13 ديسمبر 2011

معرض يمني يحتفي بـ«الكتابة البيضاء» ويدعم قيادة السعوديات للسيارة

«سلة المهملات التي في ركن المقهى هي ذلك الشيء الذي أطلق عليه آدم العجوز سلة الذكريات»... «غادر الجندي مرتدياً رقعة الشطرنج»... «الصور تفشل في إخفاء جمال الإنسان»... هذه الاقتباسات ليست من أعمال سوريالية لكتّاب لهم باع وشهرة عالمية في هذا المضمار، بل من نصوص تعدّ التجربة الأولى لشبّان يخوضون مغامرة الكتابة ضمن برنامج للتدريب على الكتابة نفّذه أخيراً «منتدى التبادل المعرفي» في صنعاء.
عشرات النصوص المنجزة خلال 10 ورش تدريب، تحولت على يدي الفنان الشاب محمد الصليحي «لوحات» بالأبيض والأسود، وعرضت في صالة المنتدى. وخلافاً للكتاب الورقي أو الالكتروني أو حتى التسجيل الصوتي، وجميعها تتيح القراءة في وضعية الجلوس، يجد زائر المعرض نفسه ملزماً بقاعدتين: الأولى، القراءة وقوفاً. والثانية، وجود مسافة بينه وبين النص تحول دون الملامسة المادية بينهما.
والظروف التي كتب فيها المتدربون نصوصهم تقترب من القاعدة الثانية ايضاً، فغالبية أصحاب النصوص لا خلفية لها في الكتابة، بل إن هناك من لم يكن يبدي شغفاً حتى بالقراءة... كأننا هنا إزاء كتابة بيضاء لا تنهض على أي إرث تراكمي، كتابة انبثقت من اللحظة ومما يشبه الصدفة.
والمفارقة أن اقوى النصوص وأجملها هي تلك التي كتبها شبان متخفّفون تماماً من أي اهتمامات تتعلق بالكتابة والقراءة. وتقول المشاركة أماني العريقي (25 سنة) التي أنجزت نصوصاً لافتة، إنها لم تخض تجربة الكتابة من قبل، ولا حتى من نوع الخواطر، ولو أنها كانت أحياناً تدوّن يومياتها. وفي الورشة، وفق العريقي، راح المدرّب يطلب من المشاركين كتابة ما يخطر في أذهانهم.
ويقول مدرب الورشة نبيل قاسم، وهو ليس كاتباً محترفاً أو مشهوراً، أنه لا يملك معارف كثيرة في فنون الكتابة، ولا يعتبر نفسه مدرباً، بل مجرّد مشرف. ويرجح قاسم أن تكون «الحرية الكاملة» التي قال إنه أتاحها للمشاركين تقف خلف إنجاز المشاركين نصوصاً جيدة.كما تضمن المعرض نداءات تحض السلطات السعودية  على اتاحة حق قيادة السيارة للنساء .

طفل المراة العاملة مصدر خلافات أسرية في اليمن


تكاد تكون كلمة «ماما» الأكثر شيوعاً في العالم، وأول ما يلفظه الطفل مع بدء كلماته المتلعثمة لمناداة والدته. ولكن ومنذ بدأ كريم (3 سنوات) النطق وهو ينادي جدته «ماما». فعلى رغم أمراض ضغط الدم والسكر التي تشكو منها الجدة إلا أنها بقيت الحاضن الرئيسي لحفيدها أثناء غياب والديه في العمل. ولا تقتصر رعاية الجدة للصغير على الفترة الصباحية بل تمتد أحياناً إلى فترة المساء، حين تضطر الأم إلى قضاء بعض الحاجات خارجاً، فيما يكون الأب في مقيل القات أو مع أصدقائه.
ونادرة هي الحالات التي يرعى فيها الأب في اليمن طفله، فقلّما يكون على قدر من الثقافة والفهم الحقيقي لمعنى الشراكة. لكن ليلى وزوجها اللذين يعملان في مجال التعليم استطاعا أن ينظما عملهما بحيث يلتحق هو بمدرسة مسائية ليتولى صباحاً رعاية الطفل إلى حين عودتها. وتقول ليلى إن هذا الأمر فرضه عدم وجود أقارب لهما في صنعاء وعدم قدرتهما على دفع نفقات الحضانة.
ويُستنتج من حديث عدد من الأمهات العاملات، وجود خيارات عدة أمام الأم اليمنية في ما يخص وضع طفلها أثناء غيابها، إلا أن دار الحضانة تبقى آخر هذه الخيارات و»أسوأها»، على حد تعبيرهن.
وتقول هديل، وهي موظفة حكومية إنها اضطرت إلى الاستعانة، بـ «شغالة» لرعاية الطفل أولاً والقيام بالمهمات المنزلية ثانياً، مرجعة ذلك إلى عدم ثقتها بدور الحضانة.
ولا تزال حالات إيداع الأطفال في دور الحضانة أو تركهن في عهدة العاملات المنزليات محدودة. ويرجع ذلك إلى «حداثة» هذه المهن وعدم ترسخها في الثقافة العامة. وتعترف هديل بأن ثقافة المجتمع اليمني، لم تنضج بعد لتقبّل إيداع الصغار في دور حضانة، موضحة أن السبب الرئيسي في ترك طفلها مع «الشغالة»، هو ضعف أداء دور حضانة الأطفال خصوصاً لجهة توافر الطاقم المؤهل للتعامل مع الصغار من الناحية النفسية.
وتذكّر أنها وبحكم نشاطها أحياناً مع منظمات غير حكومية تلاحظ مدى ضعف التعامل «الحنون» حتى لدى المربيات الكفوءات. ولا تستبعد هديل أن تكون الأجور الزهيدة لعاملات دور الحضانة أحد أسباب تدهور «التعاطي الأمومي» لديهن.
ويعد ترك الطفل عند أحد الأقارب الخيار الأفضل لدى كثير من الأمهات العاملات، وبخاصة إذا ما كان الأقارب على مقربة جغرافية من مقر عمل الأم.
ومن المرجح أن السبب في ذلك يعود إلى طبيعة الثقافة المجتمعية، وتأخر الاهتمام الرسمي بأطفال النساء العاملات. فقانون العمل الصادر عام 1995 خلا من أي إشارة إلى أوضاع أطفال النساء العاملات، وفي عام 2003 فقط صدر قرار جمهوري بإضافة مادة إلى قانون العمل تفرض «على المؤسسات العامة والخاصة، المستخدمة لخمسين عاملة وأكثر في منشأة واحدة، أن تنشئ أو تعهد إلى دار للحضانة بإيواء أطفال العاملات»، بيد أن الالتزام بالقانون مازال ضعيفاً.
وفي بعض مدارس البنات ثمة ما يشبه دور الحضانة حيث تتولى امرأة رعاية أطفال المعلمات واحياناً أطفال طالبات متزوجات، مقابل مبلغ مالي مقبول نسبياً. وهناك موظفات يجبرن بناتهن الكبيرات ممن هن في الإعدادية أو الثانوية على تحويل فترة دراستهن إلى الفترة المسائية ليبقين في الصباح بجانب الطفل، وقلة قليلة من الموظفات يصطحبن أطفالهن إلى مقار العمل.
وفي مجتمع تقليدي مثل اليمن لم تترسخ فيه بعد ثقافة المساواة حيث لازال البعض يعتبر عمل الزوجة انتقاصاً لرجولة الزوج، وقدرته على الإعالة يؤدي انجاب الأطفال أحياناً إلى نشوب خلافات بين الزوج والزوجة الموظفة. وتقول أم الرحيم إنها اضطرت إلى أخذ إجازة من دون راتب لتتفرغ لرعاية طفلها الأول بعدما لاحظت تشدد زوجها ورفضه إيداع طفلهما في حضانة أو تركه لدى جدته لأمه، من دون أن تستبعد أن يكون زوجها وجد في وضع الطفل مبرراً ليمنعها من العمل، مشيرة إلى أنه غير مقتنع تماماً بعملها.
وباتت المرأة العاملة معنية بالجمع بين دورها في المنزل وفي العمل، كي لا تفقد أحدهما، خصوصاً مع استمرار اعتقاد بعض الرجال بأن عمل المرأة سيوفر لها نوعاً من الاستقلال الاقتصادي، ويؤثر في تبعيتها له. ويقول احد الأزواج أنه تفاجأ بأصدقائه يتهكمون عليه وينادونه بـ»المبنن» بعدما علموا انه غاب عن المقيل ليرعى طفله إلى حين عودة ألأم من حفل زفاف قريبة لها.
وكانت وزارة الإعلام أوقفت في وقت سابق بث مسلسل تلفزيوني بسبب تضمنه حلقة تتناول الزوج وهو يقوم بمهمة الزوجة من ولادة ورضاعة وغيرها.

12 ديسمبر 2011

أروى عثمان تفوز بـ"المينيرفا": أتمنى أن يأتي يوم لا أسمع فيه خطب الزعيم القبلي والشيخ الديني أو حشرجات أديب محبط


أكدت الكاتبة اليمنية أروى عثمان، أثناء تسلمها جائزة "المينيرفا – أنّا ماريا ماموليتي" الإيطالية، الحاجة الماسة لاحلال السلام في بلدها الذي يشهد منذ شهور موجة عنف، على رغم توقيع اتفاق لنقل السلطة في نوفمبر الماضي.
وقالت عثمان أثناء تسلمها جائزة مؤسسة المينيرفا – انّا ماريا ماموليتي الإيطالية، في حفلة أقيمت أخيراً في قاعة كابيتوليني التاريخية بروما، إن الطريق الامثل لإيقاف الحروب المتناسلة التي تعصف ببلادها يتمثل في بناء دولة قانون ومواطنة متساوية، ودستور يفصل الدين عن السياسة.
وتُمنح الجائزة، التي تأسست قبل 28 عاماً، لشخصيات نسويه مبدعة في العالم لها إسهامات مميزة في التعليم والإعلام والفنون والسياسة وحماية للحقوق الإنسانية والمدنية. وبحسب لجنة الجائزة، فأن منح عثمان جائزة المينيرفا لعام 2011، جاء لنشاطها الثقافي، ولدورها في حماية التراث ودفاعها عن حقوق المرأة في بلادها.
وصدر لعثمان حتى الآن مجموعتان قصصيتان. وترأس بيت الموروث الشعبي غير الحكومي. وتُعتبر من أبرز الناشطات المدنيات في ساحة التغيير في صنعاء. وسبق وتعرضت مع عدد من الناشطات الليبراليات لاعتداء بالضرب من قبل عناصر تابعة للفرقة الاولى المدرعة المنشقة عن الجيش، على خلفية مشاركتهن في مظاهرة مختلطة خرجت تندد بخطاب للرئيس اليمني أساء فيه الى النساء المعتصمات المناوئات لحكمه.
وقالت عثمان مخاطبة الجمهور الايطالي "كنت أتمنى أن أحمل معي كتب وإصدارات بيت الموروث الشعبي لكن موقع البيت تعرض للحصار والقصف، بعدما ظل مغلقاً لأكثر من عام"، ضمن ما تواجهه الثقافة والفنون من ضغط وحصار.
وأضافت "أتيت إليكم محملة بروح الأمل الذي لا نملك سواه، روح الإنسان الذي لا يهزم ويجعل من دفاتر هزائمه إنساناً من "فينيق" يتجدد من الرماد. إنه الإنسان اليمني الذي تعطش للحرية، وصنع ثورة سلمية، واعتزم مواصلتها وإن خُنقت بالعسكر والأصوليات الدينية والقبائل... لكنه سيصنع التغيير ليمن جديد منفتح على نفسه وعلى العالم الكبير بثقافاته المختلفة".
وأوضحت أنها ليست مولعة بالتراث كمتحف وكهف يتحكم بالانسان بحجة الهوية والخصوصية بل بما هو حياة مستمرة وحلم وسلام.
وتابعت أتمنى وأنا أحمل شعاعاً من المينيرفا أن أرجع به إلى بلدي المُقطع الأوصال بين تجّار حروب وعصابات يتقاسمون جثثنا للتفاوض بها أمام أجهزة الإعلام الدولية، أن نتداول فانوس المينيرفا، مع من يريد أن يواصل مقاومة الدمار بالفنون، لوطن يجب عليه أن يتوقف قليلاً، لكي يتسنى له سماع همس الجدات في المساءات، والغناء في نهاراته، ومواصلة رقصه بأقدامه المشققة، ليبدأ مشروع الحرية.
مؤكدة أنها ستواصل حلمها في أن تقام في بلدها صالة مسرح وسينما، ومتاحف، ودور للفنون المختلفة، وأن تعيش اليوم الذي لا تسمع فيه خطب الزعيم القبلي والشيخ الديني وحشرجات أديب يتجرع الإحباط.

26 أكتوبر 2011

نادية مرعي: سأكفن قلمي لو شعرت أن الكتابة مجرد تسجيل حضور!


تنهض قصيدة الشاعرة اليمنية نادية مرعي على دالة البحث عن الخلاص والانفكاك من شرك الوجود الاجتماعي، خصوصاً في اليمن حيث مناداة المرأة باسمها ما انفك يعد عيباً. لهذا السبب تقريباًً يغدو الشعر في نظرها «ملاذاً رائعاً» وهو قبل ذلك «موهبة تختار ضحاياها ولا يختارونها»، وذكرت مرعي التي تتهيأ لإصدار مجموعتها الثانية أنها ستكفن قلمها وتودعه «برزخ الذكريات» في حال شعرت يوماً أنها تكتب لمجرد تسجيل حضور اجتماعي. مؤكدةً أنها لا تجد مبرراً لوجودها خارج فضاء الشعر الرحب. معتبرة انخراط الكاتبة اليمنية في حركة الاحتجاجات بحثاً عن الكرامة والمواطنة السوية، لكن الثورة لا تصنع أدباء. فإلى نص الحوار:
> هل يوجد شيء استثنائي يدفع المرأة في اليمن لتلوذ بالشعر؟
- الفنون موهبة تختار ضحاياها ولا نختارها نحن، واقتراف اليمنية الشعر ليس خطيئة كبرى قياساً ببقية الفنون. وبالنسبة إليَّ لا أجد استثناء دفعني إلى فضاء الشعر، بل لا أجد مبرراً لوجودي في غير فضائه الرحب. قد يكون ملاذاً رؤوماً لي كما هو أي مجال إبداعي متنفس لأي مبدع يجد فيه ذاته وهويته وكل ما يحب ويتقن تعاطيه بخفة الكينونة.
> هل يعني هذا أن نظرة المجتمع لا تزال تضع قيوداً أمام الكاتبة؟
- جيلي أقل معاناة من الجيل السابق جراء نظرة المجتمع إلى الأديبة، بل أزعم أنني وجيلي محظوظات، فواقعنا الاجتماعي صار أكثر تقبلاً واحتراماً وتقديراً للمبدعة، وإذا وجدت الموهبة الحقيقية فإنها تجتاز أي قيود أو عوائق. وبالنسبة إلى الشعر والشاعرات فالمجتمع صار على وعي جيد تجاههما بفضل الشاعرات اللواتي تركن انطباعاً إيجابياً بإبداعهن وحضورهن.
> كيف تبدت لك صورة المنزل وأنت تضعين خطواتك الأولى على عتبة الشعر. ألا يبدو الشعر في المجتمعات المحافظة فضاءً بديلاً لمنزل يحيط الأنثى ويقيد حريتها؟
- الشعر ملاذ رائع من الحياة كلها. والوجود إذا لم يكن كما ينبغي أو كما يرضيني ألجأ للشعر. وإذا تجاوز الألم أو الفرح حدهما وشعرت بالجور أو بالغبطة أو بالعاطفة لجأت للشعر. الشعر نافذتي أطل منها على الوجود ومخلصي من الوجع. الشعر شريك رائع، وصديق صدوق وحبيب لا يخون. أول مرة كتبت فيها كنت في الصف الخامس الابتدائي عارضت قصيدة بعنوان الوردة البيضاء شعرت أنها غير مكتملة فأضفت إليها أبياتاً بالوزن والقافية ذاتهما. طارت والدتي من الفرحة، وبكت حين زارتني في المدرسة وتحدثت مع مدرسي وقال لها إن أسلوبي في التعبير مميز.
> لكن الملاحظ أنك لا تعطين الشعر أهمية كبيرة مثلك مثل كثير من الكاتبات. إذ تتبدى الكتابة وكأنها مجرد عبور عارض، ومرحلة شبيهة بمرحلة المراهقة؟
- أختلف معك في هذا، فأنا لا أتوقف عن الكتابة قد أكون غير مهتمة أو مهملة للنشر، لكني أقدس قلمي وأحتفي بالنص، ولو توقفت عن الكتابة أظن قلبي قد توقف قبلاً، هناك تجارب إبداعية تكتب لبعض الوقت ثم يقتلها الإحباط أو تأخذها مشاغل الحياة، وربما تتغير اهتمامات الكاتب، وقد تكون موهبته غير أصيلة فيتخلى عنها بسرعة.

24 أكتوبر 2011

توكل كرمان تثير الجدل وغيرة الناشطات الأكبر سناً


أعادت جائزة نوبل للسلام وهج النجومية للناشطة اليمنية توكل كرمان (32 سنة) بعد أن كاد الإحباط يدهمها جراء انحسار شعبيتها على خلفية اتهامها بـ «الشطح «وجر شبان الثورة السلمية إلى التهلكة من خلال تحريكها مسيرات من دون التشاور مع الآخرين أو تقدير النتائج المترتبة ما أدى إلى سقوط ضحايا.
غير أن منح كرمان جائزة نوبل للسلام بالتقاسم مع الرئيسة الليبيرية إلين جونسون سيرليف والناشطة الليبيرية ليما غوبوي، أعادها إلى واجهة الاهتمام المحلي والعربي والدولي وهي باتت بمثابة أيقونة لكثيرين في مختلف ساحات الاحتجاج. واستبدل كثيرون من الشبان والشابات صورهم الشخصية على صفحات «فايسبوك» بصورتها في الوقت الذي لا يزال هناك من يبدي ملاحظات على ما يعتقد أنها سلبيات صاحبت مسيرتها النضالية.
وتباينت ردود الأفعال في الشارع اليمني على منح الجائزة لتوكل. ففي حين شن الإعلام الرسمي والموالي للنظام حملة ضدها معتبراً أن الجائزة منحت لها لتتآمر على بلدها، عبر جنوبيون عن أسفهم «للسقوط « الذي آلت إليه معايير منح الجائزة معتبرين أن رموز النضال الجنوبي هم من يستحقون هذه الجوائز باعتبارهم السباقين في الاحتجاج السلمي ضد النظام الحاكم في صنعاء عندما بدأوا منذ 2007 يخرجون إلى الشوارع والساحات ويتعرضون للملاحقة. ويذهب البعض في ما يعرف بالحراك الجنوبي السلمي الداعي للانفصال، إلى القول إن الجائزة كافأت المحتلين الشماليين على اعتبار الحاصلة على الجائزة جزءاً من التركيبة السياسية للنظام الشمالي «المحتل» كما يصفه الجنوبيون. وبدا أن وقع المفاجأة الأصعب كان على الناشطات المدنيات الأكبر سناً والأعمق تجربة، خصوصاً اللواتي عرفن بأفكارهن الليبيرالية وعمق تجربتهن في النضال في حقوق المرأة، إذ اعتبر بعضهن أن كرمان خدمتها الصدفة والتوقيت.
وتنتمي الناشطة كرمان إلى الجيل الجديد من الإسلاميين العرب وهي تنتسب إلى جماعة «الإخوان المسلمين» وتشغل منصب عضوة مجلس شورى (اللجنة المركزية) لـ «تجمع الإصلاح الإسلامي» ووالدها من القادة الأوائل للجماعة في اليمن.
ويمكن أن تقدم كرمان نموذجاً للدور المفترض الذي يمكن أن يلعبه الإسلاميون الجدد لجهة إحداث تغيير في فكر وسلوك الحركات الإسلامية بما من شأنه ترسيخ التحول الديموقراطي والاعتراف بالآخر وكبح نزعات العنف.
وتمتاز كرمان بشخصية طموحة ومثيرة للجدل. ففي بيئة محافظة إلى حد بعيد، تبدو كرمان الجريئة والمصرة على تحقيق هدفها بأي ثمن، امرأة قيادية وواحدة من أشرس المعارضين للرئيس علي عبدالله صالح.
أولى إطلالات كرمان جاءت عبر مقالات صحافية «نارية» كانت تنشرها في صحيفة «الحزب الاشتراكي» الذي بقي عقوداً يعد العدو الرقم 1 لجماعة الإخوان المسلمين. هكذا غدت كرمان أحد عناوين مرحلة التقارب بين الإسلاميين والاشتراكيين، وهو التقارب الذي كان من نتائجه حدوث زعزعة في إيديولوجيات متصادمة وتبدل في نظرة كل طرف للآخر ليتوج في نهاية المطاف بتشكيل «اللقاء المشترك»، وهو تحالف معارض يجمع أحزاباً إسلامية ويسارية وقومية.
لكن كرمان ما لبثت أن أبدت تمرداً على الهيكلية الحزبية متكئة على الشعبية التي أخذت تحصدها في أوساط الشباب الذين نزلوا إلى الساحات والميادين للمطالبة بإسقاط نظام صالح، وتعـززت شعبيتها مع تعرضها للاعتقال.
ومع تكرر الأخطاء التي اتهمت كرمان بارتكابها ومنها تحريك مسيرات مرتجلة أدت إلى سقوط قتلى وجرحى على غرار ما حدث في مسيرة الزحف إلى مبنى مجلس الوزراء في أيار (مايو) الماضي، أخذ نجم كرمان يخبو وتصاعدت حدة الانتقادات الموجهة إليها حتى أن بعض الأصوات علت تطالب بمحاكمتها، بل إن ما يشبه المحاكمة أو المحاسبة جرى على مواقع التواصل الاجتماعي وشبكة الإنترنت. ولعل ابرز الإخفاقات التي واجهتها كرمان تمثل في إعلانها مجلساً انتقالياً للثورة لم يحز أي رضا أو تجاوب حتى بين المكونات الشبابية. لكن ما يحسب لها فعلاً هو تمردها على الطاعة الحزبية وقدرتها على قول «لا» حتى داخل حزبها.
وشهدت مسيرة كرمان قفزات متسارعة وكبيرة أبرزها تخليها عن النقاب ونقل نشاط منظمات المجتمع المدني إلى الشارع من خلال الاعتصام الأسبوعي الذي كانت تنظمه مع شركاء لها في ساحة مجلس الوزراء ما جعلها ناشطة ميدانية أكثر منها سياسية.
ولا شك في أن حصول كرمان على نوبل للسلام من شأنه الارتقاء بخطابها باتجاه العقلانية والتسامح والحوار وهو ما بدأته أصلاً، في وقت يعول عليها كثيرون للعب دور في التقارب بين السنة والشيعة والإسلاميين والعلمانيين. ومنح هذا التوجه دفعة جديدة تؤسس لثقافة التعايش والحوار بدلاً من ثقافة الإقصاء والإلغاء التي تسيطر على سلوك مختلف القوى السياسية. وتكمن أهمية الجائزة في كونها تعطي محفزاً قوياً للشباب الإسلامي على الانفتاح على العالم والغرب خصوصاً.

المستشفيات مرابض دبابات وضحايا الاحتجاجات أطفال ونساء

«ممنوع دخول السلاح باستثناء الصواريخ والدبابات». هذه واحدة من الطُرف التي يتداولها أبناء تعز تهكماً على «تحويل» المستشفيات ثكناً عسكرية.

01 أكتوبر 2011

جامعة صنعاء تستقبل العام الجديد بالمصفحات... والدراسة متوقفة

«جامعة مغلقة على الثوار». هذه هي حال جامعة صنعاء المحاصرة بخيام المعتصمين المطالبين برحيل الرئيس علي عبد الله صالح عن الحكم. وهي، أي الجامعة، صارت ثكنة لمصفحات وجنود الفرقة الأولى المدرعة المنشقة عن الجيش.

ليست الجامعة، فقط بل منطقة الحي الجامعي برمتها صارت واقعة ضمن سيطرة القوات المؤيدة للثورة وذلك بعد أن باتت العاصمة مقسمة إلى مربعين: احدهما تحت سيطرة القوات المؤيدة للثورة وآخر في قبضة القوات الموالية للرئيس صالح.

بالإرباك والتعطيل نفسيهما اللذين أصابا النصف الثاني من العام الجامعي الفائت يطل العام الأكاديمي الجديد. بل هو يبدو أسوأ حظاً من العام السابق. فاستمرار حركة الاحتجاج المنزلقة أحياناً نحو العنف ما انفك يخلف فوضى عارمة وشللاً يصيبان مناحي الحياة اليومية والتعليم واحد منها.

وكما يجري بالقرب من جامعتي صنعاء وعمران يحدث في جامعة تعز التي تشهد اشتباكات متكررة بين قوات الحرس الجمهوري ومسلحين قبليين مؤيدين للثورة. فيما تقول وزارة التعليم العالي أن طلاب كلية التربية في زنجبار في محافظة أبين التي نزح سكانها جراء القتال بين الجيش وجماعات يعتقد بانتمائها الى تنظيم «القاعدة» سيتم استيعابهم في جامعة عدن.

إنجاز «الثورة أولاً» شعار يجمع الطلاب والأساتذة الذين يشاركون في العملية الاحتجاجية ويشكلون نواة صيرورتها. فلا هدف يرتجونه غير هدف إسقاط النظام. ووفق البعض فإن أوضاع التوتر الأمني ليست العائق الوحيد أمام استئناف الدراسة بل يرتبط الأمر أساساً بعدم انجاز الثورة. تقول سلوى التي تدرس في جامعة خاصة: «صورة دماء الشهداء ما زالت حاضرة في خيالنا فكيف ستطيب لنا الدراسة قبل أن ننجز حلم الشهداء».

والواضح أن الشعور بالإحباط واليأس الذي لطالما سيطر على طلاب الجامعات اليمنية يبدو اليوم وكأنه يتحلل واجداً في الثورة والتشبث بها خلاصاً له. يقول عبدالرؤوف: «إذا فشلت الثورة فستكون ضربة كارثية أكثر تأثيراً من هزيمة حزيران 1967».

ويرى الطالب في جامعة صنعاء أن الهبة الشعبية الحاصلة الآن تمثل «فرصة نادرة للشعب اليمني لنيل الخلاص وإذا لم تنجح الثورة فإن هذا الشعب لن يحوز مثل هذه الفرصة حتى بعد مرور مئة عام».

وتتهم السلطات الطلاب والمدرسين المنتمين إلى أحزاب المعارضة بالتسبب في تعطيل الدراسة في الجامعات الحكومية بما فيها تلك الواقعة في مدن تخلو من قوى عسكرية أو مسلحين مؤيدين للثورة مثل جامعة عدن التي قررت إدارتها أن يكون العام الدراسي الحالي من ثلاثة فصول تعويضاً للطلاب عن الفصل الدراسي الذي حرموا منه العام الماضي بسبب تعطل الدراسة نتيجة الاحتجاجات. غير أن الأسبوع الأول من العام الدراسي الجديد لم يشهد اقبالاً.

والأرجح أن تعطل الدراسة في الجامعات الحكومية سيستمر ما لم تشهد الأزمة التي تعصف بالبلد إنفراجاً. وما عدا ذلك فالمتوقع أن يتضاعف تعطيل حركة الدراسة خصوصاً في ظل اعلان المناوئين للنظام تصعيد احتجاجتهم في ما بات يعرف بالتصعيد الثوري الهادف الى التعجيل بإسقاط النظام.

على صعيد متصل دعت نقابة هيئة التدريس في جامعتي صنعاء وعدن الى استمرار الاضراب الشامل عن العمل والذي بدأته العام الماضي حتى تحقيق مطالبها ومنها اقرار مبدأ انتخاب رؤساء الجامعات والقيادات الأكاديمية، وتحقيق الاستقلال المالي والإداري للجامعات.

وقالت النقابة في بيان لها أن «تغيير الواقع المأسوي لن يتحقق إلا باستمرار وقوفنا مع أبنائنا الطلبة الذين اندفعوا إلى ساحات الحرية والتغيير في جميع ربوع الوطن تحت تأثير وطأة شعورهم بالإحباط وانسداد آفاق الأمل بمستقبل آمن تصان فيه حرية الإنسان اليمني وكرامته». ولوحظ في بيان النقابة إغفاله للحقوق المادية وتركيزه على قضايا الحريات.

ويمتلك تحالف احزاب المعارضة المعروف باسم «اللقاء المشترك» حضوراً قوياً داخل الهيئة التدريسية وفي الاتحادات الطالبية. وحقيقة الامر أن معظم الطلاب اليمنيين في الجامعات والثانويات ميالون في الغالب الى التذرع بأي سبب للتوقف عن الدراسة بصرف النظر عن انتماءاتهم الحزبية. وثمة كراهية يكنها كثير من الطلاب للمؤسسات التعليمية، ويرجع هذا الى نمطية التعليم ورتابته وافتقاده للحيوية ناهيك بتخلفة. ومثل هذا يصح على العاملين في سلك التعليم الذين يتهمون بعدم الاهتمام بتنمية معارفهم العلمية وانغماسهم الكلي في الشأن السياسي.

ولئن بقي مشهد الثورة الشبابية في اليمن يراوح مكانه من دون حسم على رغم مرور ما يزيد على 8 شهور على اندلاع الحركة الاحتجاجية المطالبة باسقاط النظام، إلا أن الغموض ما زال يكتنف طبيعة مستقبل التعليم في حال نجحت الثورة، فخلافاً لبقية ثورات الربيع العربي يبدو التناقض في حال اليمن قائماً أيضاً داخل مكونات الثورة نفسها. ويعد الخلاف حول الدولة المدنية والدولة الاسلامية ابرز مؤشرات الانقسام الحاد بين الاسلاميين وغيرهم من القوى في الساحات، وهو أمر يجعل من الصعب التكهن بمدى التطوير الذي يمكن أن يشهده تعليم ما بعد الثورة.

العودة إلى مقاعد الدراسة في اليمن محفوفة بمظاهر الانقسام والحرب


للمرة الأولى يبدو العام الدراسي الجديد في اليمن شائكاً. تواجهه تعقيدات ومخاطر شتى في شكل ربما قاده إلى التعثر التام حتى قبل أن تفتح المدارس أبوابها.

فالشلل الذي ضرب النصف الثاني من العام الدراسي الماضي يعود اليوم في صورة شديدة السواد، تتوزع ما بين إرهاصات نشوب حرب في صنعاء وقتال شوارع مستمر في تعز وحرب تامة في أبين، التي غادرها معظم سكانها ليتخذوا من مدارس عدن مأوى لهم. وربما رفضوا مغادرتها ما لم يتم التوصل إلى حل ناجع يرضيهم، خصوصاً في ظل ما تردد عن رفضهم مقترحاً يقضي بنقلهم إلى معسكر إيواء خارج المدينة. وأولاد الأسر النازحة باتوا بدورهم مشكلة مضافة تتمثل بكيفية إلحاقهم بالمدرسة.

شعار «لا دراسة ولا تدريــــس إلا بإسقـــاط الرئيــــس»، لم يعـــد مجرد شعـــار سياسي يرفعه معارضـــو الرئيس علي عبدالله صالح ويرسمونه على الجـــدران. فتعطل الدراسة كلياً أو جزئياً يبدو أمراً واقعاً سواء اتفق الأفرقاء السياسيون أم لم يتفقوا. خصوصاً في ضوء صعوبة كبح التدهور الأمني وتردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية وشحة الغذاء.

ولا يقتــــصر الأمر على انقسام المؤسسات التعليمية ما بين موالاة ومعارضة، بل إن بعض المدارس تحول إلى ثكنات ومتاريس للجماعات المتقاتـــلة، كما هي الحال في حي الحصبة في صنعاء وبعـــض مناطق تعز، ناهيك بالتمترس النفسي الحاصل بين التلاميذ أنفسهم الذين لطالما زُج بهم في مسيرات متعارضة بعضها يردد «الشعب يريد إسقاط النظام»، وأخرى تهتف «الشعب يريد علي عبدالله صالح».

والواضـــح أن المشكلة الإنسانية في اليمن لم تعـــد مجـــرد مشكلة عوز فئة من المواطنين يمكن أن تعــــالجها الجمعيات الخيرية من خلال توزيع الحقيبة المدرسية وبعض الحليب والجبنة، بل هي مشكلة بنيوية تضرب جذورها في عمق المجتمع والدولة.

وإذا علمنا أن العودة الى المدرسة لا تعدو أن تكون في الأحوال العادية مجرد زوبعة في فنجان، تخلو من أي اهتمام حقيقي سواء من الجهات الرسمية أم من الأسرة، فقد أضحت في ظل الأزمة الحالية خارج الاهتمام العام.

وكان هاجس الثورة الشعبية المطالبة بتنحي الرئيس وأبنائه وأقاربه عن الحكم، استولى على كثيرين لدرجة إرجاء كل ما ليس له صلة بهذا المطلب، حتى وإن تعلق الأمر بحق الصغار في التعليم. والحقيقة أن التعليم كان ولا يزال في مهب الفوضى والنزاعات السياسية والحزبية. وقلما حرص طرف سياسي أو جماعة على تحييد مؤسسات التعليم فكيف بتطويرها. والمثير للحسرة أن تتلاقى مختلف الأطراف الحزبية المتصارعة على التحايل على برامج بعض المؤسسات الدولية الرامية إلى تحديث التعليم.

وتزخر الثقافة العامة بمؤشرات تدل على الخلط ما بين المربي التربوي والمناضل السياسي. وتحضر السياسة هنا بمعناها الحزبي الضيق والعصبوي، وليس بأفقها الديموقراطي المنفتح على التعدد والاختلاف وقبول الآخر.

ومع إعلان المحتجين المطالبين بإسقاط النظام تصعيدَ حملاتهم في ما بات يسمى بـ «الحسم الثوري»، تبدو العودة إلى المدرسة مناسبة جيدة لمزيد من الحشد للطلاب. وهو أمر ربما تخللته حوادث وإصابات تطاول التلاميذ. وعادة ما تتبادل الأطراف المتصارعة الاتهامات بالتسبب في هذه الحوادث من دون أن يستقر الأمر على تحديد هوية المسؤول عن الجريمة.

وكـــررت منظمات إنسانية مثل «يونيسيف» تحذيرها من خطورة الزج بالتلاميذ في أتون الصراعات، داعية الأطراف إلى تجنيب الأطفال مخاطر الصراعات.

وتخشى أسر كثيرة من أن تؤدي العودة إلى المدرسة إلى تعريض أبنائها للخطر. وكانت بعض المدارس توقفت بسبب وقوعها في إطار تمركز الآليات العسكرية والمسلحين التابعين لهذا الطرف أو ذاك. كما يؤدي انقسام جغرافي في بعض المدن مثل صنعاء وتعز إلى مربعات تسيطر عليها القوات المتنازعة، وإلى صعوبة انتقال التلامذة إلى مدارسهم بسبب انتشار نقاط التفتيش العسكرية وإقفال بعض الشوارع بالحواجز.

والحال أن عودة التلاميذ اليمنيين إلى المدرسة إذا ما قيض لها النجاح، يرجّح أن تكون عودة إلى الصخب والخطر واللاجدوى أكثر منها عودة إلى التحصيل العلمي..

25 يوليو 2011

ساحة التغيير في صنعاء «لوكندة كبيرة» ومزاد شهداء



       
       
               

«أنت مع الإصلاحيين أو مع الحوثيين؟»هذا هو الخيار المطروح في ساحة التغيير في صنعاء كبرى ساحات الاحتجاج اليمنية والتي لطالما أعتبرت الرافعة الرئيسة للثورة الشبابية المطالبة بتنحي الرئيس اليمني وأبنائه وأقاربه عن الحكم.
تكلس ونهش للذات لا يقف عند حمى الولاءات المتوزعة هنا وهناك بل ويصل الى حد تبادل العنف. إذ سجلت حوادث عراك بالأيدي والعصي بين شبان من حزب الإصلاح وآخرين من الحوثيين.
الانقسام طاول أيضاً جغرافيا الساحة وصار الشطر الواقع جهة معسكر الفرقة الأولى المدرعة المنشقة عن الجيش خاصاً بخيام الاصلاحيين والسلفيين وطلاب جامعة الايمان فيما الشطر الواقع لجــهة الــجامعة القديمة خاص بالحوثــيين والاشــتراكيين والناصريين.
أما الكارثة ومدعاة الحسرة ففي مزاد الشهداء المتأتي من سعي كل جماعة حزبية الى استعراض قوتها واثبات وجودها من خلال تنظيم مسيرات محدودة أو غير مخطط لها ما يؤدي الى إزهاق الأرواح ورفع عدد الضحايا.
يوم الاثنين الماضي مثلاً قضى ما لا يقل عن شخصين وجرح آخرون اصابات بعضهم خطرة في مسيرة لا يتجاوز عددها 500 شخص نظمتها جماعة حوثية.
مئات الشبان قضوا في مسيرات غالبيتها جاءت من دون تخطيط أو نتيجة ارتجال بعض القيادات في الساحة. وجرت العادة في مثل هذه الحالات أن يتبادل الجميع الاتهامات وكأن جماهير الساحة مطواعة الى هذه الدرجة من الانسياق المتكرر. وبات الجميع في الساحة تقريباً يعرف إن منح صفة شهيد تختص بها لجنة يرأسها نائب في البرلمان ينتمي الى حزب الاصلاح.
ويروي هاني، وهو أحد الشبان الناشطين في ساحة التغيير، أن القائمين على المنصة دعوا الاثنين الماضي الله بأن يمنح رفاقهم الذين خرجوا في مسيرة شرف الشهادة وكأنه تسابق بين الجماعات السياسية على تحصيل اكبر عدد من الشهداء.
وخبت نجومية بعض القيادات الشبابية مثال الناشطة توكل كرمان على خلفية تحميلها بعض أوزار ما يحصل من أخطاء وصار البعض يتحدث عن حب الظهور عند بعض القيادات ونزعة الزعامة التي تصل حد الهوس حتى ولو جاء ذلك على حساب أرواح بعض المتحمسين المدفوعين برغبة التغيير.
وكانت وثائق مسربة كشفت عن شروع بعض الجماعات في إعداد قوائم بأسماء وبصمات الشبان المتطوعين للشهادة في وقت ظهرت مجموعات شبابية ترتدي الاكفان وبينهم أطفال وهو لم يثر إلا انتقادات قلة قليلة من نشطاء حقوق الانسان.
وعلى رغم انصرام نحو 6 أشهر على اندلاع ما يسمى بالثورة الشبابية في اليمن إلا أن شيئاً جوهرياً لم ينجز بعد.
والحدث المفصلي حتى الآن تمثل بمحاولة اغتيال الرئيس صالح وعدد من اركان حكمه مطلع حزيران (يونيو) الماضي ما استدعى نقلهم الى السعودية للعلاج. وبدلاً من شعار»إرحل» حلت مطالبة السعودية ودول الخليج بعدم السماح للرئيس بالعودة.
وأدى ظهور الرئيس صالح على التلفزيون يوم 7 الجاري إلى زيادة طين الإرباك بلة خصوصاً مع ما بدا أنه اصرار على عدم التنحي. واخذت الساحات تتهم الخارج بالتآمر على الثورة من خلال عدم الضغط على الرئيس صالح حتى سرت نكات تسخر من «ثورة تريد من الآخرين أن ينجزوا لها مهامها».
وقوبل الإعلان عن مجلس انتقالي بفتور وتململ وأحياناً بالسخرية خصوصاً وان النظام القديم ما زال ممسكاً بزمام الأمور. فقد بدا الاعلان عن المجلس وكأن شبان الثورة أسقطوا فعلاً النظام وهو أمر يخالف الواقع وهو إعلان قوبل برفض غربي ولامبالاة المعارضة حتى بات واضحاً ان المجلس مات قبل ولادته.
والحاصل أن ســاحة التغيير باتت مجرد «لوكندة كبيـــرة» حسب تــعبير وضاح الجليل الناشط في الساحة. ويــقــول: «كثير من الشبان استمر لوضع البحبوحة والترفيه القائم خصوصاً مع توافر مختلف المتطلبات من غذاء وغيره كما صارت تتوافر مختلف وسائل الترفيه اضافة الى تنظيم دوري في كرة القدم».

وهناك من يتحدث عن مكاسب مادية تدرها الساحة للبعض في ظل تدفق التبرعات من داخل اليمن ومن المهاجر. وباتت بعض الصحف الصادرة في الساحة تغمز الى فساد وصرف أموال لا تعرف وجهتها وهناك من يتحدث عن استخدام المال المخصص للساحة في الاستقطاب السياسي.
والواضح أن ساحة التغيير صارت تأكل بعضها قبل أن تنجز هدفاً من اهدافها. ولعل هذا تحديداً ما يريده اللاعبون السياسيون أي تعطيل الساحات قبل انجاز اي توافق بين الحكم والمعارضة. ويعتقد البعض أن ظهور عناصر قبلية مسلحة تابعة لحزب الإصلاح وبعض احزاب المشترك في تعز أدى إلى تحويل العمل الاحتجــاجي الــذي بقــي لشــهور سلــمياً الى عــمل مسلح يأتي ضمن سيناريو تفكيك الساحات.
وكانت جهات غربية أفصحت عن مخاوفها من أن يؤدي اسقاط النظام الى صعود متطرفين في وقت لا يجهل أحد إن قائد الفرقة الأولى المدرعة المنشقة عن الجيش اللواء علي محسن الأحمر والشيخ عبد المجيد الزنداني القيادي في حزب الإصلاح ورئيس جامعة الإيمان متهمان أميركياً ودولياً برعاية جماعات متطرفة.



28 فبراير 2011

البلاطجة في اليمن...خليط من العسكر والقبائل وفتوات الحزب الحاكم يجمعهم إزدراء الجامعيين




  

 "أقتل ابوه"، «جامعيين مخانيث»، «يقلِّدو المصريين»... عبارات تسمعها من بعض أفراد الجماعات التي تهاجم في شكل شبه يومي الشبانَ المتظاهرين أمام بوابة جامعة صنعاء والمطالبين برحيل الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، ما أدى إلى سقوط قتلى وعشرات الجرحى في صفوف الشباب المحتجين، فيما لوحظ غياب الشرطة أو تصدّيها للمسلحين.
وإن شاع إطلاق مصطلح «بلطجية» على من يهاجمون المتظاهرين في مصر، أو «بلاطجة» في اليمن، إلا أنه في الحالة الثانية بات هذا التعبير أشبه بقناع يخفي الحقيقة بقدر ما يثير الالتباس، فالحاصل أن بلاطجة اليمن ليسوا عناصر مأجورة أو مرتزقة، كما في مصر أو ليبيا مثلاً، بل هم خليط من أفراد يعتقد بأنهم رجال أمن واستخبارات بملابس مدنية، وبعضهم بمعاطف عسكرية يخفون تحتها أسلحة، وبينهم قناصة يتبعهم أفراد القبائل وفتوات الحارات. وبين هؤلاء جميعاً من يتمنطق بالجنبية (الخنجر اليمني) ويحمل مسدسات أو عِصِيّاً، في حين يقتصر حمل الأسلحة الأخرى مثل الكلاشنكوف و «سكروبيان» وبنادق القنص على عدد محدود يتراوح عادة بين ثلاثة وخمسة أشخاص.
نهار السبت 20 شباط (فبراير)، وهو اليوم الذي أصيب فيه نحو 15 طالباً توفي منهم شاب لاحقاً فيما أصيب آخر بحال شلل نصفي بسبب رصاصة أصابت نخاعه الشوكي، كان هناك حوالى 4 مسلحين أحدهم يرتدي بذلة عسكرية مرقطة من التي يرتديها أفراد القوات الخاصة ويحمل بندقية قنص، وإلى جانبه شخص آخر يرتدي معطفاً عسكرياً ويحمل رشاشاً من نوع «سكروبيان»، فيما ثالث يرتدي اللباس اليمني التقليدي ويحمل كلاشنكوف. أخذ هؤلاء يتقدمون المجموعات التي جاءت من جهة ميدان التحرير عابرين شارع العدل باتجاه جولة (دوار) الجامعة الجديدة حيث يتظاهر يومياً آلاف الشباب والطلاب الذين انضمت اليهم أخيراً النساء والفتيات.
ويخفي المسلحون أسلحتهم تحت المعاطف ولا يظهرونها إلا حين يتطلب الأمر إطلاق النار. وفي هذه الحالات، يتخذون مواضع جانبية محاذية للجدران وأبواب الدكاكين المغلقة، كي لا ترصدهم عدسات التلفزة المنصوبة في المكان ذاته الذي يتمركز فيه المتظاهرون.
ويبدي أفراد هذه الجماعات، التي تناصر النظام، نفوراً كبيراً من آلات التصوير ويصادرون أو يحطمون الكاميرات التي تقع في أيديهم ويرشقون بالحجارة كل من يحاول التصوير، حتى أولئك الهواة من صغار السن الذين يحاولون تصوير ما يجري بواسطة هواتفهم الخليوية من أسطح منازلهم وشرفاتها.
وعلى رغم أن حركة الاحتجاجات التي يشهدها اليمن لم تدخل بعد درجة التهديد الحقيقي لنظام الرئيس علي عبدالله صالح، يشي الاتجاه العنيف الذي تظهره مجموعات البلاطجة عند مهاجمتها للشبان المحتجين بإمكان سقوط مزيد من الضحايا وبالتالي تزايد حدة التظاهرات والمواجهات التي قد تؤدي بدورها الى مزيد من العنف والقتل وفق البعض.
وكان استخدام الرصاص الحي لقمع المحتجين بدأ في عدن التي شهدت سقوط عشرات القتلى، وفي تعز، حيث ألقت مجموعة تابعة لرئيس الكتلة البرلمانية للحزب الحاكم قنبلة على المحتجين أدت إلى مقتل شابين ووقوع إصابات. ومع بدء الشباب المحتجين نصْب خيامهم قبالة الجامعة الجديدة في صنعاء وإعلان تحالف أحزاب المعارضة (اللقاء المشترك) التحامه بالشباب المحتج، ارتفعت وتيرة العنف الموجَّه ضد التظاهرات الشبابية التي تشهدها العاصمة. وإضافة الى المواجهات النهارية، شهدت ساحة الجامعة الأسبوع الماضي مداهمة ليلية أسفرت عن مقتل طالب وإصابة أكثر من 20 آخرين.
وكان لافتاً غياب الشرطة أو تدخلها للحؤول دون مهاجمة المسلحين للطلاب. فعلى رغم دوي صوت الرصاص في أرجاء المكان، الذي تقع فيه ادارة المباحث الجنائية وإدارة أمن صنعاء، اللتان يعبرهما المسلحون خلال رحلتهم نحو ساحة الجامعة، لم يلاحَظ أيُّ انتشار أو تدخُّل للشرطة أو محاولة للقبض على المسلحين. علماً أن سيارة للشرطة كانت ترابط في الجهة المقابلة من الساحة، وتحديداً في الشارع الدائري الغربي بجوار مركز تجاري. وبلغت شدة العنف حد الهجوم على بعض العابرين بشبهة انتمائهم للمحتجين، حتى أنه في إحدى الحوادث تدخَّلَ اثنان من عقال الحارات، وهم موظفون يتبعون الحكومة، ليقنعا المعتدين بأن الشخص الذي يضربونه ليس من المعارضة.
ولم تعلن الحكومة عن نيتها فتح تحقيق في الجرائم سوى الأربعاء الماضي، بعد انتقادات وجهتها اليها منظمات حقوقية دولية. الى ذلك، اتهمت وسائل إعلام حكومية مَنْ سمَّتهم «بلاطجة اللقاء المشترك»، بقتل شخص وإحراق سيارة، فيما نقلت وسائل إعلام محلية مستقلة قصصاً عن شبان محتجين تعرفوا خلال الاشتباكات مع أنصار الرئيس الى أشخاص ينتمون إلى قراهم اتضح أنهم جنود بملابس مدنية وليسوا بلاطجة.
والمخيف في الامر، أن الشحن ضد المحتجين وقمعَهم يترافقان مع شحن طائفي، اذ انتشرت إشاعات روَّجها البعض تفيد أن المحتجين هم من «اللغالغة»، أي الذين ينتمون لمناطق تتبع المذهب الشافعي. ويقول شبان محتجون إنهم يعون تماماً مقاصد هذه الإشاعات الهادفة الى تفريق الشبيبة، لكنهم لن ينزلقوا إليها.



24 فبراير 2011

عن الثورة التي أجهضها وزير التعليم اليمني


  
كانت مجرد حفلة فنية قدمتها طالبات مدرسة الكويت في تعز لتجسيد ما تدربن عليه ضمن برنامج يستهدف إشراك الطلاب في مناقشة قضايا مجتمعهم وإيجاد حلول لها. حفل ارتأى وزير التربية والتعليم إيقافه، بحسب الجهة غير الحكومية المشاركة في تنفيذ البرنامج، لما رأى فيه من علامات «ثورة ربما تقوض أركان النظام».

والبرنامج عبارة عن نشاطات في التربية المدنية، تنفّذ في عدد من المدارس الحكومية والخاصة في مدينة تعز ضمن شراكة بين «ملتقى المرأة للدراسات والتدريب» (منظمة غير حكومية) ووزارة التربية والتعليم، على أن تعمم التجربة بعد ذلك على بقية المحافظات.

وبحسب بعض مَن حضروا الحفلة، انطوت الأغاني والاسكتشات التي قدمتها الطالبات على نقد للفساد ولمواطن الخلل الذي يشوب عمل بعض المؤسسات الحكومية، وتحديداً ارتفاع الأسعار. وعلى رغم أن هذا يقع في صميم ما كان يهدف إليه البرنامج، أي ربط التلاميذ بقضايا مجتمعهم المحلي وتدريبهم على حل مشاكله، فإنه لم يرق للوزير الذي فضّل إيقاف العمل بالبرنامج.

ونُقل عن وزير التربية عبد السلام الجوفي قوله في كلمة ألقاها في الحفل إنه يرفض «التسييس»، معتبراً ذلك شرطاً رئيساً لتعميم تجربة التربية المدنية على بقية مدارس محافظات الجمهورية. وذكر أنه مع «المواطنة التي تبني ولا تهدم ومع مفاهيم الحرية والمساواة والعدل التي علمتنا إياها مدرسة علي عبد الله صالح»، وفق ما نشره موقع «الصحوة نت» في حينه. إلا أن الجوفي قال لـ «الحياة» إنه لم يتهم البرنامج بالتسيس بل اقتصر اتهامه على فقرات الحفلة. وأنكر وجود دوافع تتعلق بمخاوف سياسة وراء إيقاف البرنامج، لافتاً الى أن البرنامج «كان تجريبياً ومقتصراً على سبع مدارس، ومدته انتهت بسبب غياب الدعم الكافي».

وأكد تربويون شاركوا في البرنامج، أن نشاطاته لم تكن هدامة، «بل تعمل على بلورة مواطن ديموقراطي غير سلبي يشارك في قضايا مجتمعه ويساهم في حلّها من خلال نقد الأخطاء، ويكشف الممارسات السلبية، ويجد حلولاً، وهي من المهام التي يسعى البرنامج الى تدريب الطلاب والطالبات عليها».

وقالت نجاة شكري، وهي عضو في لجنة التحكيم التي تُعنى بتقييم أداء المجموعات الطالبية المشاركة في المسابقات المصممة ضمن البرنامج، إن البرنامج كان له أثر إيجابي، موضحة أن «تعريف الطلاب والطالبات بالسياسات العامة ومنها الدستور والقوانين المعمول بها، وتدريبهم على كيفية ملاحظة المشاكل المحيطة بهم بدءاً من المدرسة وانتهاء بالحي والمدينة، ساهما في شكل خلاّق في بلورة الشباب الملتصق بقضايا مجتمعه المحلي والعامل على وضع حلول لها. وقد ساهم طلاب شاركوا في البرنامج، في حلّ بعض المشاكل ومنها كشفهم أن التسرب التعليمي والهروب من المدرسة سببه خلو بعض المدارس من الحمامات».

وأكد ملتقى المرأة أن البرنامج «استهدف تعزيز قدرة المربّين والطلاب على المبادرة، والحمل على المواطنة الجيدة وتحمّل المسؤولية، كما يعزز العلاقات بين المواطنين من جهة وبينهم وبين الدولة من جهة أخرى، ويهدف بالدرجة الأولى إلى إيجاد مواطنين مساهمين ومسؤولين وفاعلين في النظام والعملية الديموقراطية بمفهومها الشامل». وأبدى وزير التربية استعداد وزارته لاستئناف برنامج التربية المدنية على المستوى الوطني، غير أنه لم يعط إجابة واضحة عن سبب عدم تنفيذ البرنامج خلال السنوات الماضية، وهو الذي كان بدأ في الـ2007.

ويشهد وعي المواطنين اليمنيين، خصوصاً في المدن، تطوراً وإن بدرجة ضعيفة، لكنه يبقى أسرع مما هو عليه الحال مع المنظومة الحكومية والحزبية التي يقول البعض إنها «لا تزال قابعة في عباءة الثقافة الشمولية». وثمة من يتهم الحكومة والأحزاب في التسبب بإضعاف المجتمع المدني «من خلال التدخل في عمل الجمعيات والمؤسسات الأهلية وتسييسها».

وإذا صحّ القول إن الوزير سعى الى إجهاض «ثورة الوعي» التي سمع صداها على أفواه الطالبات، فإن حقيقة الأمر هي أن دور المنظمات الأهلية ما زال محدوداً. وتلعب وسائل الاتصال الجديدة دوراً رئيساً في الهبّة الداعية الى التغيير وإسقاط النظام. وتبدو شبيبة تعز أكثر تماسكاً خصوصاً لجهة التنظيم وتوفير خيام ومعدات طبية للمتظاهرين، وربما مثّلت منظمة «صحفيات بلا حدود» حالاً استثنائية في تنظيم النشاطات التي مهدت لروح التظاهر إذ دأبت المنظمة خلال السنوات الماضية على تنظيم اعتصامات أسبوعية في ما بات يُعرف بساحة الحرية في صنعاء، وهي نشاطات تطغى عليها الخطابة.

ولم تعلن نقابة المحامين خطة للوقوف الى جانب المعتقلين من المتظاهرين، وقال مصدر مسؤول فيها: «مطلوب من المتظاهرين تقديم قائمة بأسماء المحتجزين والمخفيين ليتسنى للنقابة القيام بدورها».

وفيما بات واضحاً أن الانقسام يشمل أيضاً المنظمات غير الحكومية، نقلت قناة تلفزيونية غير حكومية عن شهود عيان قولهم إن جمعية محسوبة على الحزب الحاكم، وزعت هراوات على عناصر مخيمة في ميدان يصفهم المتظاهرون بـ «البلطجية».

وخلال الأسبوع الجاري ناشد «تحالف نساء من أجل السلم الاجتماعي» (وطن) القبائل اليمنية «اتخاذ موقف جاد من شأنه الإيقاف الفوري للاعتداءات التي يتعرض لها المحتجون من قبل البلطجية»، إلاّ أن أي جمعية أو منظمة أهلية لم تبرز لتقديم دعم ملموس. واكتفت بعض الجهات مثل «المرصد اليمني» و«منظمة هود» و«المركز اليمني لحقوق الإنسان» برصد الانتهاكات.