود إلى سنوات مضت على خلفية محاولة كل منهما توريث الحكم لابنه.
وتشي نتائج مؤتمرين احتضنتهما بيروت والقاهرة، الأول بعنوان «اليمن الذي نريد» والثاني «اليمن إلى أين؟» بمدى تباين وجهات النظر والتعقيد الذي يواجه تعاطي اليمنيين مع المستقبل.
ويبدو أن تعاظم قوة الميليشيات المذهبية وامتلاكها السلاح الخفيف والثقيل يزيدان من تعقيد المشكلة اليمنية ويقربانها من الحال اللبنانية. ويرى البعض في سيطرة جماعة إسلامية متشددة على مدينة رداع رسالة موجهة إلى الحوثيين الشيعة الذين يسيطرون على صعدة والجوف مفادها بأن جغرافيا السنة أو حدود المذهب الشافعي تمتد إلى رداع.
وكان مؤتمر بيروت الذي نظم بدعم من «حزب الله» اكد أن لا خيار أمام اليمنيين للوصول إلى دولتهم المدنية المنشودة، والتخلص من كل مساوئ غياب الدولة سوى استمرار الثورة حتى الإسقاط الكامل للنظام بكل أركانه ومنظوماته ورموزه.
ويلفت لؤي منصور 35 سنة إلى حال إحباط لدى الثوار تشدهم إلى الماضي اكثر ما تدفعهم نحو المستقبل. ويأخذ على بعض القوى السياسية ومعها جزء من شباب الساحات تركيزها على الكيفية التي يتم من خلالها التغيير بدلاً من التركيز على النتيجة، معتبراً رفض خطة نقل السلطة التي رعتها دول الخليج والأمم المتحدة «ضرباً من الغوغائية السياسية» خصوصاً أن «تجربة 11شهراً من الاحتجاجات برهنت أن لا بديل متاحاً سوى الحرب الأهلية أو البقاء في طريق مسدود» على حد قوله. ويحسب المشاركون في مؤتمر بيروت على التيار الموالي لإيران، علماً أن بعضهم كان شارك في نشاط مماثل في طهران. وباتت زيارة وفود يمنية إلى سورية وإيران أمراً اعتيادياً وعلنياً. أما المشاركون في مؤتمر القاهرة فيحسبون على المؤيدين للمبادرة الخليجية والأمم المتحدة. 
ومع تعاظم دورالقيادات السياسية التقليدية وتحكمها في المشهد السياسي تضاءلت فرص بروز قيادات شبابية قادرة على تبني خطاب جديد يتجاوز حال الانقسامات التقليدية. وبات واضحاً خروج الشباب من المشهد السياسي حتى أولئك الذين عينوا في الحكومة ممثلين عن الساحات هم سياسيون قدامى وبعضهم قادة أحزاب أسرية.

06 فبراير 2012

تغيير المنهج التعليمي في اليمن عالق حتى حسم الصراع


تقول طرفة إن طالباً سأل أستاذ التاريخ عن حقيقة ما شهده اليمن أخيراً: هل هي ثورة أم أزمة؟ فأجاب الأستاذ: ثورة في الستين وأزمة في السبعين.
تشير النكتة إلى طبيعة الوضع الذي آلت إليه ثورة الشباب اليمني التي سعت إلى محاكاة ثورات نجحت في تونس ومصر وليبيا لكنها في اليمن اصطدمت بانقسام أفضى إلى اتفاق سياسي بين المعارضة والنظام.
الـ 60 والـ 70 هما الميدانان اللذان بقيا يضمان صلاة الجمعة لكل من أنصار المعارضة وأنصار النظام بعدما انقسمت العاصمة إلى مربعين متناحرين.
وما انفكت صعوبات هذا الوضع تحول دون تحقيق كامل آمال اليمنيين في التغيير الذي بشرت به ثورات الربيع العربي. ويعد النظام التعليمي بصفة عامة والمناهج بصفة خاصة إحدى هذه الصعوبات وواحدة من المفارقات التي تعيد الكرة إلى مرمى الثوار انفسهم. فالجزء الأكبر من القوى السياسية التي شاركت في الهبة الشعبية المطالبة بإسقاط النظام ساهمت بصفة رئيسة وعملانية في صوغ المناهج خلال فترة حكم الرئيس علي عبد الله صالح.
وقوع وزارة التربية والتعليم ضمن حصة حزب "تجمع الإصلاح" الإسلامي في حكومة الوفاق الوطني التي شكلت مناصفة بين حزب الرئيس وأحزاب اللقاء المشترك، يضع الإسلاميين على المحك إزاء الدور الذي يمكن أن يضطلعوا به في تحديث ودمقرطة جهاز التعليم, بما من شأنه درء التهم الموجهة اليهم بتكريس كل ما هو تقليدي.
وقللت مصادر تربوية مختلفة من إمكان أن يشهد منهج التعليم اليمني الذي يتهم بالتخلف وعدم مواكبة التطورات الحاصلة، أي تغييرات جذرية على المدى القريب، فيما اكد مدير عام المناهج في وزارة التربية والتعليم خالد جباري عدم وجود أي خطط أو تصورات في شأن تغيير المنهج أو تعديله في الوقت الراهن. وأوضح جباري أن العمل الجاري حالياً على مقررات بعض المواد الدراسية هو استكمال لخطط سابقة استهدفت تطوير المنهج، لكن جباري لم يستبعد أن تشهد مرحلة ما بعد الانتخابات الرئاسية المقررة في 21 الجاري طرح تصورات في شأن إعادة النظر في المنهج.
وخلا برنامج حكومة الوفاق الوطني من أي جديد في شأن مآزق التعليم لا سيما في ما يخص المناهج. ونقل عن وزير التربية والتعليم عبد الرزاق الأشول وهو أكاديمي عمل في مجال التربية تخصص في مناهج وطرق التدريس، قوله إن إعادة هيكلة الوزارة واستحداث إدارة للجودة هي من أولويات عمله يلي ذلك وضع وثيقة لتطوير المناهج.
ويرجح تربويون مستقلون أن تشهد مرحلة ما بعد انعقاد المؤتمر الوطني المقرر إجراؤه بعد الانتخابات الرئاسية، تغييرات طفيفة على المنهج من قبيل إعادة الاعتبار إلى بعض الوقائع التاريخية والشخصيات ومنها وقائع الحرب الأهلية صيف 1994.
وكان الإقصاء الذي مارسه الطرف الشمالي المنتصر في الحرب طاول المناهج ووصل الأمر حد منتجة صورة للرئيس علي عبد الله صالح مع الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر باعتبارهما من رموز الوحدة العربية. ووصف الحرب باعتبارها حرباً من أجل الحفاظ على الوحدة اليمنية وليس صراعاً على السلطة.
وعلى مدى نصف قرن ظلت وقائع التاريخ اليمني تكتب وفقاً لوجهة نظر القوى المتربعة على كرسي الحكم. ومنذ توقيع اتفاق قدمته دول الخليج ورعته الأمم المتحدة والدول الغربية لحل الصراع في اليمن والمسؤولون الحكوميون يلتزمون خطاباً محايداً يتجنب الإشارة إلى ما حدث باعتباره ثورة. وقال جباري إن التحديات التي تواجه التعليم هي جزء من التحديات العامة التي تواجه البلد الذي يسعى إلى الخروج من أزمة. وأضاف: "بعد أن تستقر الأوضاع ربما يبرز توجه عام لإجراء تعديلات على المنهج".
ويقول البعض إن التحديات الحقيقية ستبرز بقوة بعد انتهاء المرحلة الانتقالية المقررة لنقل السلطة. ويتوقع أن الصراع الذي سيمتد إلى المناهج سيكون بين الإسلاميين السنة والإسلاميين الشيعة. فتعاظم نفوذ القوى السياسية الشيعية والتي يمثل الحوثيون في صعدة ذراعها العسكرية، من شأنه أن يعيد الجدل حول صياغة التاريخ في التعليم العام بعد عقود من هيمنة الإخوان المسلمين على أقنية التعليم ومنها المناهج.
وكانت دراسة أكدت اصطباغ المقررات الدراسية بصبغة التغني بالماضي واحتواءها على آراء واجتهادات وأحكام متشددة، بعضها يعود إلى قرون عدة، ما يرسخ لدى الطالب نزعة التعلق بزمن مضى، وافتراض عدم التغير للمستقبل. ولفتت الدراسة التي اعدها الباحث احمد شرف الحكيمي إلى عديد أمثلة تضمنتها بعض الكتب المدرسية ومنها تعريف أحكام مكاتبة العبيد على الحرية بأنها "عقد بين المملوك ومالكه يقضي بأن يدفع المملوك للمالك مقدارًا من المال دفعة واحدة، أوعلى شكل أقساط، فإذا أدى ما عليه صار حراً"، وهو ما جاء تحت عنوان أوقات "استئذان الأطفال والعبيد والخدم".
ويقترح الباحث جازم سيف تشكيل لجنة وطنية متخصصة لصوغ المناهج تتكون من ذوي الكفاءات المواكبة لما انجز على المستوى الدولي، مشدداً على ضرورة إيجاد بيئة تعليمية تكاملية تجمع ما بين الكتاب والمعلم والمعمل، ولافتاً إلى غياب المناهج التطبيقية.
ويرشح من خطابات الثورة الشبابية التي سعت إلى تجسيد نماذج الربيع العربي استمرار الميتافيزيقا الثورية الكلاسيكية. فلا يزال هناك من يرفض وصف الأحداث التي شهدها اليمن عام 1948 و1962 بأنها انقلابات عسكرية ويصر على اعتبارها ثورة، فيما يخشى البعض أن يعاود إقصاء المنتصر للخصوم بحلة ثورية جديدة.
والحال أن مناهج التعليم هي انعكاس لوضعية القوى السياسية اليمنية ولمآزق المشهد المعرفي البائس الذي قلما امتلك الجرأة اللازمة لمصادمة القناعات العامة للجمهور حتى وإن كانت خاطئة.

03 فبراير 2012

نوبل في اليمن ...تفكيك ثقافة العنف والديكتاتورية


باستثناء الصومال الذي انهارت فيه الدولة تماما، يبدو اليمن المستحق الفعلي في المنطقة ،لنيل جائزة عالمية بمستوى نوبل للسلام .فطبيعة التركيبة الاجتماعية الثقافية لهذا البلد القريب الشبه بأفغانستان،باتت تفرض على الغرب استخدام وسائل جديدة ،غير حربية، لمعالجة  مشاكل مستعصية مثل الإرهاب والديكتاتورية المقنعة.والعداء للآخر.
هكذا يبدو منح الناشطة اليمنية توكل كرمان(32سنة )جائزة نوبل للسلام،مقاسمة  مع الرئيسة الليبيرية إلين جونسون سيرليف والناشطة الليبيرية ليما غوبوي، هدفا استراتيجيا  يندرج  ضمن التوجهات الغربية الجديدة الرامية إحداث تغيير في بنية النظام السياسي والاجتماعي لدول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من طريق حفز مقومات التغيير الذاتي  داخل الثقافات المحلية عوض إستراتيجية العمل العسكري التي  بينت تجربتا غزو العراق وأفغانستان عدم نجاعتها.وفشلها الذريع في إرساء الديمقراطية وكبح التطرف والعداء للآخر.
ذهاب نوبل للسلام إلى امرأة  يمنية تنتسب إلى ثقافة سياسية  تقليدية مثال  حزب تجمع الإصلاح الإسلامي الذي تشغل  توكل كرمان عضوية  لجنته  المركزية ،يستهدف في المقام الأول تعزيز ثقة العناصر الجديدة  داخل هذه  الجماعات الإسلاموية  بصوابية توجهاتهم وحفزهم على المضي قدما في تجديد الخطاب والرؤى بما من شأنه تقليص مساحة الأفكار المغلقة والتحول  ألي ثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان.
وبقدر ماتصب الجائزة في تقدير الحضور النشط  للنساء داخل التنظيمات  الإسلامية .فأنها تردفه بالاعتراف بحركة الاحتجاجات السلمية المطالبة بالحرية والديمقراطية. والتي كانت كرمان في صدارتها .
فرغم الملاحظات التي قد  تسجل على الناشطة كرمان  ومنها عدم تمثلها تماما لثقافة الحداثة قياسا بناشطات من توجهات سياسية وفكرية أخرى غير أن ماجعل الجائزة تقع على كرمان دون غيرها في اليمن والبلدان العربية  يتأتى أصلا من مطلب البؤر الجغرافية  والاجتماعية الاكثر تشددا والتي تتهيأ لحدوث تحول وشيك.
وتبدو كرمان ، المرأة الوحيدة تقريبا التي استطاعت أن تحدث في بيئتها الحزبية الإسلامية تحولا  إيجابيا حتى ولو اقتصر ذلك على شخصيتها. مثال التخلي عن النقاب والنزول إلى الشارع .وهو أمر لا يخلو من مغزى في حزب متهم بأنه  يتعاطى مع  المرأة باعتبارها مجرد صوت انتخابي ووعاء للإنجاب.
ولاشك بأن حصول كرمان على جائزة بحجم نوبل سيجعل منها مثالا ملهما لشبان وشابات التنظيمات الإسلامية في شكل قد يفضي في النهاية إلى القطع  مع الخطاب الفقهي الجامد  الذي لطالما أنتج شخصيات متشددة.وليس من  المصادفة أن نجد بين طلاب جامعة الإيمان التي يرأسها رجل الدين اليمني المتشدد الشيخ عبد المجيد الزنداني من صار يوجه نقدا  للجامعة ويتهم مناهجها بتخريج متطرفين.ويقول ببراءة  حزب الإصلاح منها.
والراجح أن ثقل الإسلاميين في مشهد ثورات الربيع العربي  ومنها اليمن يدفع الحكومات الغربية أكثر  إلى تبني استراتيجيات احتواء جديدة  تأتي بنتائج تغاير تلك التي أثمرتها عملية تجنيد إسلاميين لدحر السوفيات من  أفغانستان.ومثل هذا يصح أيضا على أدوار البطولة التي صارت تعطى لحزب التنمية والعدالة التركي في مواجهة الغطرسة الإسرائيلية.فهذا الحزب الذي بات مصدر إلهام لكثير من شبان التنظيمات السياسية الإسلامية في المدن العربية  خصوصا الإخوان المسلمين يراد له غربيا أن يكون حصان طروادة في تفكيك ثقافة العنف والديكتاتورية  وتبيئة المنطقة العربية لقبول الحداثة السياسية.
والواضح أن جائزة نوبل للسلام لم تعد تحتفي بسجل الماضي بقدر ماصارت ترمي إلى  حفز وقولبة أفعال المستقبل.ومثالها الراهن تعضيد التوجهات الإسلامية غير العنيفة.

صنعاء عاصمة التحرش الجنسي


اضطرت أم وليد (37 سنة) إلى ترك عملها في إحدى المؤسسات الحكومية بسبب تكرار حوادث التحرش الجنسي التي تعرضت لها أثناء عملها «فرّاشة» (عاملة نظافة).
وقالت أم وليد التي يتطلب عملها الحضور في وقت مبكر لتنظيف المكاتب قبل وصول الموظفين، إن أحد حراس المؤسسة حاول أن يعتدي عليها جنسياً وكان مقر العمل خالياً من الموظفين ومن بقية أفراد الحراسة. وتزيد أم وليد أنّ عديدين تحرّشوا بها من درجات وظيفية مختلفة من بينهم مدير شؤون الموظفين الذي سبق وطلب منها أن تُميط اللثام عن وجهها مهدداً إياها بعدم صرف مكافأة عملها الإضافي ما لم تستجب لطلبه.

 وينتشر التحرش الجنسي في اليمن على نطاق واسع، وتشير تقديرات إلى أن 90 في المئة من اليمنيات يتعرضن للتحرش الجنسي من أنواع مختلفة. وتفيد معلومات عن تعرض ناشطات سياسيات للتحرش داخل الأحزاب السياسية التي ينتمين إليها. وقالت ناشطة طلبت عدم الكشف عن هويتها أن رفاقاً لها وقادة في الحزب الذي تنتسب إليه، تحرشوا بها وبرفيقة لها في حوادث منفصلة.
ومع زيادة حاجة كثير من اليمنيات للعمل لإعالة أسرهن، خصوصاً الأرامل والمطلقات منهن، تعقدت ظروف العمل والحصول عليه وصارت أكثر قسوة في شكل يضع بعض النساء ما بين خيارين أحلاهما مرّ: إما التفريط بشرفهن أو التعرض للبطالة والجوع. وقالت أم وليد إنها وبعد تركها عملها مارست بيع البطاطا المسلوقة أمام إحدى المدارس لتعيل طفليها إلى أن حصلت أخيراً على وظيفة لدى منظمة غير حكومية.
واكثر حالات التحرش تتعرض لها النساء العاملات في تنظيف الشوارع، وأكدت مصادر متطابقة أن مسؤولين في القطاع الحكومي والخاص يساومون بعض النساء المتقدمات للحصول على وظيفة بهدف أن ينالوا منهن مقابل توظيفهن. وأفادت معلمة أن مدير التربية في منطقتها هددها بنقل عملها إلى منطقة نائية ما لم تستجِب لرغبته.
وذكرت موظفة حكومية تعمل في صنعاء أن مسؤولاً كبيراً في الوزارة التي تعمل فيها، يستخدم بعض الموظفات الأقدم لنقل رسائل إلى موظفات وتهديدهن بالحرمان من امتيازات مثل الترشح للسفر والمشاركة في دورات تدريبية في حال صدّه.
وفي مسعى غير حكومي لمكافحة التحرش الجنسي بالنساء والحد منه، أطلقت «مبادرة كفاية» خريطة إلكترونية على شبكة الإنترنت لرصد حجم ظاهرة التحرش الجنسي في المدن اليمنية وفق البلاغات التي تتلقاها عبر الموقع.
وبحسب غيداء العبسي، مديرة حملة «شوارع آمنة»، فإن الحملة التي انطلقت في آب (أغسطس) الماضي لمكافحة التحرش الجنسي بالنساء، تضمنت عدداً من النشاطات منها فيلم قصير ومعرض رسوم كاريكاتورية، كما يجري العمل لإصدار كتاب يتضمن قصصاً واقعية لنساء تعرضن للتحرش.
وبحسب البلاغات التي تلقاها الموقع الإلكتروني التابع للحملة تصدرت «صنعاء» قائمة المدن اليمنية في معظم أنواع التحرش وهي: الاغتصاب، اللمس، التحرش اللفظي، المطاردة، المكالمات الهاتفية، الإيماءات الجنسية والدعوة لغرض جنسي، تليها «تعز» و«عدن»، وتصدرت «الحديدة» التحرش من خلال عرض الأعضاء الجنسية. وقالت العبسي أن الخريطة الإلكترونية للإبلاغ عن حالات التحرش الجنسي والتي تعد الأولى من نوعها في اليمن، تستهدف رصد المناطق التي تكثر فيها حالات التحرش الجنسي. وأكدت أن الحملة سوف تستمر إلى أن تحقق هدفها المتمثل بإيجاد حلّ لظاهرة التحرش، سواء بإصدار قانون رادع أم من خلال تكثيف دوريات شرطة الآداب.
ودخلت بعض وسائط الاتصال الحديثة قائمة الأدوات المستخدمة في التحرش الجنسي بالنساء، وتروى حكايات عن موظفات تلقين صوراً وشرائط فيديو إباحية عبر البلوتوث والبريد الإلكتروني أو من خلال الحاسوب المرتبط بشبكة العمل. وقالت موظفة أنها عثرت في حقيبتها على واق ذكري تعتقد أن أحد زملائها في العمل دسّه لها. وعدد كبير من المتحرَّش بهن في العمل يتمتعن بقدر من الجمال. وذكرت موظفة أن زميلة لها كادت تنتحر بعد أن لفّق لها المسؤول الأول في جهة عملها تهمة أخلاقية وهدّدها بإحالة القضية إلى المباحث الجنائية، بقصد ابتزازها جنسياً. وذكرت طالبات جامعيات أن بعض المدرسين، يتعمدون تخفيض درجاتهن بقصد إرغامهن على الاستجابة لهم.
 وتفرض طبيعة المجتمع اليمني المحافظ على كثير من النساء عدم الإبلاغ عن أي تحرش يتعرضن له. وقالت العبسي إن «هناك تجاوباً كبيراً على مستوى المشاركة في النقاشات والحوارات التي تُدار في صفحتنا على موقع «فايسبوك»، أما البلاغات التي نتلقاها عبر خريطة الموقع فلا تزال متدنية»، مُرجعة ذلك إلى إنكار المجتمع لهذه المشكلة واعتباره ما يحصل مجرد مضايقات، ومشيرة إلى أن المرأة تخشى البوح بما يحصل لها في الشارع خوفاً من أن يمنعها أهلها من الذهاب إلى العمل أو الدراسة.
وأفادت العبسي أنه وعلى رغم أن الإبلاغ في الموقع سري، ويمكن للمرأة أن تُبقي اسمها سرياً أو أن تستخدم اسماً مستعاراً، إلاّ أن هناك قلقاً من الإبلاغ بخاصة أن هذه الفكرة جديدة على اليمن وأي جديد يأخذ وقته. وتوضح: «هدف الرصد الإلكتروني جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات عن التحرش، والتي من خلالها نستطيع أن نخطو الخطوة الثانية من الحملة، وهو العمل مع أقسام الشرطة والضغط على أصحاب القرار لإصدار قوانين ووضع حلول رادعة».

23 يناير 2012

شباب الثورة اليمنية إلى نقطة الصفر


«احذروا هذا الشخص يلعب اختراقاً»، هذا ما تكتبه مرمرة على صفحتها على موقع «فايسبوك» مرفقاً برابط صفحة الشاب الذي تتهمه بالقرصنة الالكترونية.
وبحسب المعلومات المبينة على صفحتها، تقيم مرمرة في برلين ولا يوجد في منشوراتها الجديدة والقديمة ما يشي بمناوئتها للثورة اليمنية أو انها «بلطجية» بحسب ما يقول الشاب المتهم الذي اتضح لاحقاً إنه ناشط في المركز الاعلامي لساحة التغيير في صنعاء.
وتشكل الحرب الالكترونية إحدى ساحات المواجهة بين شبان الثورة وأنصار النظام الحاكم، وتعكس ايضاً طبيعة الصراعات الناشبة داخل مكونات الثورة نفسها.
ويرشح من منشورات مرمرة والشاب المتهم بالاختراق، انزلاقهما الى الخصومة القائمة بين الحوثيين والاصلاحيين وهما جماعتان تخوضان صراعاً صار يقسم ساحات الاحتجاج اليمنية على أسس تقليدية اقرب ما تكون الى المذهبية وان شملت غير المتدينين.
الحديث عن مندسين وأعداء مفترضين يعملون ضد الثورة من داخلها ومن خارجها وشيوع خطاب التخوين ليس وليد اللحظة ولا ينحصر بشبكات التواصل الاجتماعي فحسب بل هو سمة لازمت الثورة الشبابية اليمنية منذ انطلاقتها مطلع العام الماضي.
الصراع الذي تشهده ساحات الاحتجاج يشي باحتمال نشوب مواجهات ربما جاءت اكثر حدة من تلك التي خاضها الثوار ضد النظام الذي حصل على اتفاق مصالحة وطنية يعفيه من أي عقوبات.
ولا يزال للنزعات العصبوية تأثير في توجيه السلوك السياسي والاجتماعي في هذا البلد الذي لطالما وظفت السلطة طابعه القبلي لمصلحتها. ومنذ توقيع الرئيس اليمني في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي اتفاقاً رعته دول الخليج والأمم المتحدة ينظم نقل السلطة، تفاقم الصراع بين الحوثيين الشيعة والاصلاحيين السنّة خصوصاً بعد سيطرة الحوثيين على محافظتي صعدة والجوف ومحاصرتهم لمركز دماج وهو معهد ديني سلفي يضم دارسين عرباً وأجانب.
وغداة وصول «مسيرة الحياة» الى ساحة التغيير في صنعاء والتي يتهم الحوثيون الشيعة بالوقوف وراءها، نشب عراك بين حوثيين واصلاحيين ما أدى الى جرح نحو 20 شخصاً.
وعلى رغم تشابه شعارات المحتجين اليمنيين مع الشعارات التي رفعتها بقية ثورات الربيع العربي، جاءت الثورة اليمنية على صورة واقعها الاجتماعي وهو واقع لم يتخفف بعد من إرث ما قبل الدولة ومن سماته تشظي الجماعة الاجتماعية وشيوع الخوف والتوجس من الآخر. وكانت المسيرات الراجلة مثل مسيرتي « الحياة» و»الكرامة» اللتين انطلقتا من تعز والحديدة باتجاه صنعاء (قطع آلاف المحتجين ما يزيد عن 250 كلم سيراً على الاقدام) قوبلت بردود افعال متباينة خصوصاً مع مقتل 13محتجاً أثناء محاولة المرور بجوار القصر الرئاسي.
وترى سلوى (22 سنة) في الحادثة «عملاً عبثياً واستهتاراً بأرواح الشبان»، مؤكدة عدم وجود هدف واضح للمسيرة باستثناء استعراض القوة في اطار الصراعات بين مكونات الثورة.
والواضح على الفرز السياسي الذي يشهده اليمن حالياً أنه يعيد الثورة الشبابية الى لحظة الحرب الباردة حين كان الاصطفاف السياسي يقوم على ثنائية تضم اليسار والقوميين والجماعات الشيعية أو ما يعرف باليسار الاسلامي من جهة، والسلفيين والاخوان المسلمين والنظام العسكري القبلي الحاكم في شمال اليمن من جهة ثانية.
ويقول محمد (33 سنة) أنه يؤيد الحوثيين لأنهم يشكلون قوة توازن أمام هيمنة الاصلاحيين والسلفيين، مشيراً إلى أن القادة الشيعة يظهرون انفتاحاً نسبياً لجهة الحريات في إشارة الى فتوى رجل دين شيعي تجيز الاختلاط بين الذكور والإناث في ساحة الاحتجاج.
ويلفت محللون سياسيون إلى مسعى ايراني لإيجاد حليف يمني قوي يوفر لطهران موطئ قدم على مضيق باب المندب المتحكم بسير الملاحة الدولية بما يعزز موقف ايران تجاه واشنطن. وتؤكد مصادر محلية وجود استقطاب نشط تمارسه الجماعات الحوثية في محافظة تعز القريبة من باب المندب كما أن بين شبان الثورة من يبدي تأييداً للنظام السوري ويشارك في نشاطات ترعاها مؤسسات ايرانية او سورية أو على صلة بـ»حزب الله» اللبناني.
وتجد الجماعات الموالية لطهران في الرافضين للمبادرة الخليجية في الساحات وداخل الحراك الجنوبي صيداً ثميناً لتحفيز العداء للأميركيين والخليجيين. وصار قانون منح الرئيس صالح ومن عمل معه ضمانات بعدم الملاحقة القضائية احدى وسائل شحن العداء ضد الحكومة رغم انها تضم ممثلين عن الحوثيين.
وردد المحتجون شعارات تندد بالاتفاق مثل «يا حكومة نص نص واحد قاتل واحد لص»، فيما اعلن حوثيون واشتراكيون عن تشكيل ما سمي بـ» لجنة انقاذ الثورة».
والحال أن ثورة الشباب اليمني لم تستقر بعد على وعي يرقى أن يشكل ركيزة جديدة للدمقرطة ونبذ العنف لإخراج البلد من نفق العصبيات القاتلة. وتأمل هدى (25 سنة) أن يؤدي الفرز الجديد الى إعادة الوضوح للمشهد السياسي بعد الالتباس الذي سببته طبيعة حزب المؤتمر الشعبي الحاكم.
ويرجح البعض أن يؤدي انسحاب ممثلي القبيلة و»الاخوان المسلمين» من «المؤتمر الشعبي» الى تبلور تحالف جديد يضم كلاً من الحوثيين والاشتراكيين والناصريين وحزب المؤتمر الشعبي خصوصاً بعد تحرر الاخير من هيمنة الرئيس صالح والجماعات القبلية والدينية وهذا أمر يحظى بدعم غربي واسع.
وتفيد معلومات بأن التيار العلماني داخل المؤتمر الشعبي لعب دوراً في ما بات يعرف بثورة المؤسسات التي تستهدف تفكيك منظومة المصالح التي اعتمد عليها الرئيس صالح وافراد أسرته في حكمهم للبلاد، وتشمل مسؤولين عسكريين ومدنيين متهمين بالفساد.


12 يناير 2012

التسول والاحتيال متلازمة ظاهرة الفقر في اليمن

تشير فتاة عشرينية بيدها لأحد المارة، وما أن يقترب منها تخرج روشتة دواء قائلة بصوت خفيض لا يخلو من نبرة خجل واحتشام، إن والدتها في المستشفى ووالدها متوفى، وإن المال الذي كان بحوزة الأسرة نفد على نفقات المستشفى، وليس لديهم من يعينهم على شراء الدواء لإنقاذ أمها. تحكي ذلك في شكل يوحي وكأنها المرة الأولى التي تطلب فيها مساعدة الغير، لكن ما تلبث أن تكتشف أن الفتاة تكرر هذا الدور مع كثيرين، في أيام متتالية وأماكن مختلفة.
ومع ازدياد رقعة الفقر وانتشار البطالة وتفاقم الضائقة الاقتصادية التي يشهدها اليمن، اتسعت ظاهرة التسول بشكل لافت، وصارت تندغم أحياناً بـ «الاحتيال». يبتكر المتسولون أساليب جديدة بهدف دغدغة عواطف الناس ودفعهم إلى مساعدتهم، وثمة من ينزلق الى ارتكاب جرائم سرقة، وبعضهم يكون عرضة للتحرش والاغتصاب، خصوصاً الأطفال والنساء منهم. وإضافة إلى الجماعات التقليدية من المتسولين الذين ينتمون الى الفئات المهمّشة ينضم الى الطابور، كل يوم، متسولون جدد من الجنسين ومن مختلف الفئات العمرية، وكثيرون من هؤلاء من الذين قذفت بهم الأرياف الى المدن بعد أن انسدت أمامهم سبل العيش.
وبات البعض يبتكر أساليب تحجب عنه صفة المتسول، عازفاً على وتر الثقافة السائدة التي تجسدها العبارة الشائعة «ارحموا عزيز قوم ذل»، لإظهار عزة نفس والإيحاء بأنه «ابن ناس»، وأن الظروف القاهرة فرضت عليه أن يمد يده. وعادة هؤلاء ألاّ يستقروا في مكان محدد ويختارون «ضحاياهم» بإتقان.
ويروي عبد العزيز (37 سنة) أن شخصاً يبدو من مظهره ولهجته أنه من ابناء القبائل البدوية التي تعيب التسول، استوقفه في احد شوارع العاصمة طالباً مساعدته. ويوضح: «للوهلة الاولى بدا لي أنه يريد الاستفسار عن شيء ما، فبعد أن القى عليّ السلام وصافحني، أخذ يروي حكاية مفادها أنه جاء الى صنعاء برفقة جماعته، وأنه أضاع أصحابه ولا يعرف أين هم، وأن النقود الخاصة به مع أحد أفراد الجماعة وليس لديه أجرة السيارة ليعود الى قريته». ويذكر عبد العزيز أنه صدّق حكاية الرجل فمنحه ألف ريال (نصف دولار)، وبعد نحو شهر من الحادثة شاهد الرجل نفسه في سوق القات وهو يستوقف شخصاً آخر ليروي له الحكاية ذاتها. ومن بين المتسولين من يخرج مع زوجته وأبنائه الى الشارع وقد حمل معه بعض أثاث البيت، مثل البطانيات، قائلاً للمارة ان اسرته لم تجد ما تأكله وأنه مضطر لبيع هذا الاثاث ليطعم أفراد أسرته، مكرراً هذا المشهد في شكل شبه يومي.
تسوّل بـ «أناقة»
ومع أزمة المواد النفطية التي نشبت على خلفية الاحتجاجات الشعبية المطالبة بتنحي الرئيس اليمني وأبنائه وأقاربه عن الحكم، ظهرت أساليب جديدة هي مزيج من التسول والاحتيال. يروي عبد العليم (55 عاماً) أنه التقى شخصاً أنيقاً يرتدي بذلة رسمية وربطة عنق ويحمل بيده علبه فارغة. وفق عبد العليم، فإن الرجل أخبره بأن البنزين نفد من سيارته، وأنه نسي بطاقته الائتمانية وهاتفه المحمول في منزله الواقع في الضواحي، وانه يخشى إن عاد الى المنزل أن تُسرق سيارته «خصوصاً في مثل هذه الفوضى الامنية». ولذلك طلب من العليم أن يقرضه مبلغاً، مبدياً استعداده لأن يعيد المبلغ مضاعفاً فور الانتهاء من المشكلة. ويقول عبدالعليم: «شعرت بأن شيئاً غريباً في الأمر، فلم أتشجع على إقراض الرجل المال، خصوصاً ان لا خيار أمامي إن أقرضته سوى الانتظار الى أن يحصل على البنزين، وهو أمر يحتاج الى وقت طويل، بسبب الطوابير على المحطات، أو أن أكتفي بأخذ رقم هاتفه بحسب ما اقترح عليّ».
وأكد مواطنون وجود مثل هذه الاساليب، وهناك من يعرض لك جنبيته (خنجره) او ساعته الثمينة رهناً، لتكتشف في ما بعد أنها ماركة مزيفة ولا تساوي المبلغ الذي أخذه.
وكان عرض العاهات الجسدية وتقديم تقارير طبية تفيد عن الاصابة بمرض خطير، ولا يزال، احد الاساليب المتبعة للتسول، وكذلك حمْل الاطفال الرضع. وتفيد معلومات أن بعض المتسولين يعمد الى الزواج بأكثر من واحدة ليستخدم الزوجات والابناء في عملية التسول، وتروى حكايات عن تهديد بالضرب لمن لا يعود بالمال.
وكانت ظاهرة تهريب الاطفال الى دول الجوار نهضت على استخدام الاطفال المهربين للتسوّل، وخلال الاسبوع الماضي اعلنت المملكة العربية السعودية انها اعادت إلى اليمن 3 آلاف متسلل الى أراضيها بينهم 800 طفل.
وأخفقت الحكومة اليمنية في تنفيذ أهداف الألفية، ومنها القضاء على الفقر المدقع والجوع. وأكدت دراسات أن بعض الأسر الفقيرة توقف أبناءها عن الدراسة وتدفع بهم إلى ممارسة التسول. ويرى باحثون أن ظاهرة التسول لا تتعلق فقط بانتشار الفقر الذي وصل مطلع العام الجاري الى نحو 70 في المئة من عدد السكان، بل أيضاً بتوزيع الثروة، اذ يحتكر خُمس اليمنيين 40 في المئة من إجمالي الإنفاق.
وبات الفساد الحكومي حجة بعض المتسولين الممانعين لأي اجراءات تُتخذ ضدّهم. ويقول متسوّل: «إذا كان رب البيت بالدف ضارباً فشيمة أهل الدار كلهم الرقص»، غامزاً من قناة الحكومة، التي يقول انها تتسول الهبات والمساعدات.
وكانت تعليمات رئاسية صدرت في وقت سابق تحظر سفر كبار المسؤولين إلى دول الجوار خلال شهر رمضان، بعدما أفيد بأن بعضهم يذهب لطلب الزكاة والصدقة. وتُوجَّه انتقادات لأساليب الحكومة في توزيع معاشات الضمان الاجتماعي، وفي التعاطي مع مشكلة النازحين المقدر عددهم بـ400 ألف شخص.

05 يناير 2012

معوّقو اليمن ينتفضون ... والضرب لا يستثني العميان منهم!


 مشهد سريالي ذلك الذي حدث أثناء اعتصام وتظاهرة لذوي الحاجات الخاصة أمام مقر وزارة الشؤون الاجتماعية في صنعاء، مطالبين بإقالة مسؤولي صناديق المعوقين، قبل أن تدهمهم مجموعة من العناصر الموالية للرئيس علي عبدالله صالح وتعتدي عليهم بالضرب. عميان وصم وبكم ومعوّقون على كراس متحركة، بدوا أبطالاً لكوميديا سوداء، في ظل محاولة المعتدين عليهم نزع اللافتات منهم وتفريقهم، وإطلاق النار في الهواء بقصد إخافتهم.
وفي معمعة المعركة غير المتكافئة، أخذ متظاهر كفيف ينادي عبر مكبر الصوت: «أين النخوة يا أهل الحارة؟»، طالباً مساعدة السكان، ظنّاً منه على ما يبدو أن المعتدين من عناصر الشرطة. لكن المفارقة المبكية المضحكة، أنه بدلاً من أن تصلهم النجدة خرجت من الحارة مجموعة أخرى من الشبان المناصرين للرئيس صالح، بعضهم يحمل العصي، وساهموا في ضربهم.
وفي ما اختلط الحابل بالنابل، راح بعض المتظاهرين من العميان يخبط بيده على رفاقه ظنّاً منه أنهم من المعتدين. أما المشهد الأكثر تعبيراً عن المأساة، فتمثل بفتاة بكماء حاول المعتدون نزع اللافتة منها وهي تمنعهم باستماتة، وحين تمكنوا منها، انتابتها ثورة غضب فأخذت تحرك يديها وكل عضلة في جسمها محاولة الصراخ والاحتجاج.
لاعتداء على المعتصمين جاء بعد مغادرة وزيرة الشؤون الاجتماعية أمة الرزاق حمد مقر الوزارة، وهي من قياديي صالح الذين وقعوا على المبادرة الخليجية ممثلة المؤتمر الشعبي الحاكم. وقال مصدر في الوزارة لـ «الحياة»، ان الوزيرة طلبت من المتظاهرين ان يقدموا طلباتهم مكتوبة لكنهم لم يفعلوا، وهو ما نفاه المحتجون الذين كانوا يتلون عبر مكبر الصوت رسالة تضمنت مطالبهم.
وتمثّلت مطالب ذوي الحاجات الخاصة ومعلميهم بإقالة مسؤولي الصناديق المعنية، مثل صندوق رعاية المعوقين وصندوق الرعاية الاجتماعية. وشكا الطلاب ومعلموهم من ســوء الخدمات المقدمة لهم، واتهموا مسؤولي الصناديــق بإنفــاق الأموال المخصصة للمعوقين فـي غير محلها، وسـوء الإدارة، مطالبـيـن بـتـثبـيـت المعلمين والمعلمات المتعاقدين، وتحسين المخصصات العينية، مثل الادوية التي تصل فاسدة في كثير من الاحيان.
ومنذ تشكيل حكومة الوفاق الوطني مطلع الشهر الماضي، يشهد اليمن انتفاضات في عدد من المؤسسات الحكومية تطالب بإقالة قيادة هذه المؤسسات المتهمة بالفساد، وبعضهم مضى على وجوده في منصبه ما يزيد على ثلاثين عاماً. وكان المؤتمر الشعبي، الذي يتقاسم مع المعارضة حقائب حكومة الوفاق الوطني، اعتبر هذه الانتفاضات من تدبير المعارضة، ورأى فيها استهدافاً له، وهو ما عبر عنه المؤتمر من خلال معاودة تنظيم مسيرات الجمعة التي كان أعلن عن وقفها، وحملت الجمعة الفائتة التي نظمها انصار الرئيس تحت شعار «إذا عدتم عدنا»، في اشارة الى المسيرات والاحتجاجات التي يتهم المعارضة بالوقوف وراءها.
ومنذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية في شباط (فبراير) الماضي «صارت ايام الجمعة أكثر دموية وأقل تعبيراً عن التسامح»، يقول احد المواطنين الذين شهدوا الاعتداء على المعوقين. وعلى رغم اعلان اللجنة العسكرية إزالة الحواجز والمتاريس من شوارع العاصمة، مازال انتشار السلاح والمسلحين قائماً في مناطق نفوذ الاطراف المتصارعين. ويرشح من احاديث كل طرف مدى الضغينة التي يكنّها للآخر.
وصادر انصار الرئيس الذين اعتدوا على تظاهرة المعوقين، آلات التصوير، ومنها كاميرا «الحياة»، كما استخدموا مقار تابعة للوزارة للاحتجاز.
ويؤدي العنف الذي يشهده اليمن منذ مطلع العام الماضي الى شعور كثيرين بالخوف على حياتهم، خصوصاً الفئات الضعيفة، مثل المعوقين. ولا يقتصر العنف على المواجهات التي تنشب بين انصار الرئيس صالح والمعارضين لحكمه، بل ويشمل المواجهات التي تنشب بين جماعات تعتبر نفسها متحالفة في الثورة.
ويقدّر عدد المعوقين في اليمن بنحو 400 الف شخص، ويشكون من ضعف العناية المقدمة لهم. وتخلو الشوارع والمباني من تسهيلات خاصة بمرور المعوقين.
وسبق أن سُجلت حوادث تحرش واعتداء جنسي على تلاميذ معوقين من نزلاء المؤسسات التأهيلية. وفي حادثة ضرب المعوقين تأخرت الشرطة في الوصول الى مكان الحادث، وامتنع حراس الوزارة عن التدخل.

03 يناير 2012

الربيع العربي ...فرصة على اليمنيات «اقتناصها»


 تفرح أروى بعودة الحياة إلى شارع الرياض (هايل سابقاً) بعدما ظل لشهور مغلقاً وشبه مهجور نتيجة المواجهات المسلحة بين القوات المؤيدة للثورة والموالية للرئيس اليمني، ما اضطر كثرة من الأسر إلى مغادرة مساكنها.
لا يتعلق فرح أروى بتمكنها من العودة إلى منزلها أو بطبيعة الأنثى الميّالة إلى نبذ الحروب، بل هو يرتبط أيضاً بموقف فكري ورؤية جديدة لمعنى الثورة. فمنذ انخراطها المبكر في ساحة التغيير في صنعاء، كانت أروى ضمن قلة قليلة من الناشطين والناشطات الذين سعوا فعلاً إلى تجسيد ثقافة النضال السلمي وتحلّوا بوعي نقدي إنساني في تعاطيهم مع فعل الاحتجاج ومطلب إسقاط النظام.
وعلى رغم الحضور غير المسبوق للنساء في ساحات الاحتجاج اليمنية وتصدرهن الفعل الثوري - ما أدى إلى سقوط العشرات وجرح المئات منهن وتعرض بعضهن لانتهاكات متنوعة - جاء حضور المرأة في مشهد الثورة اليمنية «زلقاً وتابعاً»، ويراوح بين قيدين: نسوي وذكوري في آن.
ولم يكن قد مضى نحو شهرين تقريباً على اندلاع الحركة الاحتجاجية المطالبة بتنحي الرئيس صالح وأبناءه وأقاربه عن الحكم، حتى بدأت عملية الفصل بين الذكور والإناث في ساحات الاحتجاج. مطلب الفصل جاء ذكورياً لكنه قوبل بإذعان كثيرات من الناشطات. وعلى مدى 11 شهراً، ظل الوعي الذكوري، وما زال، يهيمن على فضاء ساحات الاحتجاج، سواء لجهة الخطاب أم التشكيلات التي تأسست في الساحة.
 وإزاء هذا الحضور الكبير للنساء أخذ البعض يتساءل عن سبب عدم حصول قضايا نسوية مهمة مثل قضية زواج القاصرات على إجماع نسائي لافت. والحق أن التلاقي غير المسبوق على مطلب إسقاط النظام نهض على الثقافة الاجتماعية السائدة ذاتها ولم يتجاوزها، وهو جاء محمولاً بأجندة ومرجعيات مختلفة ومتباينة.
صحيح أن شعار إسقاط النظام وحّد الجميع، لكن التباينات حول الأساليب وعدد من القضايا، مثل حقوق المرأة وطبيعة الدولة المنشودة... ظلّت تعتمل اتفاقاً واختلافاً، إلى درجة الصدام أحياناً. ولم يقتصر الصراع على القوى الدينية وغير الدينية، بل ونشب بين الجماعات الدينية نفسها. وكان لافتاً إصدار رجال الدين فتوى تجيز الاختلاط في ساحات الاحتجاج، لكن الفتوى لم يعمل بها، وبقي الفصل على ما شهدته الساحات. وسبق لناشطين في حزب تجمع الإصلاح الإسلامي، ممن خاضوا نقاشات حول موقف الدين من زواج الصغيرات، أن برهنوا من منظور إسلامي عدم وجود تعارض بين قوننة زواج الصغيرات والشريعة.
ومن المرجّح أن مفاعيل الربيع العربي في اليمن، قد تسفر عن خلاص جزئي يتمثل بإزاحة الرئيس صالح وعائلته من الحكم، لكنها قد لا تحدث تغييراً جذرياً، خصوصاً في ما يتعلق بتلك القضايا المتجذرة ثقافياً واجتماعياً مثل حقوق المرأة. وما زال الإيمان الحقيقي بحقوق المرأة يقتصر على جماعات صغيرة من النساء والرجال تتوزع على مختلف التيارات والاتجاهات السياسية والأيديولوجية.
والواضح على الممانعة الاجتماعية لهذا النوع من القضايا أنها من التعقيد والتشابك في شكل يضع النساء أنفسهن في وضع المناوئات لحقوقهن. ولعلّ في المسيرات النسائية الحاشدة التي قادها رجال دين متشددون ضد مشروع تعديل قانوني يحدد الزواج بسن 16 سنة ما يؤشر إلى طبيعة الممانعة الاجتماعية. وجلّ اللواتي خرجن في تلك المسيرات يشكلن القاعدة العريضة للحضور النسائي في ساحات الحرية والتغيير. ومثل هذا يصح على تصويت النساء لمرشحين رجال ممن هم في العمق تقليديون ومناهضون لحقوق للمرأة.
وكان النواب الممانعون لتمرير تشريعات تصب في مصلحة المرأة توزعوا على معظم الأحزاب في الحكم والمعارضة. وما يفعله عادة رئيس الجمهورية أنه قد يتخذ من هذه القضايا ورقة سياسية يلعب فيها مع هذا الطرف أو ذاك.
ويرشح من مشهد الربيع اليمني أن حضور المرأة، مثلها مثل كثير من الذكور، جاء محكوماً بهاجس التغيير من دون تعيين واضح لماهيته. والمرأة أخفقت تقريباً في كسر تبعيتها للرجل، وهي تبعية تراتبية تسري على الذكور والإناث على حد سواء. وكان للمرأة أن وقعت في خضم الصخب الشعاراتي المنتج في ساحات الاحتجاج من دون ملاحظة للمضامين التمييزية التي ينطوي عليها.
وحتى في تلك الحالات التي برز فيها قهر النساء بشدة، من قبيل حادثة الاعتداء بالضرب على مجموعة ناشطات يساريات وليبراليات على خلفية إصرارهن على المشاركة في تظاهرة مختلطة خرجت تندد بخطاب للرئيس اليمني أساء فيه للنساء المعتصمات المناوئات لحكمه، كان هناك بين نساء الثورة أنفسهن من تطوعن لتبرير الحادثة التي ارتكبها عناصر من لجنة النظام والفرقة الأولى المدرعة التي تعهد قائدها بحماية المتظاهرين.
وكانت المنصات واللجان المشرفة والمنظمة للساحات ظلّت شبه محتكرة من قبل الذكور. وباستثناء إعلان فتاة يمنية الشهر الفائت تأسيس حزب سياسي حمل اسم الربيع العربي والمشروع برمته بدا شكلانياً، ويفتقر لمقومات نهوضه، جاءت مشاركة المرأة في التيارات والحركات الشبابية، كما في الإصدارات الصحافية التي ظهرت في الساحة، هامشية أو «تزينية»، ومثل هذا يصح على تمثيل المرأة في المجلس الانتقالي وأخيراً في حكومة الوفاق الوطني.
هامشية المرأة في فضاء الثورة متصلة في شكل وثيق بهيمنة الثقافة الذكورية وبأسباب اجتماعية - دينية، منها ضعف وعي المرأة وطبيعة نظرتها إلى نفسها. وربما كان المكسب الأهم في خروج النساء إلى ساحات الاحتجاح هو خلخلة الحواجز التي ظلت قائمة فيما بينهن خصوصاً بين التقليديات والمتحررات منهن وهذا أمر من شأنه تبديد العوائق التي ظلت تقف أمام تشكيل تحالف نسوي يضم نساء مختلف الأحزاب، خصوصاً أنه لم يطرأ تغيير كبير حتى الآن على مشهد الفاعلين الحقيقيين. فالوجوه القديمة من قيادات الأحزاب التي ظلت تراوغ في ما يخص حقوق النساء، عادت إلى الواجهة. وهي تعود هذه المرة وقد اكتست شرعية ثورية جديدة.
وكان من نتائج خروج النساء إلى ساحات الاحتجاج مزيد من الانفتاح على العمل التطوعي والمجتمعي وهذا برز بشدة في مدينة عدن. ولعل من مفاعيل الربيع اليمني تحريكه بيئاتٍ ظلت المرأة فيها شبه مغيبة عن الشأن العام مثل محافظة مأرب التي شهدت تظاهرات نسائية هي الأولى من نوعها في المحافظة.
على مدى عقود من الزمن ظلّت مكاسب النساء تتأرجح صعوداً وهبوطاً تبعاً لطبيعة القوى السياسية والاجتماعية التي تمسك بالسلطة. ولم يسبق أن أتيحت للمرأة اليمنية الفرصة لتفرض وجودها بنفسها... وربما كان الربيع العربي هذه الفرصة التي ينبغي أن لا تضيعها!

الربيع اليمني قارس ...والثورة الشبابية في "عنق الزجاجة"


يشير مازن (33 عاماً) بسبابته الى المسافة التي تفصل بين مقر وزارة الداخلية والمجمع السكني لأولاد الشيخ الأحمر في حي الحصبة في صنعاء. وهي لا تزيد على كلم واحد، لكنها بقيت على مدى 11 شهراً ترسم ملمحاً رئيسياً لطبيعة الصراع الذي آلت اليه ثورة الشباب اليمني، وسعت الى محاكاة انتفاضة شعبين تمكنا من الاطاحة برئيسي تونس ومصر.
وعلى رغم محاولة المبعوث الاممي جمال بن عمر اقناع الشباب بأهمية المسار السياسي حيث تلعب الساحات على اختلافها دور المراقب لأداء حكومة وفاق وطني تشكلت مناصفة بين حزب الرئيس اليمني واحزاب المعارضة، ولئن عكست الحكومة ذاتها جانباً من خصوصية الصراع، الا أن التباين ما زال يضرب الساحات بل صار يأخذ شكل صراع مسلح بين مكونات الثورة نفسها.
وإضافة الى حال التشظي الاجتماعي والسياسي وضعف ثقافة الحوار وتضاؤل الايمان بمبدأ النضال السلمي، وانتشار السلاح، لعبت الولاءات التقليدية للشباب وعدم قدرتهم على تمثيل ثقافة جديدة تنهض على شعار جامع عنوانه التغيير السلمي، دوراً في تحكم سلوكيات الماضي في المشهد الثوري وايصاله الى هذه النهايات.
انشقاقات داخلية
وما زاد طين الثورة الشبابية بلة، انشقاق بعض القوى السياسية والقبلية والدينية التي كانت تعد دعامة نظام صالح على مدى 33 عاماً ما فاقم حالة الارباك في أوساط الشباب وعزز المعارضة التقليدية، خصوصاً مع انقسام الجيش وتصاعد المخاوف الاقليمية والدولية من دور مفترض يمكن أن يلعبه تنظيم «القاعدة» في شبه جزيرة العرب.
وبات الشباب يتحدثون اليوم بصراحة وبكثير من المرارة عن تحول الثورة السلمية الى صراع «قبائل وعسكر» حتى ان هناك من راح يتخذ منحى جهوياً من قبيل الحديث عن القضية التهامية.
وأكثر التأثيرات السلبية لدخول العسكر والقبائل على خط الثورة برزت في الجنوب حيث انحسرت شعارات الثورة واسقاط النظام لتعود مطالب الانفصال واستعادة الدولة الجنوبية.
ولئن بدت الاحداث في اليمن قريبة مما شهدته ليبيا لجهة تصدر العنف مشهد الثورة الا انها على عكس الحالة الليبية أفضت الى اتفاق سياسي خلق وضعاً شبيهاً بالوضع الذي كان عليه اليمن غداة قيام الوحدة لجهة تقاسم السلطة وانقسام المؤسسة العسكرية والأمنية.
ولا تزال نتائج «الهبة» الشعبية مبهمة لجهة التصنيف. وهي عند البعض تراوح بين مفهومي الثورة والانقلاب. والحق أن ما يحدث اليوم غير بعيد عما حدث في ستينات القرن الماضي في الشمال عندما انتهت الحرب الاهلية باتفاق سياسي بين الملكيين والجمهوريين. كما جاء الانشقاق الذي شهده نظام صالح مشابهاً لما حدث في شباط (فبراير) 1948 حين ترأس قائد الجيش الامير عبد الله الوزير بالتعاون مع المعارضة عملية انقلابية فاشلة انتهت بإعدامه.
ويكشف الصراع المسلح الذي شهدته أخيراً محافظتا صعدة والجوف بين الحوثيين والاصلاحيين وكلاهما يعتبر نفسه مكوناً رئيساً من مكونات الثورة، مدى تشظي الحالة اليمنية، وهو يؤكد أن تسييس القبيلة لم ينزع عنها طبيعتها الحربية. فتوازى النزاع المسلح مع نزاع سياسي داخل الساحات وعلى شبكة الانترنت وبلغ الأمر حد سيطرة بعض الاطراف على بعض الصفحات الناطقة باسم الثورة على شبكات التواصل الاجتماعي.
وتملّك الشباب شعور بأنهم كانوا اداة ووقوداً لمعركة ليست معركتهم. فعلى رغم انقسام العاصمة صنعاء الى جبهتين متواجهتين تسيطر عليهما كل من القوة العسكرية الموالية والمنشقة بحيث بات التظاهر السلمي مستحيلاً، وبقي هناك من يرفع شعار الزحف الى القصر الرئاسي متسبباً في سقوط ضحايا.
ولم يكشف حتى الآن عن نتائج التحقيقات في المجازر التي حدثت، وكان تقرير مجلس حقوق الانسان اتهم الحكومة والمعارضة المسلحة على السواء بارتكاب انتهاكات كثيرة، وصنف مجزرة آذار (مارس) التي سقط فيها أكثر من 50 متظاهراً، وتفجير مسجد دار الرئاسة، ضمن الجرائم الاشد فظاعة. والتقرير خلا من رقم محدد لعدد الضحايا واكتفى بتعبير «مئات القتلى وآلاف الجرحى».
وتبقى الاشكالية الاكبر في امتلاك الجماعات السياسية قوة عسكرية وميليشيات مسلحة والاسوأ هو التجنيد غير المسبوق وتوزيع السلاح للشباب في وقت يأتي الولاء للقبيلة سابقاً للولاء الحزبي.
وكان فضاء ساحات الاحتجاج ارتسم منذ البدء على صورة الواقع التقليدي الذي يفترض أن تعمل الثورة الشبابية على تجاوزه. والمؤكد أن الربيع العربي عزز ثقافة التغيير السلمي وساعد على بلورة أجيال جديدة من الشباب الديموقراطيين في مختلف المشارب السياسية والفكرية وهو ما جسدته ساحات الاحتجاج اليمنية وإن بشكل محدود.
نوبل للسلام
ولعل في نيل الناشطة اليمنية توكل كرمان ذات الميول الاسلامية جائزة نوبل للسلام رسالة واضحة عن طبيعة التوجه العالمي ودعمه للنضال السلمي. وما فعلته ساحات الاحتجاج إنها خلقت مناخاً لتبلور قوى جديدة تؤمن بالحداثة والديموقراطية على أمل ألا تنجح أعمال العنف في جر هؤلاء الى المربع التقليدي وتحول دون تنمية مجتمعهم.
ولئن بدا الدور الخارجي هذه المرة أكثر حضوراً وتاثيراً قياساً بالأزمة التي نشبت عام 1993 بين شركاء الوحدة، بيد أن الربيع اليمني سيظل مفتوحاً على مفاجأت غير متوقعة. ومن غير المستبعد أن يشهد المستقبل القريب بروز تحالفات جديدة تغير من الخريطة السياسية وتضع وزناً للشباب.
فمنذ اندلاع الهبة الشبابية في شباط (فبراير) الماضي جرت فظاعات وسالت دماء شبان بعضهم في عمر الزهور. مضى ربيع وجاء الصيف ثم تساقطت اوراق الخريف وها هو الشتاء القارس يضرب خيام المعتصمين فيما تبدو الهبة الشبابية في عنق الزجاجة. فمستقبل الثورة مرهون بمدى قدرة اليمنيين على تجاوز المرحلة الانتقالية ونقل السلطة، بسلام.