22 مايو 2013

وحدة النعاج


لاتوجد قضية جنوبية وقضية شمالية. لاقضية صعداوية اوعمرانية او تهامية او حضرمية أو تعزية . لاقضية اصلا في اليمن سوى قضية كتلة صماء تسمى الشعب اليمني معادلتها الرئيسة :الذئب والنعاج.
مازال هناك من يعبد صدام حسين وعبد الناصر وماركس والخميني وبن لادن والحمدي وعلي صالح والحوثي والزنداني وابراهيم الوزير وثمة  من شرع في عبادة عبدربه منصور هادي .في هذه  العبادات  على اختلاف اطيافها ومشاربها تكمن مشكلة الكتلة الصماء التي لاتعرف غير التبرك بالأولياء الذئاب،الأحياء منهم والأموات، ولاتجد حريتها او تبحث عنها خارج المعبود اكان زعيما دينيا او سياسيا او جغرافيا او قبيلة أو طائفة .
منذ زمن الامام الهادي الى لحظة رئاسة عبدربه  هادي تغيرت وتعددت اسماء والوان  الذئاب . والنعاج هي النعاج.مايؤكد أن المشكلة ليست في  الذئب  بل في التعاج التي لاتستطيع أن تعيش او تجد ذاتها من دونه حتى وان اضطرت الى اختلاقه.وهنا تكمن معضلة الديمقراطية في المجتمعات الرعوية. ومايسمى بالاحزاب ليس سوى آلة جديدة لاعادة انتاج هذا النوع  من العبادات والولاءات .والقضية ليست قضية "دحابيش أو"بشابيش" ولا "تهامي" أو"جبلي" بل المشكلة  فيهم جميعا بوصفهم كتلة قطيعية صماء .فحتى لو انضم اليمن الى الاتحاد الاوربي سيبقى اليمانيون يتقاتلون فيما بينهم على اي شيء حتى لو كانت شجرة أوحمار.وهذه هي الماساة الهزلية للنعاج.
وكانت دراسة  ميدانية  تناولت النزاعات كشفت عن حروب قبلية مستمرة منذ النصف الاول من القرن العشرين. حروب لاعلاقة لعلي صالح ولا الحمدي او السلال او الامام يحي او الاستعمار بها . ولعل في  استمرار الحرب الضروس بين الحوثيين والاصلاحيين من جهة وبين تيارات الحراك الجنوبي فيما بينها من جهة ثانية وقريب من هذا ماتشهده  تعز ومناطق اخرى مايبرهن على أن الشخصية اليمنية  النزاعة الى التمرد والعنف تفتقر الى الرؤية العقلية وماتفعله في حالة تمردها أو خنوعها  لايعدو أن يكون ضرب من ضروب البدائية.ربما كان صحيحا أن الايمان يمان أما الحكمة فليست يمانية ابدا .
 تحية للكاتب محمد ناجي احمد الذي خلافا لكثير من المثقفين اليمنيين  ماانفك يبدي تحررا من إرث القطيع يفعل ذلك برغم طبيعة نشأته وخلفيته القومية.

05 مايو 2013

هزة أرضية تضرب الساحل الشرقي لليمن

تعرض الساحل الشرقي لليمن اليوم لهزة أرضية بقوة 5.2 بمقياس ريختر.وافاد المركز الوطني لرصد الزلازل والبراكين أن هزة  ارضية فوق متوسطة بقوة 5.2 بمقياس ريخترضربت شرق خليج عدن الساعة 20 :11 صباح اليوم بالتوقيت المحلي، عند نقطة التقاء خط عرض (13.28) شمالاً وخط طول (49.46) شرقاً وبعمق  10 كم تحت سطح البحر.مشيرا الى أن الهزة التي شعر بها سكان الساحل الشرقي لا تسبب موجات تسونامي.

01 مايو 2013

اليمن:الصعوبات التعلمية تطال المعلمين والرؤساء أيضا




 «الرئيس أحسن منك»، يقول عبد الإله ساخراً من الأخطاء الكتابية لصديق له عمل مدرساً ثانوياً فترة تزيد عن 10 سنوات. ومن تلك الأخطاء التي يسجلها أن صديقه يكتب كلمة «منذ» بواو زائدة لتصبح «منذو»!
ومع غياب الاهتمام الرسمي والجهل الشعبي صارت «الصعوبات التعليمية» ظاهرة يمنية لا تقتصر على التلاميذ بل تستمر حتى الكبر وتظهر حتى لدى بعض الشخصيات العامة. وهناك معلمون يصنفون ضمن ذوي الصعوبات التعلمية بسبب افتقار النظام التعليمي لمعايير الجودة ومنها قياس أداء المعلم ومستوى استعداده وإلمامه بالمادة أو المواد التي يدرسها. وتفيد تقارير رسمية بأن نحو 40 في المئة من معلمي التعليم العام غير مؤهلين لشغل الوظيفة وتصل النسبة إلى 65 في المئة بالنسبة لمعلمي التعليم الأساسي.
وأكد معلمون وتربويون تحدثوا إلى «الحياة» جهلهم بالمصطلح. ويشير مصطلح الصعوبات التعليميّة إلى الأطفال ذوي القدرات العقلية المتوسطة، أو ما دون وهي حالة ترافقها غالباً مشاكل سلوكية - انفعالية، نتيجة الفشل في التعلم وأحياناً الإحساس بالعجز ما يؤدي إلى تقييم ذاتي متدن وقلق مستمر. ويعتقد بأن ارتفاع معدلات تسرب التلاميذ اليمنيين يرجع إلى صعوبات تعليمية خصوصاً بالنسبة لأبناء الأسر الفقيرة.
ويؤدي الافتقار إلى معايير تقويم أداء الطالب وانتشار الغش والمحسوبية إلى ترفيع تلاميذ إلى مستويات أعلى على رغم قصورهم العلمي. يتعزز ذلك مع تدني مستوى كفاءة العاملين في حقل التعليم. وحتى في حال وجدت قلة من المعلمين ممن يسعون إلى قياس تفاوت الفهم بين تلاميذهم، فإنهم سرعان ما يكفون عن ذلك بسبب كثافة أعداد الطلاب في الشعبة الواحدة وتكليفهم بتدريس مواد مختلفة وارتفاع عدد الساعات المقررة عليهم.
ويدفع تدني المستوي التعليمي لدى طلاب التعليم العام إلى التحاق كثيرين منهم في تخصصات نظرية أو ما يسميها البعض «تخصصات سهلة». وتشكو السلطات اليمنية من ارتفاع الدارسين في مجال العلوم الإنسانية وتعتبره من أسباب تفشي البطالة بين الجامعيين في وقت يشكو أرباب العمل من تدني مهارات خريجي المعاهد التقنية. ويصنف تقرير للبنك الدولي تناول التعليم في اليمن، معدلات الإعادة التقديرية بين الطلاب اليمنيين بالمرتفعة.
وأكدت مصادر رسمية غياب الاهتمام الحكومي بذوي الصعوبات التعليمية، مشيرة إلى مشاكل «كثيرة وكبيرة» يواجهها التعليم في اليمن، ما يجعل مشكلة ذوي الصعوبات التعليمية خارج الأولويات في الوقت الراهن.
وبدا أن تخلف التعليم وفساده يماثلان بين الطلاب ذوي الصعوبات التعليمية وغيرهم في الحصول على تعليم متدن خصوصاً مع غياب نظام تقييم وطني لمستوى التحصيل باستثناء الاختبارات التي يشوبها قصور كبير ومشكلة أبرزها الغش المنظم. وذكر خريج ثانوي من قرية نائية في محافظة لحج الجنوبية أن مدرسته افتقرت إلى معلمي رياضيات ولغة إنكليزية، فاعتصم وزملاؤه عشية الاختبارات أمام مقر السلطة المحلية مطالبين بحل مشكلتهم التي لم يكونوا سبباً فيها. وقال الخريج الذي التحق أخيراً بسلك الشرطة، طالباً عدم ذكر اسمه، أن الحل الرسمي للمشكلة جاء في صورة نماذج للإجابة مرفقة بالأسئلة في المادتين!
وتنتشر في أوساط المعلمين سمات ومظاهر سلوكية تصنف ضمن الصعوبات التعلمية مثل صعوبة التعبير عن الفكرة والتأتأة أثناء الكلام والاضطراب النفسي والعصبي. ويتندر اليمنيون من رؤسائهم وكبار مسؤوليهم الذين يواجهون في خطاباتهم المرتجلة والمكتوبة مشاكل كثيرة لا تقتصر على اللغة فقط بل وتمتد إلى التعبير المنطقي.
والحال أن تضافر الجهل والإهمال الرسمي والشعبي يفاقمان من ظاهرة الصعوبات التعليمية لدى الصغار والكبار معاً ويجعلاها جزءاً من الحياة العامة ومشكلة غير مدركة. ولعل في حصول طلاب اليمن في المسابقات الدولية على مراتب دنيا ما يدل على تفشي الظاهرة. فعلى رغم الاختيار الدقيق والتأهيل للتلاميذ المشاركين في دراسة الاتجاهات الدولية للرياضيات والعلوم TIMSS احتل اليمن المركز الأدنى. ويعزو القائمون على الدراسة الأداء المتواضع للفريق اليمني إلى عدم قدرة الطلاب على قراءة أسئلة الاختبار، مشيرين إلى أن الطلاب اليمنيين حققوا نتائج أفضل في الأسئلة التي كانت عددية أو مبنية على أرقام بدلاً من نصوص.
واعتاد عبدالإله وهو مراجع لغوي يعمل في عدد من الصحف المحلية، على التندر على الأخطاء الإملائية والنحوية لبعض كبار الكتاب والصحافيين وضعفهم في بناء الجملة والتعبير عن الأفكار بشكل واضح ومنطقي.
والحاصل أن الصعوبات التعليمية باتت أشبه بالقاعدة وما دونها استثناء خصوصاً في ضوء التعاضد السلبي بين الأسرة والمدرسة. ويقول عبد القوي الذي يعمل مدرساً في صنعاء، إنه اكتشف تلميذة عنده تعاني صعوبة في التعلم وعندما أبلغ أسرتها بالأمر فوجئ بوالدها يطلب منه أن يعاملها وفقاً لـ «الطريقة اليمنية» أي أن يرفعها إلى الصف الأعلى كما يفعل كثير من المعلمين.

غوّاصون في جبال اليمن!


ربما انطوت روايتا «قوارب جبلية» و «صيد السلمون في اليمن»، على نوع من السخرية القائمة على عدم إمكان ممارسة نشاطات بحرية في منطقة جبلية، بيد أن السلطات اليمنية قطعت أخيراً عالم الخيال بالواقع، إذ أعلنت نشر فريق من الغواصين للعمل في مدينة صنعاء الجبلية التي ترتفع عن سطح البحر 2300 متر!
وأفادت مصلحة الدفاع المدني، بأنها خصّصت فريق إنقاذ مكوّناً من أربعة غواصين للعمل في الضاحية الجنوبية للعاصمة صنعاء، حيث يقع «سد كمران» المائي الذي غرق فيه مطلع نيسان (أبريل) الجاري، ما لا يقل عن ثلاثة أشخاص. ومن بين الغارقين عروسان تركا هاتفهما الخليوي يصور لحظة احتفالهما في الماء، بيد ان الشريط المصوّر تحول الى تراجيديا تجسّد مأساة واقعية بعد نشره على موقع «يوتيوب» وتبادله على نطاق واسع في اليمن. وباتت البحيرة التي غرقا فيها، مادة دسمة لسرد الأساطير والحكايات الخرافية التي تنتشر بين سكان المنطقة، وكلها تزعم بأن البحيرة مسكونة بالجن وأن ثعباناً ضخماً يبتلع من ينزل فيها.
ويلقى عشرات اليمنيين حتفهم سنوياً في حوادث غرق، خصوصاً في المناسبات. وخلال عيد الاضحى الماضي، قضى ما لا يقل عن 15 شخصاً في حوادث غرق مماثلة. ويقصد سكان المناطق الجبلية بحيرات السدود والبرك الصغيرة لممارسة هواية السباحة، بعيداً من عيون الناس.
وأفادت مصلحة الدفاع المدني اليمني بأن فريق الغوص سيرابط في المنطقة يومياً منذ الثامنة صباحاً وحتى السادسة مساء، لتقديم المساعدة في حال وقوع حوادث. كما سينتشر عدد آخر من الغواصين لاحقاً في بقية السدود التي تشهد توافداً من جانب المواطنين. وكانت السيول التي شهدتها اليمن أخيراً، أودت بحياة ما لا يقل عن 10 أشخاص.
ويُرجع متخصصون ارتفاع حوادث الغرق الى التوغّل في أماكن عميقة من البحيرات وعدم إجادة كثير من الضحايا السباحة. ويعتبر مراقبون أن المحرّمات التي يرفضها المجتمع اليمني المحافظ وعاداته وتقاليده، تحضّ الأسر على السباحة في الاماكن الخالية والبعيدة، كي تأخذ راحتها. لكن هذه الأماكن لا يتوافر فيها عادة منقذون، ما يؤدي أحياناً الى غرق جميع أفراد الأسرة الباحثة عن خصوصية لا يمنحها إياها المجتمع.

أبواب الثورة السبعة


لم يتبق أمام الرئيس هادي سوى أن يشرع  ببناء سور حول العاصمة صنعاء وبقية المدن اليمنية على غرار سور المدينة القديمة واكثر متانة منه .سورعظيم بسبعة أبواب تغلق عند السادسة  مساء. فلسنا بحاجة لليل طالما حكومة الوفاق متوافقة على اطفاء الكهرباء ثم أن لامعنى لليل اصلا. فثقافة الخروج للتنزه والسهرغائبة يتعزز ذلك مع استمرار حالة "اليسك ".والقنوات الفضائية نمطية وليس فيها شيء جدير بالمشاهدة.
بالسورالعظيم يمكن للحكومة أن تضرب اكثر من عصفور فإضافة الى تكريم وزير الكهرباء صالح سميع وشباب الثورة ،سيعمل المشروع على رد الاعتبار للائمة والعثمانيين الذين كانوا يقفلون ابواب المدينة عند حلول الظلام وبذلك نكون جسدنا مبدأ التصالح والتسامح الذي تنص عليه المبادرة الخليجية. كما يمكن من خلال السورالعظيم الاحتيال على اليونسكو وصرفها عن شطب زبيد من قائمة التراث العالمي،وهو الشطب المقرر في يونيو المقبل،وعن اصدار انذار ثان وثالث لصنعاء.
ومن شأن اغلاق ابواب المدينة مساء ضبط حالة الانفلات الأمني ومنع دخول الاسلحة والبضائع المهربة .والمعلوم أن ضعف الولاء للدولة مقابل ارتفاع الولاء للقبيلة  يرجع الى عدم الشعور بالامان. والسور العظيم بأبوابه السبعة سيجعل الناس يشعرون وكأنهم في بيوتهم فيتعزز انتماءهم لوطنهم الكبير.ولاتقف فوائد السور وابوابه عند هذا الحد  بل وستفضي الى تقليص الفجوة التنموية بيننا وبين جيراننا الخليجيين. فمن خلال السورسنحاكي الجدارالسعودي ونكون بذلك قد تأهلنا للانضمام الى مجلس التعاون الخليجي .وسنجذب السياح الاجانب الذين ستدهشهم الاسوار وابوابها ويكفواعن السفر الى المناطق غيرالآمنة مثل مارب وشبوه .الامر الذي سيسبب كسادا للمشتغلين في الخطف والارهاب وكثير من هؤلاء قد يعلنوا توبتهم  من تلقاء انفسهم ويتحولوا الى مواطنين صالحين يحلمون بتسوير قراهم وصحاريهم والتغني بأمجادها .حتى إذا حل القرن الـ 22  وجاء من يسأل اليمنيين ماذا أنجز الربيع العربي؟ اجابوا بصوت واحد :أبواب الثورة السبعة وعظيمها صالح سميع. واذا قيل لهم :وماعلاقة صالح سميع ؟.أجابوا بصوت واحد ايضا : لأنه الوحيد الذي وحد اليمنيين شمالا وجنوبا ،شرقا وغربا واستطاع أن يقنعهم بالتصالح مع الظلام والجلوس تحت مظلته.

26 نوفمبر 2012

«مطعم سميرة» قنصلية شعبية لمهاجرين إلى اليمن تقطّعت بهم السبل


يقدم مطعم سميرة وجبة «الزقني» الاثيوبية الشهيرة، بالإضافة إلى قهوة البن المصنوعة وفقاً للطريقة المحلية الحبشية. في السنوات الأخيرة بات المطعم أشبه بقنصلية شعبية للمهاجرين الاثيوبيين الذين يصلون الى اليمن عبر البحر الاحمر، ليجدوا في المطعم بوصلة وملاذاً، خصوصاً التائهين منهم ممن تقطعت بهم السبل.
يمكن المرء تخمين جنسية المطعم، الواقع في حي حوض الاشراف في مدينة تعز، من خلال الألوان التي طلي بها بابه، وهي ألوان العلم الاثيوبي المؤلف من الأحمر والأخضر والأصفر.
يجسّد المطعم ومالكته، مرحلة من مراحل وجود الجالية الاثيوبية في اليمن، فقبل عشرين عاماً وصلت «سميرة» و «جارماه» الى تعز، وفيها تزوجا وأنجبا أطفالاً يتكلمون العربية بطلاقة. لكنهم لا يعرفون عن وطنهم الأم سوى القليل مما يسمعونه من الوالدين، أو ما يشاهدونه على التلفزيون الاثيوبي، والاقراص المدمجة التي تحتوي أغاني أثيوبية.
هي المرة الأولى التي يشهد فيها اليمن موجة غير مسبوقة من المهاجرين الأفارقة الذين يقصدون هذا البلد، الفقير أصلاً، بغرض الوصول إلى الدول المجاورة. ومع تصاعد موجة المهاجرين الافارقة صار مطعم سميرة ملاذاً لكثيرين من الاثيوبيين، خصوصاً أولئك الذين لا يجيدون العربية أو الانكليزية، ومعظمهم من شعب الأورومو، من كبرى القوميات المكونة لجمهورية أثيوبيا البالغ عدد سكانها 85 مليونا.
ويواجه آلاف الأفارقة الذين يتم تهريبهم إلى اليمن أوضاعاً مأسوية، فمن يساعده الحظ على تفادي عصابات تهريب البشر الافريقية واليمنية، يجد نفسه محشوراً في مجتمع غريب يعاني المشاكل التي يواجهها بلدهم من فقر وبطالة وعدم استقرار.
وإلى جانب من يصلون إلى المطعم من تلقاء أنفسهم، اعتاد جرماه وزوجته القيام بزيارات للمستشفيات والسجون بحثاً عن أثيوبيين مصابين أو موقوفين. والنتيجة العثور على عدد من الجرحى والجثث. ووفق جرماه، فإن ذلك يتم بجهود ذاتية، ومن تبرعات الاصدقاء وأهل الخير، بحيث استطاعا مد يد المساعدة لعدد من أبناء جلدتهم ممن وجدوا أنفسهم في مأزق حرج.
ويقول جرماه إن ما يقوم به مع زوجته «يفترض أن تقوم به قنصلية»، موضحاً أن هناك اتصالات بينه وبين السفارة الاثيوبية في صنعاء، ومشيرا إلى أن بعض موظفي السفارة يستعينون به أحيانا للقيام بمهمات في تعز.
وتوجد في اليمن جالية اثيوبية صغيرة، تعود الى منتصف القرن العشرين، وكانت أثيوبيا بلداً جاذباً لكثير من اليمنيين الذين هاجروا إلى «الحبشة» للعمل هرباً من المجاعة التي شهدها اليمن في القرون الماضية، وبعضهم استقر في أثيوبيا وتزوج فيها.
ويوصف الأثيوبيون بالكرم وحسن التعامل مع المهاجرين العرب الذين استقروا في بلادهم، وهو أمر لا يبدو أنه يقابل بالمثل من قبل اليمنيين. ويعرف عن الأثيوبي عزة نفسه، حتى يقال «الاثيوبي يموت واقفاً ولا يمد يده للتسول»، وعرف عن الجالية الاثيوبية اعتدادها بتراثها وهويتها. ويذكر جرماه أن السلطات اليمنية عرضت منحه الجنسية اليمنية مقابل التنازل عن جنسيته الأم لكنه رفض ذلك، مشدداً على تمسكه بهويته «مهما كانت الظروف». في غرفة مقابل منزلهما الواقع بالقرب من المطعم، يحتفظ جارماه وسميرة بصور وتحف تنتمي إلى التراث الاثيوبي، وترتدي ابنتهما الصغيرة، التي تتكلم العربية، الزي الشعبي الأثيوبي.
حال انتهاء سميرة من إشعال البخور وتمرير المبخرة على الحاضرين تتجه لإعداد القهوة الحبشية التي تحضر طازجة، بداية من طبخ حبوب البن بواسطة موقد نصب وسط الغرفة. وتقول سميرة: «شرب القهوة ساخنة تعبير عن حبك للآخر».
وتنتشر المطاعم الاثيوبية في اليمن خصوصاً في صنعاء، وفي الحي القريب من مقر السفارة الاثيوبية تتوزع محال تجارية تبيع تحفا وملابس وأحذية اعتاد الاثيوبيون اقتنائها. ويشكو بعض أفراد الجالية من قيود تفرض على المقيمين من غير اليمنيين، ويقول جرماه الذي يعمل في محل لصناعة الحلويات، انه رغب بفتح محل حلويات خاص به الا أن الجهات الرسمية رفضت منحه ترخيصاً واشترطت عليه أن يشاركه في المشروع يمني. ومنذ مطلع العام الماضي تزايد عدد الاثيوبيين المتوافدين الى اليمن طلباً للعمل أو العبور الى البلاد المجارة، وبات الشارع والساحات سكناً لعشرات الاثيوبيين وعائلاتهم، منهم من يبيت في المساجد. وعلى عكس الصوماليين، يواجه الاثيوبيون صعوبات في الحصول على لجوء انساني او سياسي بسبب ما يوصف بـ «غياب المبررات مثل الحرب او الاضطهاد». وتعتقد بعض المصادر الاثيوبية أن جثثاً لأثيوبيين قضوا قتلاً أو جوعاً ربما دفنت في اليمن من دون أن يتعرف أحد على مكانها، وأن وهناك من أصيب بمرض نفسي أو حادث مروري، إلى جانب ما يتعرضون له من مضايقات واعتداءات من مواطنين يمنيين.

أحلام شبان أفارقة بالتسلل إلى السعودية تتبخر فوق رمال اليمن


رصاصة واحدة اخترقت الجانب الأيمن من بطن الشاب الأثيوبي أحمد مهدي ( 18سنة) لكنها لم تصب جسده فقط، بل نسفت أحلام هذا الفتى الذي كان يتوق إلى أن يعمل حلاقاً في السعودية.
وتصدرت أثيوبيا أخيراً قائمة دول المنبع للمهاجرين الذين يصلون إلى اليمن بطريقة غير قانونية بعدما كانت الصومال في الصدارة. ومن إجمالي 72 ألف أفريقي وصلوا إلى الشواطئ اليمنية خلال العام الجاري بلغ عدد الأثيوبيين منهم 235 57 ألف شخص.
وعلى رغم تواتر أنباء حوادث الغرق والضرب والقتل ومصاعب أخرى تواجه المهاجرين القادمين من القرن الأفريقي، تبقى موجة الهجرة غير الشرعية عبر البحر الأحمر وخليج عدن في تزايد مستمر. وبلغ عدد اللاجئين والمهاجرين الذين وصلوا إلى شواطئ اليمن خلال الفترة من كانون الثاني (يناير) إلى آب (أغسطس) من العام الجاري، 72 ألف شخص مقارنة بـ 60 ألفاً في الفترة نفسها من العام 2011 بزيادة قدرها 20 في المئة.
وما أنفك حلم العمل في السعودية، الغنية بالنفط، يلهب خيالات آلاف الشبان الأفارقة الراغبين في الانعتاق من حال الفقر والصراع التي تعيشها بلدانهم، لكن الرياح لا تأتي بما تشتهيه السفن، وغالباً ما تصطدم طموحاتهم بواقع مغاير. فمن لم تتكسر أحلامه في عرض البحر تبخرها رمال اليمن.
وخلال رحلة التهريب التي انطلقت بهم من جيبوتي باتجاه سواحل اليمن لم تغب عن أحمد مهدي ورفاقه المخاطر التي قد يواجهونها خلال مغامرتهم إلى السعودية، لكنهم لم يتوقعوا أن تباغتهم المصاعب بهذه السرعة والدموية. فما أن وطئت أقدامهم اليابسة حتى نشبت معركة بين الشرطة اليمنية ومسلحين تابعين لمهرب محلي ما أدى إلى إصابة مهدي وثلاثة أثيوبيين آخرين، فيما تمكن الشقيق الأكبر لمهدي من مواصلة رحلته البرية والتسلل إلى السعودية بنجاح.
وتعمل شبكات تهريب من جنسيات أفريقية ويمنية وسعودية في نقل عشرات آلاف الأشخاص من دول القرن الأفريقي إلى اليمن الذي، وإن اعتبر مجرد محطة عبور إلى السعودية وبدرجة أقل سلطنة عمان، إلا أنه يستقبل عملياً عدداً كبيراً من المهاجرين الذين يجدون أنفسهم عالقين في هذا البلد الأكثر فقراً في منطقة الشرق الأوسط.
وذكر شبان أثيوبيون التقتهم «الحياة» أن كلفة تهريب الفرد الواحد من داخل الأراضي الأثيوبية إلى جيبوتي ثم إلى اليمن تبلغ 500 دولار، فيما قال مهرب في عدن أنه يتقاضى 2000 ريال سعودي، أي حوالى 530 دولاراً مقابل إدخال المهاجر إلى داخل الأراضي السعودية. ويوصف هذا النوع من التهريب بـ «المأمون».
وتنتشر على الحدود اليمنية -السعودية أنواع أخرى من التهريب الأقل كلفة لكنها اكثر خطورة. ومع حال عدم الاستقرار السياسي والفوضى الأمنية التي يشهدها اليمن على خلفية اندلاع الاحتجاجات الشعبية العام الماضي تفاقمت ظاهرة تهريب البشر والمخدرات والسلاح المزدهرة أصلاً. وتعد المخا وباب المندب على البحر الأحمر مناطق تهريب لكثير من الأثيوبيين الذين يقصدون اليمن بهدف الوصول إلى السعودية وغالبيتهم تتراوح أعمارهم بين 14 و35 سنة.
ويرشح من أحاديث البعض وجود صورة غير واقعية لطبيعة المصاعب التي قد يواجهونها. فهناك من يعتقد أنه بمجرد عبور البحر والوصول إلى الأراضي اليمنية شارف على إنجاز مهمته لدخول السعودية. وصار مألوفاً وبائساً مشهد مجموعات أفريقية تسير على الأقدام عبر الطرقات التي تربط بين المدن في ذروة حرارة الشمس.
وسبق لوزارة الداخلية اليمنية أن أصدرت تعليمات بحظر تنقل المهاجرين الأفارقة بين المدن سيراً على الأقدام بيد أن ذلك لم يغير شيئاً على الأرض.
«رايحين إلى السعودية» يقول شاب أثيوبي، وهو يشير بيده إلى الأفق الظاهر من الطريق وكأن السعودية صارت في متناول اليد. ويوهم المهربون ضحاياهم بأن اليابسة التي يشاهدونها حال وصولهم الشاطئ هي أراض سعودية.
وعلاوة على الجهل بالطرق وعدم إدراك المصاعب التي يمكن أن تواجههم ظهرت في اليمن والسعودية في بعض الأوساط نزعة عداء وعنصرية تجاه الأفارقة. ويقول عبد القوي وهو شاب يمني من تعز: «إذا لم تضربهم ضربوك. وإذا لم تقتلهم قتلوك». وتتهمهم بعض المواقع الإلكترونية بالسعي إلى إقامة «دولة سوداء في جزيرة العرب».
ويؤكد مسؤولون يمنيون وأمميون أن استمرار تدفق اللاجئين والمهاجرين الاقتصاديين من القرن الأفريقي بات مشكلة تقلق اليمن ودول المنطقة. بيد أن ذلك لا يقلل من المشكلة الإنسانية المتمثلة في حال الفقر والبؤس التي يعيشها المهاجرون الذين يتعرض المئات منهم لاعتداءات من قتل وضرب واغتصاب وسلب للمال.
وقال مهدي الذي أسعف إلى مستشفى حكومي في مدينة تعز أنه لم يعد يرغب في الهجرة إلى السعودية، موضحاً أنه يبحث حالياً عن عمل ليتمكن من دفع تكاليف العودة إلى الوطن.
وتتضاعف معاناة الأثيوبيين مع عدم اعتراف الحكومة اليمنية ومفوضية الأمم المتحدة بهم كلاجئين. فعلى عكس الصوماليين الذين يمنحون حق اللجوء لحظة وصولهم، يتوجب على الأثيوبيين وحاملي الجنسيات الأخرى الخضوع لإجراءات تحديد اللاجئ تبعاً لقوانين المفوضية ليصبحوا في وضع معلق لا يعرفون له نهاية.

السكن والديموقراطية وجها المعضلة اليمنية


رتبط مشكلة السكن في اليمن بقضايا راهنة، مثل التحول الديموقراطي وطبيعة النظام الاجتماعي وتغلغل الفساد. وينظر إلى استمرار نمط الأسرة الممتدة باعتباره انعكاسا لحالة المراوحة بين الحداثة والتقليد في مجتمع ذي طابع قبلي لم تترسخ فيه بعد الثقافة المدنية. ولا يزال البعض يحرص على السكن في أماكن حصينة، مثل قمم الجبال، وهو سلوك منتشر بين المسؤولين والناس العاديين على حد سواء.
وترى سوسن (30 سنة) في السكن والديموقراطية وجهين لمعضلة يمنية. وتعد صعوبة الحصول على سكن أحد أسباب شعور كثيرين من الشبان بعدم الاستقرار، بينما يحرص الميسورون على بناء منزل خاص في المدينة أو المنطقة التي ينتمون إليها حتى لو ابتعدت عن مقر عملهم.
ويعتبر السكن وثيق الصلة باستقرار الدولة اليمنية سلباً أو إيجاباً، حيث كانت البيوت تعتبر غنائم حرب حتى عهد قريب، فما زال منزل الزعيم الجنوبي ونائب الرئيس السابق علي سالم البيض مثلاً يثير جدلاً بين اليمنيين. ويتهم جنوبيون أبناء الزعيم القبلي الشمالي الشيخ الراحل عبد الله بن حسين الأحمر بالاستيلاء على منزل البيض عقب انتصار القوات الشمالية في الحرب الأهلية صيف 1994، فيما يقول أبناء الأحمر إنهم اشتروا المنزل الواقع في عدن من الدولة.
ومع انتشار الفساد وغياب المساءلة والمحاسبة، صارت أملاك الدولة عرضة للعبث والسطو من قبل المتنفذين، كما تعد وسيلة لشراء الذمم، وحتى الأراضي والمدن السكنية التي تعلن عنها الحكومة إما تكون وهمية، أو تذهب إلى موالين حزبيين وعشائريين. وقوبلت تصريحات لمحافظ عدن أطلقها الأسبوع الماضي عن تخصيص 45 ألف قطعة أرض للشباب من أبناء عدن بالتهكم، لما اعتاده اليمنيون من وعود يطلقها المسؤولون وقادة الأحزاب ومرشحو الانتخابات.
وهذه المرة، تزامنت تصريحات محافظ عدن مع مساعي الرئيس التوافقي ومعاونيه لإقناع الحركات الانفصالية في الجنوب بالمشاركة في مؤتمر الحوار الوطني المقرر عقده نهاية الشهر الجاري.
وكان نهب الأراضي في عدن وانتشار الفلل والقصور التي بناها نافذون شماليون، شكَّل واحدة من القضايا التي استغلها القادة الانفصاليون لتأليب الشارع الجنوبي ضد نظام صنعاء، بحيث تحول «جيل الوحدة» (يقصد به المولودون بعد توحيد الشمال والجنوب في 1990) إلى جيل انفصالي بامتياز!
والحق أن هموم الشباب ومشاكلهم، مثل السكن والعمل والزواج، كانت ولا تزال مجرد ورقة سياسية تستخدمها مختلف القوى السياسية والحكومات المتعاقبة، ويحوز الرئيس السابق علي عبد الله صالح (حكم اليمن 33 عاماً) على رصيد كبير في «فردوس الوعود» التي أطلقها للشباب، بدءاً من توزيع الأراضي وبناء مدن سكنية وتعميم الحاسوب وتوليد الكهرباء بالطاقة النووية. أما الوعد الوحيد الذي وفى به الرئيس السابق من حيث لا يدري، فتمثل في توظيف نحو 60 ألف خريج. وكان صالح أطلق وعده ذاك مطلع العام الماضي لاحتواء الحركة الاحتجاجية المطالبة بإسقاطه، فاضطرت الحكومة التي تشكلت عقب تنحي صالح، إلى العمل بهذا القرار بهدف سياسي أيضاً. ويجعل تفاقمُ الفقر والبطالة وانتشارُ الفساد مطلبَ الحصول على مسكن واحدةً من المشاكل الكبيرة التي يصطدم بها الشاب منذ انتقالهم إلى المدينة للدراسة الجامعية وحتى تخرجهم ومحاولتهم بناء أسرة.
يسكن عارف وعفاف، المتزوجان حديثاً، في غرفة صغيرة تقع في منزل في مديرية دار سعد في عدن. وحصل الزوجان على هذه الغرفة مقابل أن تتولى زوجة عارف خدمة صاحبة المنزل المصابة بالشلل. ويعد اليمن، البالغ عدد سكانه نحو 25 مليون نسمة، من أكثر بلدان الشرق الأوسط فقراً، والأعلى في نسبة النمو السكاني على المستوى العالمي. ويشيع نمط البناء الأفقي في العاصمة والمدن الأخرى، فقليلة هي الأسر التي تحبذ السكن في شقق ضمن عمارات.
وأكدت دراسة ميدانية استمرار نمط الأسرة الممتدة، التي تجمع في بيت واحد الأبناء والآباء والأجداد. وقالت الدراسة التي نفذها المركز اليمني للدراسات وبحوث العمل، إن الأسرة النووية المكونة من الزوج والزوجة والتي تستقل بالسكن عن منزل العائلة الكبيرة، ما زالت محدودة، فيما العزاب يواجهون صعوبة شديدة في الحصول على سكن.

24 سبتمبر 2012

«غزوة» السفارة الأميركية تعيد شبان اليمن الى حقبة النهب


ما زال حادث اقتحام السفارة الاميركية في صنعاء ونهبها، يثير جدلا يمنيا في ضوء ما يوصف بأنه تحديات تواجه ثورات الربيع العربي ومنها قدرة اليمنيين على الانعتاق من تركة الماضي. ومثاله البارز العنف والسلب.
ويرى البعض في امتداد ظاهرة « الغزو النهب» الى الاجيال الجديدة مؤشر سلبي يواجه عملية التغيير في اليمن. وبحسب هؤلاء فان السلوك الفردي والملموس يبقى المحك الاساس لتبيان صدقية المثل والافكار.
ويرشح من النقاش الدائر على مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الاعلام محدودية الاصوات القادرة على الجهر بوجود مشكلة محلية مزمنة تتمثل بثقافة المجتمع اكثر منها نتاجا لهذا النظام السياسي أو ذاك. ولعل في استمرار تبادل الاتهامات والحديث عن مؤامرة ما يشي بمدى عمق الازمة.
وأظهرت صور بثها التلفزيون الرسمي لعملية اقتحام السفارة الاميركية في 13 الجاري، تورط كثيرين من الشبان المقتحمين في النهب والتخريب، ما ينسف الرأي القائل بأن ظاهرة الفوضى والتخريب من صنع قلة شاذة ودخيلة.
وتعكس مشاهد التخريب غير المبرر، من قبيل قيادة محتج شاحنة رفع واستخدامها لتحطيم سيارات تابعة للسفارة وتكسير زجاج بعضها الاخر، مدى العنف المكبوت واتساع نطاقه بين شبان يفترض أن يتحلوا بقيم الثورة واخلاق الاسلام نفسه.
ويقول البعض ان شعار سلمية الثورة الشبابية اليمنية لا ينبغي أن يتوقف عند التظاهر في الساحات و الشوارع وامام عدسات التلفزة بل يتوجب أن يصار الى ثقافة عامة وسلوك حضاري يحكم حياة المجتمع.
وبحسب عمار مرتضى (35 عاماً) فإن وصول الثورة الشبابية اليمنية الى انسداد افضى الى تسوية سياسية لا يعني أن الثورة فشلت . فالإخفاق الحقيقي بحسب قوله ، يكمن في عجز الثورة عن تحويل شعاراتها وقيمها الى سلوك حقيقي يتمثله الجميع وفي المقدمة منهم الثوار.
وأنتشر على نطاق واسع تعبير «غزوة السفارة الاميركية» ،بيد أن هذا التعبير لا يشير فقط الى فعل موجه نحو الاجنبي كما قد يتبادر الى الذهن. بل يعكس ويدلل على وجود معضلة يمنية راسخة تتمثل بشيوع ثقافة الغزو والنهب بين اليمنيين انفسهم. ولا يخلو حدث سواء كان كبيراً مثل الحروب الاهلية أم نزاعاً صغيراً بين جماعتين، من أعمال عنف وسلب.
ومنذ الحرب الاهلية صيف 1994 عاد مفهوم «الفيد» الى البروز. ويعتقد البعض أن الفساد والنهب المنظم الذي مارسته أنظمة الحكم المتعاقبة على اليمن لم يكن سوى تجل من تجليات ثقافة مجتمعية راسخة.
ولعل في امتداد التخريب الى مدن يمنية اخرى مثل مدينة رداع (جنوب صنعاء) التي تعرضت بعض واجهات محلاتها للتكسير من قبل متظاهرين محتجين على الشريط المسيء للنبي ما يشي بحجم وحقيقة الظاهرة.
فرغم نبالة القيم الدينية التي كانت وراء اندلاع الاحتجاجات على الشريط الاميركي المسيء الى نبي الاسلام محمد، غير أن التعبير عن الاحتجاج بوسائل «شنيعة» حسبما تقول ليلى محمد (31 سنة) «يضعف القضية ويكرس الصورة السلبية التي تروجها دوائر غربية واسرائيلية عن المسلمين».
ويرشح من التواطؤ الرسمي في عملية الاقتحام، وقوع القائمين على تنفيذ القانون في حبائل ثقافة العنف والسلب، ما يقلل من فرص تجاوز المشكلة ومعالجتها. وتتهم القوة الامنية المعنية بحراسة السفارة بالسماح للمحتجين باقتحام مبنى السفارة . ونقلت وسائل اعلام محلية عن محتجين قولهم ان ضابطا في السفارة قال للمقتحمين ان مايقومون به «حلال» ، فيما نقل عن السفير الاميركي قوله ان حراس السفارة زودوا المقتحمين بمياه للشرب.
وتحولت عملية السلب والتخريب الى موضوع للتندر والسخرية. وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي صور لمن وصفوا بـ « النهابة» المدافعين عن كرامة الرسول. كما تدور على مواقع الشبكة العنكبوتية وفي ساحات الاحتجاج ومقايل القات نقاشات توزعت ما بين اعتبار من يقومون ياعمال العنف والنهب « مسيئون للرسول» ومن يبرر بأنها رد فعل طبيعي للإساءة التي انطوى عليها الفيلم الاميركي. وظهر في صور فوتوغرافية وتلفزيونية شبان وقد حملوا بعض اثاث السفارة واجهزة الكترونية وكراتين.
ويحاجج البعض قائلاً ان التغيير الحقيقي لا يتأتى من اسقاط حاكم أو نظام بل ينتج عن عملية تطورية وتراكم في وعي الشعب نفسه.
ولئن سارعت الجماعات السياسية والمكونات الشبابية الى شجب الحادثة، الا ان ليس كل ما يقال رسمياً يجسد حقيقة واقعة على الارض. وما زالت الفجوة بين الخطاب والممارسة الى اتساع. وتلفت ليلى محمد الى ما تصفها بـ»الظاهرة المقززة» وتقصد بها تباري الجماعات الدينية والسياسية في التحريض المبطن والصريح.
وذهب بعض رجال الدين الموالين للرئيس السابق ورجال دين شيعة الى اتهام جماعة الاخوان المسلمين في اليمن (حزب الاصلاح) بالتراجع عن نصرة الرسول، مشيرين الى موقفها الآن وموقفها في السابق عندما كانت في المعارضة، حين كانت تحشد مسيرات مليونيه ضد الرسوم الدنماركية المسيئة للرسول.
ومعلوم ان ما يجمع بين جماعة « أنصار الشريعة « السنّية وجماعة «انصار الله» الشيعية هو شعار «الموت لليهود والنصارى».
وكان النظام السابق عمل على دعم كل من «انصار الشريعة « و»انصار الله» التي انبثقت من جماعة الشباب المؤمن، وذلك ضمن لعبه في الاوراق السياسية.
كما تُتهم الولايات المتحدة والدول الغربية عموماً، بدعم الجانب العسكري الاستخباراتي على حساب مجالات التنمية الاقتصادية الاجتماعية والثقافية، ما يجعل الديمقراطية اليمنية، بحسب قول ليلى محمد، «جوفاء لا صدى لها سوى العنف والممارسات القبائلية العتيقة».

10 سبتمبر 2012

18شهرا من التظاهر هل ينهي دورات العنف السياسي في اليمن ؟


دخلت التظاهرات الشبابية اليمنية طوراً جديداً وباتت تشكل سلاحاً سياسياً في ما يسمى الحرب الباردة بين الرئيس التوافقي عبد ربه منصور هادي والرئيس السابق علي عبد الله صالح. ويتساءل البعض عما إذا كانت التظاهرات المستمرة منذ ما يزيد على 18 شهراً، ستؤدي إلى تأسيس مرحلة جديدة من العمل السياسي السلمي تقطع مع إرث العنف السياسي.
وكان توقيع خطة سلام اقترحتها دول الخليج ورعتها الأمم المتحدة، ما حال دون انزلاق البلد إلى حرب أهلية، قوبل بإشادة عربية ودولية وذهب البعض إلى وصف الاتفاق بأنه تجسيد لحكمة اليمنيين. بيد أن ثمة من يشكك في هذا «التبسيط»، مرجعاً توقيع الاتفاق إلى حالة التكافؤ في القوة وعدم وجود أطراف خارجية داعمة لأي من أطراف الصراع أكثر منه نتاجاً لثقافة سياسية اجتماعية عامة تجنح إلى السلم والحوار.
ويرى الناشط المستقل لؤي حميد (30 سنة) أن «جميع القوى السياسية اليمنية كانت ولا تزال في العمق قاعدية»، نسبة إلى تنظيم القاعدة الذي يقر علناً باستخدام العنف ويدعو إليه. وبحسب حميد فان ما يميز الحال اليمنية عن الحال السورية لجهة درجة العنف، لا يعود إلى «حكمة يمنية مزعومة بل إلى وقوع أطراف الصراع المحلي تحت تأثير طرف خارجي ممثلاً بدول الخليج والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي».
وأثارت تظاهرة حاشدة شهدتها صنعاء الأسبوع الماضي وسارت بالقرب من منزل الرئيس السابق حفيظة حزب «المؤتمر الشعبي» الذي يرأسه صالح. ووصف المؤتمر التظاهرة بالاستفزازية وهي جاءت غداة تصريحات للرئيس التوافقي لمّح فيها إلى محاولة «القوى القديمة» عرقلة مسار التسوية السياسية.
والحق أن التظاهرات أصبحت أداة رئيسة تستخدمها مختلف القوى السياسية في صراعاتها ولغرض استعراض قوتها. ويرشح من التظاهرات الحاشدة التي نظمها أخيراً الحزب الاشتراكي اليمني تنديداً بمحاولة اغتيال أمينه العام ياسين سعيد نعمان، وجود أهداف سياسية تتجاوز مطلب التنديد إلى التعبير عن حضور سياسي. وفي الأسبوع الماضي نظم عسكريون محسوبون على الرئيس السابق اعتصاماً أمام كلية القيادة والأركان تنديداً بما سمّوه إقصاء تمثل برفض قبولهم في الكلية.
ويمثل الشباب قوام التظاهرات ووقودها بيد أن ذلك لم يسفر حتى الآن عن تبلور وعي سياسي شبابي يجسد حقيقة مفاهيم الديموقراطية ومنها التعايش الاجتماعي والتسامح والحوار. يتزامن هذا مع استمرار انتشار المظاهر المسلحة وإن لم تسجل حوادث قتال قياساً بالعام الماضي.
وترى الناشطة في ساحة التغيير ماجدة الحداد أن للتظاهرات دوراً مؤثراً في الرأي العام والضغط على السلطات. وتتوقع الحداد أن تسهم التظاهرات في تأسيس ثقافة سياسية جديدة بعيدة من العنف «شريطة أن تكون هذه مدروسة ومنظمة وذات أهداف واضحة تنأى بها عن العشوائية». وتستدل الحداد باعتصام نظمته قريبة لها هي الناشطة وهيبة الحداد التي نصبت في 2009 ما يعتبر أول خيمة احتجاج تقام أمام جامعة صنعاء - كلية الآداب احتجاجاً على تدني رواتب أساتذة الجامعة المتوفين. وكان من ثمار ذلك الاعتصام الذي شاركت فيه أرامل الأساتذة المتوفين أن استجابت إدارة الجامعة لمطالب المعتصمات بحيث رفعت راتب الجامعي المتوفي من 60 ألفاً إلى 170 ألف ريال.
وكانت الثورة الشبابية اليمنية لقيت في شهورها الأولى، إطراء لجهة تخلي شباب القبائل عن السلاح وانخراطهم في ميادين الاعتصام والتظاهر السلمي. بيد أن ذلك لم يدم طويلاً إذ سرعان ما ترافق التظاهر بقتال دام بين القوات النظامية والقوات العسكرية والقبلية المنشقة.
وترى الحداد أن التظاهر قد يكون بديلاً من العنف السياسي في مجتمعات متعلمة تمارس حريتها في ظل أنظمة ديموقراطية حقيقية. أما في حال اليمن فالتظاهر بحسب رأيها يعد «خطوة جبارة لا يستهان بها لكنه لن يحول دون ممارسة العنف السياسي أو يكون بديلاً له على المدى القريب».
ويرى لؤي حميد في اتهام بعض شباب الساحات قناة «يمن شباب» بالخيانة بسبب استضافتها إعلامية موالية للرئيس السابق في برنامج حواري، نموذجاً لمآزق الحركة الثورية اليمنية وعجزها عن تمثل ثقافة الاختلاف والقبول بالرأي الآخر.

04 سبتمبر 2012

راتب اليمنية وتسلطها يقضيان على زواجها


«اليمنية مجرد زوجة» يقول عدنان (39 عاماً) الذي انفصل عن زوجته قبل مرور عام على زواجهما، متذمراً مما يزعم أنها تقليدية المرأة اليمنية التي لا ترغب بأن تكون شريكة بمقدار ما تصر على أن تبقى مجرد زوجة ترمي بكامل المسؤولية على الزوج.
فعلى رغم محاولة الأجيال الجديدة كسر القيود والعادات وخرق الخطوط الحمر للنظام التقليدي التراتبي فإن مثل هذه الطموحات لا تلبث أن تصطدم بسطوة التدخل المباشر وغير المباشر للأسرة والمجتمع ما يتسبب في الطلاق المبكر.
وقال عدنان إنه انفصل عن زوجته بعد خلافات متكررة نشبت على خلفية رفض الزوجة المشاركة في نفقات المنزل على رغم أنها موظفة. بيد أن أصدقاء ومقربين من عدنان يرجحون أن يكون سلوكه الموصوف بـ «الحدة» و «الغلاظة» هو السبب الحقيقي في الخلافات التي أدت إلى انفصالهما مبكراً.
ويمثل عدنان حالة نادرة لجهة طبيعة الأسباب المؤدية إلى الانفصال وفسخ الخطوبة. فالحاصل أن معظم الحالات ترجع إلى عوامل اجتماعية ثقافية.
وتعد ظاهرة زواج الصغيرات بين الأقارب، ومنها أن يعقد الأب لابنته الصغيرة على ابن أخيه على أن يتم الاحتفال بالزفاف رسمياً عند بلوغهما سن الرشد، أحد أسباب الانفصال المبكر بين الزوجين. ولئن وصفت ظاهرة العقد في الصغر بالسلبية إلا أنها لا تخلو من جانب إيجابي إذ تتيح لطرفي الخطوبة، أو العقد، فرصة التعرف إلى بعضهما في شكل جيد بحيث يقرران بعدها الاستمرار أو الانفصال.
وهذا ما حصل فعلاً للطالبة ندى (19 سنة) التي ما إن تجاوزت الصف الثالث الإعدادي حتى تمكنت من إقناع والديها بعدم رغبتها في الارتباط بابن عمها وهو زوجها المفترض وفقاً لعقد الزواج المبرم في الطفولة. فكان لها ذلك.
واللافت أن نجاح الانفصال في هذا النوع من الخطوبة والزواج يحتاج عادة إلى تفهم الأسرتين. ويحدث أحياناً أن يؤدي طلب البنت فسخ عقد الزواج أو الخطوبة من ابن عمها، إلى نشوب خلاف بين الأسرتين قد يصل إلى المحاكم أو التحكيم القبلي وربما الجفاء.
وعلى رغم ما أفرزه التعليم الحديث وثورة الاتصال من خلخلة ملحوظة في منظومة القيم التقليدية فإن محاولة الأجيال الجديدة تجاوز المعتقدات القديمة تصطدم بممانعة مجتمعية.
وتشير حالات إلى سعي بعض الشباب والشابات لخرق الخطوط الاجتماعية الحمر ومنها زواج فتيات ينتمين إلى فئة السادة (الأشراف) بشبان ينتمون إلى فئات اجتماعية دنيا مثل فئة المزاينة (الحلاقين والجزارين) أو فئة الأخدام (المهمشين). لكن هذه الزيجات لا تلبث أن تصطدم بممانعة شديدة وفرض الطلاق المبكر.
وقال الشاعر والناشط في ساحة التغيير علي هلال القحم إنه حصل على معلومات موثقة تفيد بسجن شاب مهمش في محافظة حجة على خلفية زواجه بفتاة تنتمي إلى فئة السادة كان قد تعرف إليها في إحدى الندوات التي تنظمها مؤسسات مدنية. ووفق القحم فإن الشاب سجن تحت ضغط نافذين ينتمون إلى أسرة الفتاة بهدف إجباره على تطليقها.
ويبدو التسرع في الزواج قبل أن يتعرف طرفاه إلى بعضهما بعضاً في شكل كاف سبباً إضافياً في حدوث الانفصال المبكر. وقال أحمد باخريبة، وهو من أب يمني وأم مصرية أن وضعه مع زوجته بات متأرجحاً بين الزواج والطلاق بسبب تسلط زوجته. وذكر باخريبة أن مشاكله بدأت مع زوجته قبل سنة أولى زواج وتحديداً بعدما أنجبت ولدهما الوحيد بعملية قيصرية.
وتتهم نساء صنعاء وعدن بالتسلط وتسيير الأزواج، وذكر باخريبة أنه في إحدى المرات سأل أهل زوجته عما إذا كان تزوج حقاً بفتاة عدنية أم بقبيلية ذمارية، في إشارة إلى محافظة ذمار الشمالية الشهيرة بطابعها القبلي المحافظ.
ويذهب باخريبة في وصف تسلط زوجته إلى القول: «لم يتبق سوى أن تأمرني بارتداء الشرشف (النقاب)». وكانت الدراما التلفزيونية والإذاعية تلقفت موضوع تسلط الزوجات بشراهة. وما انفكت تعيده في شكل مكرر وممل.
ويحدث أن يجبر الأهل ابنهم على تطليق زوجته لسبب غير مبرر مثل عدم ارتياح والدته أو والده لتصرفاتها كأن تتعامل معهما أو مع زوجها بندية وعدم خنوع. كما يعد إصرار الزوجة على عدم ترك عملها أو عدم رغبتها بالعيش في المسكن أو المدينة التي يقررها زوجها أو أهله سبباً من أسباب الانفصال المبكر.

جداريات فنية يمنية في مهب التشويه


نظم رسامون ونشطاء مدنيون اعتصاماً في مدينة تعز اليمنية احتجاجاً على تعرض جداريات فنية لأعمال تشويه على أيدي مجهولين. واستبعدت مصادر في حملة « تعز ألوان الحياة « وقوف تيار أو جماعة دينية وراء هذه الأعمال التخريبية.
وكان أعضاء فريق الحملة وسكان في مدينة تعز، استيقظوا صباحَ الاحد الماضي ليفاجأوا بوجود تشويهات باللون الأسود طاولت عدداً من الجداريات الفنية التي سبق أن نفذها فريق الحملة في شوارع المدينة.
وتوزعت أفعال التشوية بين طمس الوجوه والمعالم وكتابة شعارات على الرسوم، من قبيل: «اذا كان ترك الدين يعني تقدماً فيا نفس موتي قبل أن تتقدمي». وتأتي أعمال التشويه في وقت تصاعدت الخلافات بين الاسلاميين والمكونات اليسارية والقومية، إلا أن نشطاء في الحملة استبعدوا وقوف جماعة دينية معينة وراء أعمال التشويه.
ورجح الرسام الشاب والناشط في الحملة مأمون المقطري وجودَ شخص أو طرف ثالث «حاقد على المشروع» عمد الى إحداث التشويهات بقصد إشعال فتنة، وفق تعبيره، مشيراً ألى أن أعمال التشويه تنم عن «حقد على الجمال وعلى المدينة وعلى التغيير».
وكانت حملة «تعز ألوان الحياة» انطلقت قبل أشهر، محاكاةً لحملة «لوِّن جدار شارعك» في صنعاء واستمراراً لها، ونفَّذ فريق الحملة المفتوحة للهواة والمحترفين مجموعة من الرسوم والجداريات بينها إعادة رسم أعمال للرسام الراحل هاشم علي، الذي يعد رائد الفن التشكيلي في شمال اليمن. ووفق القائمين على الحملة، فإن عملهم يهدف الى تعزيز حس الجمال من خلال تلوين جدران الشوارع بما من شأنه نشر ثقافة السلام والتعايش وتقويض اجواء الشحن والتناحر والعداء. وقال المقطري إن مَن يقوم بتشويه الاعمال الفنية هو عدو للحياة وعدو للدين والجمال، مؤكداً أن هذه التشويهات لن تثني فريق الحملة عن الاستمرار في عملهم.

27 أغسطس 2012

حرب أنساب تستعر في اليمن شرارتها ثورة إسقاط النظام!



حرب ضروس جديدة أطلقت شرارتها الأولى العام الماضي من ساحات الاحتجاج في اليمن لتصل أخيراً إلى شاشات التلفزة وأقنية الإعلام موضوعها الرئيس شجرة الأنساب.
ولم يعد التشكيك بالأصول والمعايرة بالأنساب حكراً على العوام وسلوكاً يمارس خلف الكواليس، بل صار جزءاً من المشهد السياسي اليمني تمارسه النخب اليمنية علانية، عبر وسائل الإعلام، وعلى الهواء مباشرة. فعلى رغم الهدوء الذي تشهده ساحات القتال العسكرية، إلا أن حرب التنابذ بالأنساب ما فتئت تشتعل تحت قبة البرلمان وعبر الشاشات وفي المجالس.
واليمنيون الذين تطربهم أسطورة قديمة جديدة، مفادها بأن اليمن أصل العروبة، هاهم يجلدون انفسهم بقسوة جاهلية بحثاً عن نقاء مفترض. والمفارقة لا تكمن فقط في أن هذه المسائل تطرح في الألفية الثالثة بل وفي كونها تأتي نتاجاً وجزءاً من لحظة ثورية مزعومة تطالب بالتغيير وبتأسيس مجتمع المواطنة والدولة المدنية. وهو أمر يطرح تساؤلات كثيرة عن قابلية اليمنيين لتجسيد ثقافة جديدة حقيقية تقطع مع عصور القبائليات والبطون والأفخاذ كما تقول رندة ناصر (29 سنة).
وكانت حرب الأنساب هذه انطلقت بقوة العام الماضي عندما سرت إشاعة في ساحات الاحتجاج مفادها بأن اللقب الحقيقي للرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، هو»عفاش» ما يعني أنه لا ينتمي إلى أسرة الأحمر العريقة التي أيدت الثورة الشبابية.
ولقي اللقب ارتياحاً كبيراً لدى المحتجين حتى بدا وكأنه يبدد غبناً متراكماً تنوء به نفوس المتظاهرين الذين رفعوا شعار إسقاط النظام. لكن باحثين مستقلين اعتبروا الاحتفاء باكتشاف لقب «عفاش» ملمحاً سلبياً ونقيصة للانتفاضة التي يفترض أن تنهض على ثقافة جديدة وقيم حديثة.
ولم تمض سنة حتى ارتد أسلوب التشكيك بالنسب على معارضي النظام السابق. فخلال الأشهر الأخيرة شن سياسيون وبرلمانيون موالون للرئيس صالح حملة على شخصيات سياسية من معارضيه، ومن هؤلاء أسرة الشيخ الأحمر التي شكك برلماني بارز بنسبها مرجعاً أصولها إلى البانيا. ثم طاولت حملة الاتهامات هذه رئيس الوزراء في حكومة الوفاق الوطني الذي اتهمه معارضوه بأنه من اصل صومالي. وامتدت هذه الحملات إلى شاشات التلفزة الرسمية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت حتى بلغت في الآونة الأخيرة ذروة غير مسبوقة.
والحاصل أن الحديث عن أعراق وقبائل وعشائر وبطون وأفخاذ قد يبدو مألوفاً في مجتمع تقليدي مثل اليمن لكنه يبقى مستغرباً ومستهجناً عندما يصدر من نخب البلد أو من يفترض أنهم كذلك.
وبحسب الباحث جازم سيف فإن حرب التنابذ بالأنساب هذه، هي انعكاس لأزمة المجتمع المدني، موضحاً أن اليمنيين ومنهم الأجيال الجديدة ما زالوا مهجوسين بالبحث عن نقاء وتفوق من خارج الفضاء المدني، ومؤكداً أن اليمن لا يزال محكوماً بسلطة الأسر وليس بالمشاريع المدنية.
ويرجع اليمنيون نسبهم إلى فرعين هما نسل قحطان ونسل عدنان. وكانت العدنانية والقحطانية تحولتا إلى ما يشبه الأيديولوجية العصبية لفترة غير وجيزة. وبعد إطاحة النظام الملكي في شمال اليمن في ستينات القرن الماضي سعت الجمهورية الفتية إلى إلغاء التمايز ما بين قحطاني وعدناني، لكن تلك الفترة شهدت أيضاً تصاعداً لظاهرة التشكيك في الهوية اليمنية وهي ظاهرة تترافق أحياناً بالخصومة السياسية.
وكان نائب رئيس الجمهورية في تلك الفترة عبد الرحمن البيضاني أحد الذين جرى التشكيك بهويتهم اليمنية. واستمرت قضية التشكيك في نسب البيضاني حتى وفاته قبل سنوات، حتى أنها وصلت إلى المحاكم.
وقبل سنوات تعرض الرئيس اليمني السابق عبد الرحمن الأرياني، وهو المدني الوحيد الذي حكم شمال اليمن، إلى اتهامات بأنه من أصل يهودي. وما انفكت حملات التشكيك تطاول شخصيات مختلفة شمالية وجنوبية فيما «يتهم» البعض بأنهم من أصول تركية وفارسية (إيرانية) أو هندية. ويواجه المولدون الشباب مشاكل اجتماعية جراء هيمنة ما يصفه البعض بخرافة الأنساب. ومعلوم أن جولات الحروب التي شهدها اليمن كحرب صعدة مثلاً، نهضت في جانب منها على القول بوجود سلالة تنتسب إلى نسل النبي.
ويؤكد الباحث جازم سيف وجود نخب سياسية تنهض وتتغذى على خرافة العرق والأنساب وتجد في إعادة إنتاج الثقافة التقليدية مصدراً لديمومتها. وأوضح سيف أن الفرد اليمني يتحدد اليوم وفقاً للنظام التراتبي الطبقي التقليدي، معتبراً ظاهرة شجرة الأنساب واحدة من معوقات دمقرطة المجتمع اليمني وتحديثه.